زقورة عقرقوف بانتظار الاهتمام بها

67

عامر جليل وميساء فاضل – تصوير: حسين طالب /

تحاول مجلة الشبكة العراقية إحياء السياحة الداخلية التي تسببت الظروف التي مررنا بها من اقتصارها على السياحة الدينية تقريبا، فالعراق ليس ثريا فقط بالشواخص والمواقع الدينية فقط، إنما ثري بالشواخص الآثارية والتاريخية وكلنا نعرف المقولة التي أطلقها أوائل المنقبين الآثاريين العالميين على العراق وهي أن العراق أو بلاد ما بين الرافدين مهد الحضارات في التاريخ..
زار فريق المجلة لهذا العدد موقعا في بغداد يعرفه الكثيرون من الأجيال السابقة، إذ كان وجهة السفرات المدرسية كما كان وجهة العوائل في نهاية الاسبوع، لا سيما في الربيع والصيف، وكان أيضا وجهة المجاميع السياحية الاجنبية، ونقصد (زقورة عقرقوف) التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
إهمال المنشآت السياحية
قبل الحديث عن الزقورة، تاريخها وبانيها ومهمتها، لا بد من الإشارة إلى أن الموقع (٢٥ كلم غرب بغداد) قريب من (أبو غريب) كان يضم منشآت سياحية، مطاعم ومقاهي ومتنزهات وكان العاملون في غالبيتهم من خريجي معاهد الفندقة والسياحة وكان يضم أيضا مكتب استعلامات يوزع مجانا مطويات عن الزقورة والموقع ومحال لبيع التذكارات تمثل الزقورة والشواخص الأثرية العراقية فضلا عن الصناعات اليدوية التراثية العراقية. وبدا واضحا جدَّاً أن الموقع ومنشآته يشكوان الاهمال الكبير، وإذ تفكر الجهات المختصة بزيادة موارد الدولة، فإن الاهتمام بالمواقع الأثرية سيشجّع السياحة الداخلية ويشكّل مصدرا ماليا مهما.
عاصمة الكيشيين
رافق فريق المجلة المنقب الآثاري يوسف مطلب عبد الله وهو في الوقت نفسه مراقب آثار عقرقوف الذي عرّفنا بالزقورة قائلا:
استنادا إلى اللقى والتنقيبات، فإن زقورة عقرقوف أو كما نسميها باللهجة المحكية العراقية (عكركوف) تقع حيث كانت عاصمة الكيشيين والحضارة الكيشية أو العصر البابلي الوسيط بدأت سنة 1595ق.م واستمر حكمهم نحو 400 سنة، أي حتى 1100 ق. م.
ونفهم أن الكيشين سكنوا بابل بعد سقوط الدولة البابلية قادمين من شمال شرق العراق من جبال زاكروس وطوروس عن طريق هجرات بشرية أو موجات تجارية، وعاشوا هناك ما يقارب من 100 سنة وعانوا من عدم الانسجام بينهم وبين أهالي بابل الذين عدّوا الكيشيين أناساً غرباء، فلم يتعايشوا معهم مما اضطرهم إلى تغيير مكانهم فجاؤوا إلى هذا المكان واستوطنوه وأسّسوا دولتهم.
الصَّرح المدرَّج
المعروف أن أهم ما يميّز الحضارات العراقية القديمة، لا سيما في الوسط والجنوب هو الزقورة أو كما يقول عبد الله بالصَّرح المدرَّج أو المعبد العالي التي بدأ تشييدها في عصر الملك كوريكالزو الثاني وأكمله كوريكالزو الثالث، ويعتقد أن بناءها استمر لمدة خمس أو ست سنوات وشارك في بنائها مئات العمال، وهي عبارة عن بناء من لبن صلب غير مجوّف ترصف مع بعضها البعض وتثبت باللبن أيضا (اللبن هو الطين الممزوج بالتبن) ولتقوية البناء المرتفع، وضعوا بين كل (8-9) صفوف من اللبن طبقة من حصير البردي وأخرى من القير وتتكرّر وهكذا وصولا إلى الارتفاع المطلوب. وترتفع الزقورة حاليا 52 متراً عن مستوى سطح الارض ويعتقد أن ارتفاعها حين بنائها كان 60 أو 70 م لكن بسبب تأثيرات الحرارة وعوامل التعرية وعدم وجود الصيانة الدورية لها؛ فإنها بدأت بالتآكل حتى وصلت إلى 52 م.
وظائف دينية وغيرها
وعن سبب اختيار الكيشيين لهذا الموقع لبناء الزقورة، يجيب عبد الله:
