ذوو الهمم.. أحلام كبيرة لا نهاية لها

43

آية منصور /

تخليداً لروح المُبهجة والمُحبة للحياة، سماء الأمير، نسترجع وجوهاً قابلناها بفخر، وحاورنا بعضها ضمن مواد “مجلة الشبكة” المختلفة، وآخرين تعرفنا إليهم في مناسبات عدة. هم ملهمون، امتطوا خيول الإصرار، وكافحوا رغم (حروب) لايعرفون لها سبباً، يواجههم الإهمال الحكومي، وغالباً المجتمعي، وعدم توفر حتى أبسط المقومات التي يحتاجها صاحب الهمم، لكنهم، ورغم كل ما يحيط بهم ، بنوا بخيوط الشمس نهاراً جديداً لهم.
لا هزيمة توقف يدي
منعت كلية الفنون الجميلة رضوان الخياط من الدخول إلى أروقتها بسبب يده، أخبروه أنه سيصبح “عالة” عليهم، لكن يده المفقودة لم تمنعه من تحقيق بعض من أحلامه.
تعرض رضوان لحادث أفقده يده اليمنى، لتبدأ رحلة الصعوبات في حياته، إذ أنه بعد تخرجه في السادس الثانوي، أراد دخول كلية الفنون الجميلة لإكمال حلمه بالإخراج والتصوير، لكنه رُفض، وهذا الرفض الذي صدمه وآلمه كثيراً إلى درجة الانتكاسة، جعله أقوى، يقول لنا: “أصبحت أمرّن نفسي بشكل يومي على مسك الكاميرا بيد واحدة، كان الأمر صعبا للغاية في بدايته، لكني تمكنت منه.”
استطاع رضوان دخول كلية الإعلام، وخلال هذه الفترة كان يدرب نفسه لإخراج الإعلانات والفيديو كليبات، وهذا ما فعله، فقد تمكن من إنتاج وتصوير العديد منها، كما استطاع رضوان خياط أن يصبح أول لاعب للفنون القتالية “كيوكوشنكاي كراتيه” في العراق والوطن العربي، بيد واحدة! والمشاركة في البطولات المحلية والعربية. يضيف: “أواجه، وحتى اللحظة هذه، الكثير من المضايقات، لكنني أحب ما أعمل وأرى التحدي في جميع خطواتي، سأعمل على إنتاج وإخراج افلام عربية قتالية تضم الكراتيه والتصوير، الهوايتين اللتين احترفتهما.” وبروحه المصمّمة والجميلة، يطمح رضوان في إخراج مسلسل عراقي او عربي، ولا يجد ذلك مستحيلاً وإن كان صعباً.
رصاصة منعته من دخول الطب
غيرت رصاصة طائشة وغير مسؤولة، في حفل زفاف، حياة مصطفى حتى الأبد، وجعلتها أصعب، لكنه أصر على المواجهة.
فحين كان مصطفى طالباً في الابتدائية عام ٢٠٠٣، اخترقت رصاصة جسده عندما كان يلعب مع أصدقاء الحي. يقول: “لم يتوفر في المشفى أي شيء، حظر تجوال، وحياة متوقفة، وعائلتي منهارة لأني كنت في غيبوبة، حاولوا تحويلي الى مشفى الكاظمية ثم أعادوني إلى مشفى بلد لسوء حالتي إذ أصابت الرصاصة عمودي الفقري، تحديداً الفقرتين السادسة والسابعة.”
لكن القدر واجه تلك الرصاصة مع وصول فريق طبي (أمريكي) لتفقد المستشفيات آنذاك، شاهدوا حالته، فقرروا حمله، لوحده، ونقله الى قاعدة بلد الجوية، ثم إلى مشفى ابن سينا لإجراء عملية جراحية له. يضيف مصطفى:”كنت وحدي، بدون عائلتي، مع أشخاص غرباء لأشهرعدة، لا أعلم ما الذي يحدث معي.” بعد إجراء العملية تفاقمت حالة مصطفى ودخل في غيبوبة لأسبوعين، وفقد النطق ، ما اضطرهم إلى إجراء ثقب في عنقه للتنفس، حتى عاد تدريجياً بعد مرور أكثر من ستة أشهر، ليبقى حياً مع شلل رباعي، ليواجه مرحلة ثانية من الصعوبات في حياته الدراسية، إذ اصطدم بعائق آخر، لا يختلف في تأثيره عن الرصاصة التي اخترقت جسده: “كانت رصاصة القانون الجائر الذي حاول قتل طموحي وأحلامي بدخول كلية الطب، حلم الطفولة.” اكتشف لمصطفى أن القانون يمنع ذوي الهمم من دخول المجموعة الطبية، لكنه لم يستسلم مطلقاً، ورفض دخول أي قسم آخر، واستمر الصراع لأكثر من ٣ سنوات حاول خلالها مع كل مسؤول قابله، مع كرسيه وأحلامه. يقول: “بعد عناء كبير، حصلت موافقة دخولي إلى كلية الصيدلة، وأنا اليوم أول شخص مصاب بشلل رباعي، يدخل المجموعة الطبية في العراق.”
الكاميرا بعين (متلازمة داون)
