رغد صدام: عندما بدأ القصف ادركت ان نهايتنا اقتربت

242

 الشبكة العراقية/

وجدت “الشبكة” أن الكثير من الروايات والقصص والحكايات، التي تروى على لسان شهود عيان، وتتناول أحداثاً خطيرة ومهمة، تسرد في مقابلات وحوارات تلفزيونية، وتمر مرور الكرام غالبا، إذ قد لايشاهدها كثيرون، لهذا خصصت “الشبكة” زاوية تحت عنوان “يوتيوب” تعيد فيها نقل الكلام الشفاهي الى كلام مكتوب، ونشر تلك الروايات توخياً للفائدة، مع الإشارة إلى اننا سنبقي كلام الشهود كما هو من دون تدخّل لتصحيح أخطائه اللغوية إنْ وجدت.

في العشرين من آذار عام 2003 أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بدء العمليات العسكرية لإسقاط نظام صدام، وكانت الموجة الأولى من الصواريخ استهدفت الأماكن التي من المحتمل ان يختبئ بها صدام، وبينها قصوره المتوزعة بين مناطق عدة في بغداد وضواحيها، وروت رغد ابنة صدام كيف نجت من الصاروخ الذي استهدف مخبأها في إحدى المزارع جنوب بغداد وتحديداً في منطقة الدورة في اليوم الأول للحرب، مؤكدة في حوار متلفز أنها كان لديها إحساس أن نهايتهم إقتربتْ.

كنا في قصر الجادرية

تقول رغد لإحدى الفضائيات العربية أنها افترقت عن أهلها في اليوم الإول لسقوط النظام وتؤكد “طيلة فترة الحرب لم نكن سوية، لكننا كنا في العاصمة بغداد، عشنا الحرب بكل تفاصيلها”.
وتوضح “في الفترة الأخيرة، كنت أشعر بالعدّ التنازلي، شيء ما في داخلي كان يقول لي أن أية مشكلة سوف نتعرض لها ستكون بمثابة إشارة لنهاية وجودنا بالبلد، وكنت أحس خلال تلك الفترة أن بقاءنا وقتي”.

ليلة الحرب

عن تلك الليلة تقول رغد: “ليلة 19/20، أذار، 2003، في العادة الوالد يبلغنا إنه صار الوقت الذي من المفروض أن نترك مواقعنا فيه وهو بالعادة مكان سكن”. وتشير “كنت مع رنا، وجاء مصطفى ابن قصي، قال لي عمة، بابا يسلم عليكم ويقول اتركوا قصر الجادرية”. وتكمل: “منزل رنا يجاور منزلي، ومنزلي يتوسط منزل رنا ومنزل والدتي، ونحن الثلاثة، منازلنا بالضبط على نهر دجلة”.

اقتربت نهاياتنا

وتستذكر رغد: مررت على أركان المنزل، غرفة غرفة، دققتها، أطفأت الأضوية، وأغلقت الأبواب، هذه مهمتي دائماً، جهزت الأولاد وهيأنا السيارات، في كل مرة أترك فيها البيت، استغرق بالتفكير عميقاً، صفنت صفنة طويلة، نظرت إلى البيت من الخارج، وكأنني شعرت أنني سوف لن أعود له ثانية”. ذهبنا إلى بيت المزرعة وقمنا بإنزال أغراضنا، وجلسنا، لم يكن يدور في بالي أننا سنترك منزل الدورة، كنت مقررة أنا والأولاد أن نبقى في منزل الدورة الى أن بدأ القصف، اسمع القصف، ومن ثم أغادر المنزل بالسيارة”.
ولكن دق جرس المنزل، ودخلت والدتي، قالت لي: هل تتصورين أن بيت الدورة آمن لبقائكم فيه؟

قلت لها: لا أعتقد أن يستهدف، فهو بيت صغير داخل مزرعة، وكل الذي فيه نساء وأطفال.
قالت لي: من الممكن ان يستهدفوا المزرعة.

رغد: أصريت على عدم ترك البيت، لاحظت والدتي إني ما زلت مصرة على البقاء في المزرعة ” فالتفتت لأختي رنا وقالت لها، رنا خذي الأولاد واتركوا البيت واتركي رغد”. خرجنا واعتقد كانت الساعة الثالثة فجراً، صباح يوم 20/3/2003، وتركنا بيت الدورة، توجهنا لمنطقة اليرموك، حيث بيت خالي.