إنَّه وحسب رأي الآثاريين فهذا المكان هو شبه جزيرة وكان نهر عيسى أو نهر الين يحدّها من جهته الشمالية الغربية وكانت الهجمات الآشورية في ذلك الوقت تأتي من الجهة الشمالية فأرادوا أن تكون لهم منطقة حصينة تساعدهم في صدّ الهجمات الآشورية.
ويعتقد الآثاريون أن زقورة عقرقوف تتكون من خمس طبقات، ووظيفتها الرئيسة كانت دينية، إذ كان نصب الاله في أعلى الزقورة والصعود إلى أعلاها كان من خلال سلّمين جانبيين او من السلم الوسطي، وفضلا عن هذه الوظيفة، فقد كان للزقورة دور مهم في درء الاخطار الخارجية والطبيعية كخطر الفيضانات وهجمات الاعداء، فكان الملك ومن معه يصعدون إلى أعلى الزقورة ليحتموا منها.
ويشير عبد الله إلى بعض التفاصيل قائلا: إنّ الكيشيين استخدموا في بناء الزقورة طريقة فريدة من نوعها ولم تكن معروفة بالعراق وهي عبارة عن بناء صلب وقام المهندس الكيشي بوضع فتحات مدروسة في بدن الزقورة لتكون (نافذة) لدخول الهواء ولتخفيف اصطدام الرياح في بدن الزقورة وامتصاص الرطوبة في فصل الشتاء وحين سقوط الأمطار، وعلى غرار الحضارة البابلية بنيت الزقورة بشكل مربّع ويواجه كل ضلع من أضلاعها الأربعة إحدى الجهات الأربع ومساحة قاعدتها نحو 43× 46 مترا مربعا، ويتوسطها سلم رئيس فضلا عن سلّمين جانبيين بعرض أقل من السلّم الرئيس وأحدهما في الجهة الشمالية والآخر في الجهة الجنوبية، وكانت تلك السلالم تستخدم من قبل الكاهن للصعود إلى الاله وأخذ التعاليم منه لايصالها إلى العامة.
المعابد
وكانت ثلاثة معابد أرضية توجد قربها، استنادا إلى حديث مراقب آثار عقرقوف، لعبادة الالهة البابلية اللين سيد الهواء وزوجته نلن وابنهما ننورثا، بنيت بأسلوب العمارة البابلية المعروفة في بناء المعابد، أي ساحة وسطية تحيط بها مجموعة من الغرف الخاصة بالكهنة وأخرى للخزن، وكان اختصاصها دينيا بحتا وليس دنيويا. وكانت القرابين التي يأتي بها العامة تحفظ في المخازن الخاصة بمعبد الاله اللين، هذا الاله الذي كان يتوسط هذه المنطقة وعلى يمينه يكون ابنه ننورثا وعلى يساره زوجته وهي أيضا شيّدت باللبن المجفّف بالشمس.
وجرت أعمال التنقيب عن هذه المعابد والزقورة في خمسينيات القرن الماضي من قبل بعثة عراقية وبعثة المانية اللتين كشفتا المعابد وقسما من منطقة القصور الملكية. وكانت خارج المعابد آبار عدة لما كان يوصف بالماء المقدس، وما يزال بعض منها شاخصة، وكانت قياسات الغرف لا تكون متشابهة لكن متناظرة، وإضافة إلى الغرف التي ذكرناها، كانت هناك غرف كبيرة يعتقد أنها كانت مخصصة للاله اللين وزوجته وابنهم وهي ثلاثة دكاك إيضا مبنية باللبن. وكانت يوجد بين المعابد بناء يسمى بالمسطبة قياسها 41× 40م ويعتقد الآثاريون أنّها كانت لإقامة الاحتفالات والمناسبات الدينية الخاصة بالفترة الكيشية. وفي المنطقة أيضا معابد غير منقّبة تم اكتشافها بين سنتي 2000 و 2001م وفي المنطقة الشرقية جدران تعود لمعابد متصلة بهذه المعابد اكتشفت في سنة 1940م ووجدت قربها رقم طينية تعود إلى الفترة الكيشية.
القصور الملكية
وتبعد القصور الملكية عن الزقورة بنحو ٥٠٠-١٠٠٠ متر وفي خمسينيات القرن الماضي اكتشفت مجموعة من الغرف بزخارف جصية وعليها رسومات القادة والملوك الكيشيين لكن بسبب عدم اكتمال التنقيب لانتهاء موسمه حينها وتركت حتى الآن وتسبّبت الأمطار والغبار والاتربة بتغطية هذه الآثار.
أمنية
ونضيف أمنيتنا إلى أمنية عبد الله وهي الالتفات إلى هذا الموقع المهم والحيوي من قبل المختصين وعرض حدائقه للاستثمار الذي سيجعله منافسا لمتنزه الزوراء وغيرها من المناطق الترفيهية في بغداد.