بدل أن يكون طه شاباً عاجزاً يحتاج الى الآخرين نتيجة ولادته مصاباً بمتلازمة داون، نجح في أن يشق طريقه ويمضي على سكة النجاحات ليخطف الجوائز المحلية والدولية، وليصنع لنفسه مكانة أثارت الاهتمام.عشق طه التصوير، وأدهش المحترفين حتى وصفوه بالمعجزة، وصار ضيفاً مميزاً على المؤتمرات والمسابقات الدولية التي خطف جوائزها.
ولد طه العنزي (20 سنة) وسط عائلة لم تتأخر يوماً عن إحاطته بالحب والرعاية، أخذ والداه على عاتقيهما مسؤولية تدريبه لمواجهة العالم خارج البيت للتعامل ودمجه بالمجتمع، ليبدأ رحلته في الحياة كإنسان أثبت قدرته على ترسيخ وجوده ودوره.
إذ اكتشف والده حبه للتصوير من خلال استخدامه لكاميرا الهاتف المحمول مذ كان عمره 4 سنوات، الأمر الذي شجع والديه وحفزهما على عرض صوره على الجهات المختصة، ومن بينها الجمعية العراقية للتصوير الفوتوغرافي. أقام طه العديد من المعارض الشخصية، وشارك في الكثير من الفعاليات لينال ألقاباً رسمية دولية ومحلية منها جائزة الشباب العربي المتميز الدولية، وجائزة سمو الشيخه فاطمة بنت مبارك للشباب العربي المتميز، وحامل لقب سفير الجائزة لعام 2012 ..2013 وفاز بجائزة مجلس الشباب العربي للتنمية المتكاملة في جمهورية مصر العربية تحت رعاية جامعة الدول العربية. والعديد غيرها.
الجمباز دون قدمين
تبتدئ نور قص حكايتها بضحكة جميلة وقلب مليء بالتفاؤل والبهجة، إذ كان موتها متوقعاً بعد ولادتها بـ 24ساعة فقط، لكن جدتها (الطبيبة) استطاعت إقناع الأطباء بإجراء عملية جراحية لها. تخبرنا نور: “دخلتُ صالة العمليات وعمري 16 ساعة فقط ونجوت، لكنهم أخبروا عائلتي بأنني لن أبلغ الثالثة عشرة من عمري ثم أفارق الحياة.” أقنعت نور نفسها بالهروب من عالم الكرسي وسجنه الحديدي. فكّرت بذلك الكرسي الذي قد يجعلها حبيسة كل شيء، فكّرت بالتغيرات التي قد تحدث بمرور الزمن. تقول: “تركت الكرسي وبدأت بالزحف على يدي، تعثرت ووقعت كثيراً، وتمّت خياطة جروح فمي عشرات المرات مع اخرى في رأسي،” تضحك وتضيف: “حتى تعلّمت الحركة بدونه وواجهتُ صعوبات كثيرة، استطعت الخروج ولعب (التوكي) وكرة القدم وأنا أزحف. استقبلت الكثير من العبارات السيئة بشأن حالتي وأنا طفلة.” حلمت نور أن تصبح راقصة باليه، لكنها بدأت بالتدرب على الجمباز لأنه يشبه الباليه مع اختلاف الأطراف، استطاع الجمباز تغيير حياة نور إلى الأبد حينما بدأت بتحدي أخيها في أن تتسلق إلى كتفيه وهو واقف، قدماها لا تتحركان، لكنها فعلت ذلك بيدها فقط لتتيقن من سيطرتها التامة على جسدها دون الحاجة لقدميها. بعد بلوغ (نور) الثالثة عشرة لم تمت، فاحتفلت عائلتها معها بفرح جنوني ، لكنها واجهت صعوبات كثيرة بفكرة استقبالها في المدرسة: “واجهتُ قضية اندماجي في المدرسة، لم يكن الأمر سهلاً، كانت حرباً إضافية، لم تستقبلني العديد من المدارس في بادئ الأمر، أنا وقدمي المتوقفة وكرسيي الذي أحتاجه في أوقات الدوام فقط.” تمارين نور كانت وما زالت منزلية الصنع، وبواسطة أشياء بسيطة، كما أن غرفتها في الطابق الثاني ساعدتها كثيراً في الصعود والهبوط من خلال السلم، لتقوية تمارينها في عالم الجمباز.
تشريعات قانونية
ترى المحامية امال الغزي ان على المشرع العراقي رفع سقف الاعانة الاجتماعية المقرر في قانون الحماية الاجتماعية لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من تلبية متطلبات المعيشة، وكذلك مراجعة التشريعات التي تتعلق بحقوقهم في الحصول على وظيفة او عمل وتوحيد الاحكام الخاصة بذوي الاعاقة في قانون واحد وتشديد العقوبات على منتهكي حقوقهم لردع من يعتدي عليهم وكذلك تفعيل دور مراكز تأهيل ذوي الاعاقة.
وتؤكد الغزي ان حق الحماية القانونية في العمل مكفول محلياً ودولياً لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة لأنها تعدّ من أضعف فئات المجتمع، وأن منع التمييز ضدهم هو جزء من أهداف هذه المواثيق الدولية والقوانين المحلية.