وقلت لرنا لما الساعة تجاوزت الخامسة والفجر طلع: أعتقد لن يضربونا اليوم. تضيف: قررت أن أرجع للدورة مرة أخرى، خرجنا بسيارتين أو 3 سيارات، وكان علي “ابنها” يقود السيارة بسرعة جنونية، وكنا نسرع ..نسرع..نسرع حتى نلحق به”. ويبدو أثناء وجودنا على الطريق متوجهين للدورة، دقت صافرة الإنذار، ولم نسمعها، لأن زجاج السيارة مقفل، وكنا نسير بسرعة عالية بالسيارة، واتضح في ما بعد أن رنا سمعتها، فاستدارت ورجعت مع أولادها، رجعت لبيت خالي، لكني لم أسمعها وعلي غاب عن الرؤية، يعني صرت لا أرى سيارته أمامي .. فقدرت أنه دخل المزرعة ووصل البيت”.

نصيحة بن لادن

تقول رغد: “قبل الضربة بيومين كنت أتابع حديثا لأسامة بن لادن موجهاً للعراقيين، يقول فيه عليكم بالملاجئ العسكرية، هي التي حمتنا. وذكر واقعة، لا أتذكر تفاصيلها، لا أتذكر المكان، في إفغانستان، سبحان الله..كأنه كان يلمّح لنا”. أعطيت تعليماتي مباشرة بضرورة بناء ملجأ عسكري خلال يومين قالوا “ما ممكن خلال يومين يكون جاهز، كتله لا ممكن! وتم البناء”. وفعلاً، وصلنا المزرعة، وحدث انفجار كبير جداً، لكن كنت أنا على الشارع، وليس بداخل المزرعة، قلت للشخص الذي كان يقود السيارة، إستدر وأرجع لبيت خالي. شفته (متوهوه) (تقصد متردد) ..وكان تردده شيئاً غريباً. قلت له استدر، قال متأسف، لا أستطيع! وأخبرني أن عليّ والأولاد دخلوا المزرعة. في هذه الأثناء شاهدت الحرس خرجوا من المزرعة يركضون باتجاهي، وطلبوا مني النزول بسرعة من السيارة، فقلت لهم خذوا الصغار، والملجأ الذي ذكرته كان قريباً جداً من مدخل المزرعة.

أول صاروخ

تتابع رغد: “الذي حدث ان أول صاروخ سقط أمام المنزل، والصاروخ الثاني على البيت، “عليّ” أوقف سيارته بالباب الخلفي للبيت، قبل أن يقصف بلحظات، ونزل هو وأخواته، قال ماما كان بيدي المفتاح، وكنت متوجها نحو الباب. سمعت أحد الحماية يركض خلفي ويصيح: “ابتعد عن البيت، البيت انضرب”، يقول فركضنا اني وأخواتي.

في آخر نصف ساعة، نشعر وكأن الصواريخ فوق رؤوسنا وأنا هنا حقيقة انهاريت، وبقيت بمكاني صامتة، لحظات صعبة، صعبة، مرت وكأنها سنة، نريد فقط القصف يتوقف، حتى نخرج، لكنه مستمر، مستمر، مستمر. دقائق قليلة بين صاروخ وصاروخ. ولما توقف سمعنا صوتاً، هذا الصوت ليس غريباً فعرفته، فعلاً انه أحد أفراد حماية قصي، ينادي “طلعوهم” بأعلى صوته، فسألوني الحماية، قالوا هذا تعرفيه؟ قلت لهم اعرفه. خرجت ووجدت سيارة كبيرة، كان “علي” ابن خالي جالساً بالسيارة، ومتأهباً حتى يحركها بسرعة، و”حمزة: واقف فاتح الباب، فأغلقت باب السيارة وتركنا الموقع وغادرنا المزرعة.

“بالتربان ولا بالعربان !”

توجهنا مرة أخرى لبيت خالي، كانت “رنا” بانتظارنا على أحر من الجمر، وزوجة خالي، لكن ما كانوا مستوعبين انه كنا نحن الهدف، فالعصف كان من شدته يدخل علينا تراب المزرعة، فخرجنا ملابسنا كلها تراب، وجوهنا، لما شاهدوا هيئتنا، استقبلونا بالباب، وقالوا الحمد لله على السلامة، رنا انهارت، كالت انضربتوا، كلتلها راحت المزرعة ، المهم، والدتي عندها مثل دائما ما تكرره: “بالتربان ولا بالعربان”.