“سْوِيْف خلف”لماذا محوت ما كُتب لنا في اللوح؟

683

د. سلمان كيوش /

لا أنا أعرفكَ ولا غيري يا خلف، ومع هذا فأنت تلتصق بذاكرتنا بوضوح كأنّكَ إيقونة للضيم الذي استبَّد بنا، فجاز لي أن أغبطك لأنّك نقشتَ اسمك على جباهنا برغم أن ما شهدته تافه مقارنة بما شهدنا نحن أبناء الحروب الناعمة والخشنة، الساخنة والباردة. أغلبُ ظنّي أنّك فَكِه، استطاعَ تحويل هزائمه إلى نكتة متصلة، ونجح في الانعطاف بألمه نحو الابتسام بشفاه تعلوها المرارة ودبق التتن..

تورّط عطّار متجوّل حين سلّم عليك ذات يوم. كنت تصحو من نوم مضطرب للتو، وكان مزاجك يقطر اكتئابًا لا تعرف له مصدرًا كعادتك. والورطة الأكبر حين قال لك بعفويّة وحُسن نيّةِ رجلٍ مسالم:” شلونك يا خلف؟”. كان بلمه كبيرًا وقد امتلأ حدّ المشارفة على الغرق بكلّ ما تحتاجه البيوت، تفوح منه رائحة الحنّة والمَحَلب والهروش الحارّة والديرم والجاي وأشياء أخرى. كان سؤاله عاديًّا، وكنت تعرف هذا أيّها الملتذّ بخبثه. كنتَ تعرف أنّ الإجابة المتوقّعة منك هي:” على الله”، أو “كوّاك”، أو “زين”، أو “زويْن” في حالة اشتداد الاكتئاب. ويمكن أن تكون إجابتك:” بالضيم” لو لم تشف آثار الخيزرانة على جلدك بعد، خيزرانة الحوشيّة الموغلين بحبِّ الشيوخ وكرهك. ولو قلت له بـ”الضيم” لردَّ عليك حالاً:” ربك كريم، تهون يا خلف”، وهو يعرف أنّها لن تهون، ذلك لأنّه يعرف ضيمك، ويعرف أنك في لُجّته دائمًا، لأنّه في ضيم مماثل أيضًا.

لكنّك، لأنّك سليل أجداد يعادلون طعم الحنظل، الذي لا يغادر لهاتهم، بمرارة التتن الحارِّ وبالضحك على بعضهم، طلبت من العطّار أن يرسو ببلمه الكبير، ثم أمسكت به من يمينه وقلت له:” تعال وياي وشوفني شلوني”. انقاد لك الرجل مستسلمًا طيّعًا. لقد ظنَّ أنها طريقة جديدة من طرق العزوبيّة. أجلستَه في صريفتك المهلهلة ووجهُه إلى القبلة، فأنت ماكر عتيد، واستطعت الفوز بالخلود المجانيّ في رؤوس الناسِ الذين يشبهونك في ضيمهم، وأنت تعرف أنهم كثيرون، غير أنك سجّلت الضيم باسمك. قدّمت له قِدرًا كبيرًا من “مَغليّة صاكّة” بدتْ كأنها الطين الحريّ في ثخنها. وإيغالًا منك بالتوثيق والطمع به أمرت زوجتك النحيفة التي تشبه المحراث في سمرتها الشديدة ونحافتها أن “تسيَّح” له بسرعة. غبت عنه قليلًا، وسرعان ما أشرفت عليه من جهة القبلة تحمل سيفًا لاصفًا كالبرقِ. ارتعد الرجل على الرغم من أنّه يعرف أنك لن تجرؤ على قتله ما دام على فراشك وسيّاحة زوجتك الرقيقة جدًا في يده. قال لك وعيناه تكتنزان الدهشة:” سالمين؟!”. حرّكت السيف الطويل في وجه الرجل المرعوب، وهويت به على رُباخة مرميّة على الأرض، فلم يقطعها. وهويت به ثانية على القصبة نفسها وفي المكان نفسه بكلِّ ما اكتظّت به روحُك من هزائم فلم تنقطع الرباخة، كلُّ ما جرى لها أن سيفك رضّها، مجرد رضوض فقط. نظرت في عيني ضيفك وقلت له:” أنا مثل هذا السيفِ، هل تراه؟ هو يلصف كوميضٍ ربيعيٍّ ويبرج، مرعب كفم أسد، إلا أنه “ما يكَص”.

ما الذي كنت تعنيه؟ ما الرسالة الملغّزة التي أردت إيصالَها للعطّار؟ ولماذا العطّار دون غيره؟ ألان القرى كلّها تعرفُه؟ وأنه سيقصُّ نبأ سيفك على الناس؟ هل رمزت بالسيف لقوّتك الجنسيّة؟ لو كان هذا مُرادك لما استمرّ وجودُك إلى الألفيّة الثالثة، ولنسيك العطّار ما أن غادرك، ذلك لأنّ نحافة زوجتك، التي تُذكّر بـ”هطار” عتيق، كفيلة بأن تبدّد فحولة ثور وتوقفَها. لا، لم يكن هذا مرادُك، ولم تكن حَسن النيّة يا خلف، هذا ما أظنُّه فيك. أغلب ظنّي أنك أردت الإشارة إلى التناشز الكبير بين مَظهرك ومَخبرك، بين سِنّك الضاحك أبدًا وقلبك اليقطر دمًا، يتسلّل إلى قدميك فيترك ما ينزُّ منهما أينما حَللت.

ما الذي فعلتَه بي يا خلف؟ ما الذي فعلتَه بالملايين من نسلك ونسل من سمعَ حكاية سيفك ونسل العطّار الذي كتبَ اسمك على رايته البيضاء الصغيرة وجاب بدمك النازف الآفاق؟ أتعلم أنك محوت ما كُتب لنا في اللوح، وخَطَطت لنا حظوظنا ضيمًا على جباهنا، لذا بتنا نحرص على تلطيخ نواصينا بطين الخاوة تيمّنا بسنّتك التي لم يشأ، أو لم يجرؤ، أحدٌ تعطيلها؟ فقبل أن يغادرك العطّار طلبت منه فص طين خاوة، أعطاك إياه ودهشتُه تتكاثف، فسارعت إلى وضعِه في الماء وهو في قبضتك، ثم مسحت به جبهتك وهامتَك. لماذا فعلت هذا؟ ألتجبر الذاكرة على أن تأتلق بكَ ما دمت اخترت الطين الشائع عنوانًا وهويّة؟

ما زلنا، إلى الآن، نستعين بعبارة العطّار التي حلّق بها جائبًا قرى الهور والبرِّ وهو يصف ما لقاه منك، وكأنّه بذلك يمضي ما شرّعت من سنن عذاباتك السرمديّة. سهّلت له مهمة اختزالك، واختزالنا من بعدُ، بسيف “يبرج وما يكَص”.

ما إن يسألني أحدهم:” شلونك؟” حتى تهيمن، يا خلف، على ذاكرتي بسيفك وناصيتك المضمّخة بالطين؟ بعد الـ”شلونك؟” هذه أردُّ وأنا مطمئن تمامًا إلى ديمومة ضيمي وضيم غيري:” سْوِيْف خلف”. أقولها ويدي تفرك جبهتي لأشمَّ رائحة الطين.