زها حديد أسطورة المجازفات اللانهائيّة

680

حسام السراي/

ليس حدثاً عابراً أنْ تقتحم امرأة ما التاريخ المعاصر، فتتقدّم على رجال كثيرين، ينافسونها في مساحة خلق وإنتاج متاحة أمام مبدعين في واحد من الفنون الجاذبة للبصر؛ بتأثيثه للمكان وصياغته الخلاقة لمظهر الفضاءات العامّة.
نعني العمارة، فنّ إيقاظ الحواس بتوظيفاتٍ جماليّةٍ للبناء، والمشغل أيضاً لترجمة التقاء عوامل متغيّرة، البيئة بالمحيط الاجتماعيّ وتقاليده وأذواق الأفراد فيه، الفرادة الممكنة في عقل المعمار بمتطلّبات واستخدامات الناس المستهدفين من التصميم، وفي المنتج المعماريّ إعلانٌ عن ذات بشريّة تترك إمضاءها على الأرض بثقة، والمعمار يستعيد ما تشرّبته الروح من زاد معرفيّ وتتلمذ أوليّ على الابتكار، إنّه خطّ بيانيّ لا بدّ من مرور الترف في مساره، مثل طير يحطّ على كتف طفل في نشأته الأولى، فيظلّ خيال هذا الوليد أسير فكرة التحليق الجنونيّة والطامحة في أوان واحد.
وزها حديد (1950- 2016)، المرأة المُغامرة والشخصيّة التاريخيّة في الألفيتين الحالية والسابقة، ابنة الأرستقراطية العراقيّة، لنتأمّل صورة تخرّجها في مدرسة راهبات التقدّمة ببغداد، الملامح والوقفة تنطق كلّها بأنّ هذه الفتاة من صنف حطّ عليه «طير الترف»، ولنبحث بنحو أعمق في خلفيات أشهر المعماريين العراقيّين، سواء من كرّس جهده لتقديم منجزات عراقيّة بحتة، أم الذين صاروا عالميّين واكتسبوا جنسية ثانية وأخذ الإعلام الغربيّ يعرّفهم بأنّهم من أصول عراقيّة، نذكر هنا محمّد مكية، ورفعت الجادرجي، وهشام المدفعي، وزها نفسها ببيان سيرتها، حيث الأصول العراقيّة والانطلاقة والشهرة العالميّة التي نالتها. ألا نجد أنّ ثمّة تأسيساً فيه هذا الاسترخاء الذي وفّرته حاضنة عائليّة مقتدرة، ولنتذكّر أي ثقة اكتسبها مكية في تشكّله الأوّل، ليعود من ليفربول ويؤسّس بعد سنوات قسم الهندسة المعماريّة بجامعة بغداد، وأي تكوين سيصوغ حياة (رفعة) ابن كامل الجادرجي، السياسيّ المعروف وأمين بغداد لأكثر من مرّة، وأي إرث انوجدت فيه زها، بوصفها ابنة السياسيّ المعروف محمّد حديد سليل الأسرة الثريّة، والحال نفسها ينطبق على المعماري هشام المدفعي وإلى أي عائلة متحضّرة ينتسب.
ليس في هذا الربط وارتحال الذهن إلى الماضي، نزوع طبقيّ، بل لتأكيد أثر البدايات وملامح الطريق الذي يصنع الذوق في هذا الكيان البشري دون غيره، وكيف يسمح الرخاء الأسريّ بترسيخ ذلك، هنا رصف لوقائع تفضي إلى أنّ صُنّاع الجمال من قبيل هذه الأسماء، هم أبناء بيئات وبيوتات عامرة.
وإذا كان لوكوربوزيه أراد للتصميم المعماريّ أن يبلغ أعلى درجات الكمال النوعيّ، فمع زها ارتقت العمارة، بجينات بزغت مثل سهم خارق رسم حدود أعمالها، حيث التطلّع اللامحدود، يحضر مرّة في تموّج يحلق إلى الأعلى كما في «London Aquatics Centre” (2012) و”Sheikh Zayed Bridge” في أبو ظبي (2010)، أو في التمايل الغريب والمفاجئ للخطوط الذي يحظى به New National Stadium في طوكيو (يفتتح في أولمبياد 2020)، أو هذه المجازفة التصميميّة “Nordpark Railway Stations” في إنسبروك بالنمسا 2007، بانحرافات حادّة تنساب خطوطها العامّة بين أحضان الطبيعة.
لا تُعرف كم هي درجة الصلة بين طبيعة تجسيد زها لهذه التموّجات التي لا تريد أن تنتهي، وبين أصولها والتباين الهندسيّ الذي يمتلكه الخط العربيّ، واحتمالية تأثرها به في تكوينها، من استدارات وتراكيب وانعطافات نحو الأعلى والأسفل في السطر الواحد. ألم يمثّل الخطّ بالنسبة إلى العرب، انتقالة حضاريّة من البداوة، حيث الكتابة الأولى مجرّدة من الاجتهاد والحرفنة، إلى التحضّر؛ بتأسيس مراكز المدن العربيّة في الكوفة والبصرة والشام وغيرها، وما ارتبط بهذا المستجد المدينيّ من إيجاد فسحة للإبداع في أنواع الخطوط، كوفيّ ونسخ وثلث، وما إلى ذلك.
المرأة العراقيّة- البريطانيّة، ابنة هذا الإرث الرافدينيّ، الذي استثمرته في أعمالها المستندة إلى المنحى التفكيكيّ في العمارة، وما هذه الاستطالات والتعرّجات إلا دليل من أدلة الفخامة التي قصدتها المعماريّة، وهي تعيدنا بنحو لا إرادي إلى تشكّلها الأوّل والأجواء التي كوّنتها.
غير أنّنا لا يمكن أن نقول إنّها عراقيّة وعربيّة، واشتغالاتها تعود إلى جذور العمارة العربيّة والإسلاميّة، ومن ثمّ نكتفي بنقطة نهاية السطر، هذا مجانب للصواب بعد كلّ المغامرات التي قدّمتها على صعيد الشكل ككل وبالنظر إلى مبدأ تطويع المساحات داخل وخارج العمران نفسه، إلا أنّ هذه الهويّات القديمة التي انحدرت منها، تلاقحت مع اجتهادات وتلقٍ درّبت وعيها على تبنّيه، إذن هي أسطورة عالميّة بجذر عراقيّ- عربيّ.
بغداد “الألكوبوند” و”التصاميم المُبتذلة”، هذا هو واقعها اليوم من دون ماكياج، لا تنتمي لها زها، حتّى وإن حاولت أن تضع لمساتها في المدينة، سنوات على توقيع عقد مبناها المطل على نهر دجلة في الجادرية ولم ينفذ حتّى وهي على قيد الحياة.
هي ليست ابنة بغداد 2016، بواجهات أبنيتها المنهكة والمتهدّمة، وبعبارات الثأر التي تنتشر على جدرانها، ومنها “مطلوب عشائرين” (هكذا يستعيض بعض المُتخاصمين باسم العشائر، في الشارع، عن تنوين الفتح في “عشائريّاً” بحرف النون في تعبير واضح عن خلفياتهم الثقافيّة والاجتماعيّة).
زها الأنثى صاحبة الإنجاز الكونيّ الخالد، في خصام مع مدينتها الأمّ، فالأناقة وتقبّل الآخر لا تلتقي مع الابتذال والانغلاق على هويّات وخطابات رثّة.