سليم اللوزي يكتب:المغتربات الفاتنات في بغداد

654

عامر بدر حسون/

عاد الزميل الكريم الاستاد اللوزي من بغداد منذ أيام، بعد رحلة دامت نحو ثلاثة أسابيع في القطر الشقيق موفدا من دار الهلال لاجراء عدة تحقيقات صحفية عن الحالة في العراق.
وقد طلبنا من الزميل الكريم ان يكتب للاذاعة مقالا عن الفن اللبناني في بغداد،
فكتب ما يلي: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري..
هذا بيت من الشعر لجميل صدقي الزهاوي، ما تذكرته وجرى على لساني لا وتمنيت أن أزور بغداد لاشاهد عيون المها فيها.. والرصافة والجسر ككوبري الجلاء في القاهرة, ومحلة الزيتونة في بيروت، فهناك ترى أسراب الحسان يتهادين فوق الضفاف، يعرضن سهام العيون على العشاق في الهواء الطلق..
وزرت بغداد..
وذهبت الى الرصافة والجسر بحثاً عن المها وعيونهن.. فلم أجد أحدا لا من المها ولا من الغزلان، ثم اني زرت بغداد في أجمل فصول السنة، فالخريف هناك كان مصدر الهام الذين كتبوا قصص ألف ليلة وليلة فهو دافئ لذيذ ولياليه عابقة بالنسمات المنعشة وأضواء القمر اللطيفة، فاذا لم أجد في هذا الفصل عيون المها.. فمتى، وأين أجدها؟
وسألت رفيقي السيد مالك العجم الملحق بالمفوضية اللبنانية ببغداد، فقلت له:
وأين عيون المها التي تكلم عنها الزهاوي؟
فضحك من سذاجتي وقال: الا تعرف المثل المشهور أعذب الشعر أكذبه؟
وقلت: هل تريد أن تقول أن الزهاوي كاذب؟
واتسعت ضحكته وقال:
– واحد من اثنين، اما أن تصدق الزهاوي، واما أن تصدق عيناك..
وعدت اقول له: يعني، ليس في بغداد مها ولا من يحزنون..
قال: في بغداد مها، ونص.. ولكن من لبنان:
قلت: واين؟
قال: في الكباريهات الليلية، المنتشرة على ضفاف دجلة.. بين الرصافة والجسر وشارع أبو نواس!!
وذهبنا الى ملاهي عاصمة ألف ليلة وليلة.. فتأكد لي صدق قول رفيقي..
رأيت هناك وجوها وأصواتاً أعرفها.. فهي من لبنان!
رأيت ناديا العريس، وانصاف منير، وسميرة عبده، ونهوند، وغيرهن.. ثم رأيت قبل كل هذه الأسماء فنانة لبنانية ناشئة من أسرة كريمة اسمها “نجوى سعد” وهذا اسمها الفني لا الحقيقي، وقد استطاعت هذه الفتاة ذات العود السمهري، أن تملأ مجتمعات بغداد بعطرها النفاذ وسمعتها الطيبة!!
وعلى كل لنبدأ الموضوع من أوله، ولنتحدث عن المغتربات اللبنانيات في بغداد، حسب كبر مقامهن الفني بالطبع!!
ناديا العريس سابقا!!
لم يسبق لي شرف كتابة رأيي في “ناديا” لا من حيث التكوين الفني ولا التكوين الالهي.. ولكن سبق لغيري من عباقرة الظرف والشعر والفن، أن قالوا عن ناديا امرأة ناضجة تعبر بجمال وجهها وخفة حركتها، أكثر مما تعبر بصوتها!!
وفي هذا الرأي كثير من الحق، وكثير من العدل.. فان ناديا العريس سابقاً وشمعون حالياً صاحبة جسم جميل ووجه جميل، ولو كان جمال صوتها يوازي جمالها الالهي، لاصبحت “سوزي سوليدور” لبنان!
وقد كنت سعيداً حقاً أن اسمع في كل مكان ببغداد ثناء على السيدة ناديا، وهو ثناء تتقاسمه مناصفة بينها وبين شقيقتها المسرفة في النعومة والحلاوة الانسة تيريز!!
وتعمل الفنانة ناديا في “ملهى السلكت” وهي لا تحدث الناس الا ببطاقة رسمية، ولا تجلس مع أحد في الملهى.. الا اذا كانت الاخت “تيريز”!!
وقد استطاعت بقوة شخصيتها وقوة نفوذها الفني، أن تمنع سميرة عبده، التي تعمل في نفس الملهى، من أن تغنى أغنية “اشتقنا يا حلو والله اشتقنا”..
فاحتكرتها وحدها، واستطاعت أن تكتسح بها الموسم في بغداد.
انصاف .. ومنير!!
واذا ذكرت ناديا في بغداد فلا بد أن تذكر انصاف منير والعكس صحيح.. فان الصداقة القائمة بين الفنانين تحتاج الى خرزة زرقاء.. وانصاف مغنية لها صوت قوي وأداء جميل، ولو كان لناديا مثل هذا الصوت لاصبحت اسمهان الثانية!! والعجيب أن اللون العراقي الحزين يلائم تماماً طبيعة صوت انصاف، ولو انها اقبلت على المواويل البغدادية وغنتها، لكانت تصل الى القمة.. ولكن يظهر أن السيدة انصاف تريد أن تتواضع، فتقف على هضبة الأغاني المصرية وتكتفي بالأمجاد التي “تستعيرها” من أم كلثوم وكارم محمود وزكية حمدان اذا لزم الأمر!!
ومع ذلك فان انصاف منير قد استطاعت أن تكتسح ليالي بغداد بأغانيها واذاعاتها وحفلاتها الراقية!صصص
نهوند!
أجمل ما في هذه المغنية الحلوة الصوت والوجه، جاذبيتها الدافئة، وتهالكها على الفن وأهل الفن!
ونهوند تحب الصحافة والصحفيين بنفس القوة والعزم اللذين تحب بهما الغناء وأصحاب الملايين.. فهي من هذا القبيل، قريبة الى القلوب، تستطيع أن تسيطر عليها –أي على القلوب- بسرعة عجيبة مدهشة.. خصوصا اذا كانت هذه القلوب رقيقة حساسة كقلب كاتب هذه السطور!!
وقد سبق لنهوند أن فكرت في اقتناص المجد بواسطة نشر قصة انتحار غرامية كتبها أحد الزملاء المعجبين بنهوند.. ولكن الزميل اساء الى هذه الفنانة الناجحة من حيث اراد أن يحسن ويخدم!
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل نهوند اليوم تبحث عن المجد الفني الصحيح على شواطئ دجلة لا على شواطئ وصخور “الروشة” ببيروت!!
والنبي يا عبده
ابرز ما في سميرة عبده خفة دمها وحلاوة لهجتها الحائرة بين لبنان والشام!! ثم هي صاحبة جسم رشيق وصوت لين أصيل يحتاج الى مران موسيقى طويل!
وتعتبر سميرة بالنسبة الى سوريا ولبنان والعراق أيضاً، فنانة خفيفة ناجحة، وقد استطاعت باسطوانتها “اشتقنا يا حلو والله اشتقنا” أن تدخل الى كل بيت، واستطاعت -وهذه هي المعجزة- أن تكون صديقة لجميع الفنانات الفاتنات في بغداد، وهذه ميزة تهنأ عليها سميرة بحرارة واعجاب كبيرين!!
نجوى سعد
يسمونها في عاصمة الرشيد، “قديسة بغداد” وهي فعلا تشبه القديسات ببراءة وجهها الساحر الحزين، وبشفتيها اللتين تتحدثان همساً كأنه صلاة مؤمن في معبد!!
ونجوى تتسلل الى القلوب من دون استئذان، كما يتسلل ضوء القمر الى خدر حسناء نائمة!!
ويبدو أن نجوى سعد ستبقى في العراق سنة ثانية، فهي لن تعود الى لبنان، لأن قلوب الناس هناك تلتف حولها باستمرار، حتى أصبحت قديسة بغداد اليوم حديث أهل الفكر والشعر والفن على شواطئ دجلة.
حديث آخر!
ولكن هل يجوز الى أن اتحدث عن الفن وعن بغداد، فلا أكتب شيئاً عن سيدة المجالس وعميدة فنانات العراق السيدة عفيفة اسكندر؟
أن هذه السيدة الفنانة، تحتاج الى مقال مستقل.. وبعد.. اذا لم يكن لشعر الزهاوي حسنة غير هذه الجولة الليلية بين الرصافة والجسر وشارع أبو نواس،.. لكان هذا خير وبركة!!
ومرة أخرى: تحية الى عيون المها بين الرصافة والجسر وعاش لبنان!!
*بيت الشعر للشاعر علي بن الجهم وليس لجميل صدقي الزهاوي