“شفاهية صادقة حد الإعياء” أن يعلمنا النواب جسارة الكلمة

121

فدوى العبود/

زمن كان حضور شاعر فيه حدثــــاً فريداً أشبه بطقس ديني، لم يكن ســــــره في شفاهيته فحسب، بل في قصائده التي تجري بقوة ذاتية في منابع متعددة، وتنتهي بين عشاقه كشذرات تنطوي في صميمها على توق للاتحاد في الكل وحرية المفرد في آن.
تجلت صوفيته في حضوره الجسدي، في صوتــــــه، وحركات يديه، ونظراته السابحة في مطلق مرغوب، لا يركن جسده إلى صياغة واحدة فيبدو في كل لقاء مع جمهوره متجدداً ومجدداً لصورة الحب والحزن والوطن.
“وحدها الشتيمة، ترافقها حركة اليد، لا تتغير”
في كل لقاء تجد جمهوره يستمع اليه بذات الحماس، ويطالبه بإعادة القصيدة ذاتها، وفي كل لقاء بينهما يتمثل الشفاهي بكامل حريته. فتصبح الكتابة اكتمالاً، لا أساساً، أو بتعبير والتر أونج “نوعاً من مكمِّلات الكلام الشفاهي وليس باعتبارها أداة تحويل للتعبير اللفظي.”
إنها قوة اللغة وقدرة الشعر الماثلة في لا زمنيته وقدرتـــــــه أن يكون مستقبل ذاتـــــــهِ وعراف من يقدسونه ومن يرفضونه على السواء؛ تلك الطاقة التنبؤية التي تجعل أحدنا يتساءل:
من أين للشاعر أن يقف فوق مسرح الزمان كي يخبر بثقة عن المستقبل!
كانت السين المستقبلية في “يا قاتلتي” حاضرة بكل ثقل المستقبل وغموضه ورهبته التي خبـــِرناها.. نحن الأجيال اللاحقة.
سيكون خرابــــاً…. سيكون خرابــــاً… سيكون خرابـــــاً
هذي الأمـــة لا بد لها أن تأخذ درساً في التخريب
إن شفاهية مظفر النواب، تعيد لنا موثوقية النص التي تفتقد لها الكتابة؛ فالأخيرة تبتسر الحاضر وتزيف الماضي.
لذلك، فقد عرف الجميع مظفر الشفاهي، بل إن القارئ ليشعر أمام بعض قصائده أنه لا يمكن نقلها للكتابة دون أن يمس بحريتها. وكما تصاغ القصص الشفاهية مع كل زمن بطريقة مختلفة، فإن النواب يقدم قصيدة متغيرة يقلب فيها الصور المختلفة لموضوعه.
الذات الكبرى
– مو حزن لكن حزين
مو حزن لكن حزين
مثل ما تنشلع تحت المطر شدة ياسمين
مثل صندوك العرس ينباع خردة عشك من تمضي السنين
مثل بلبل كعد متأخر لكا البستان كله بلايا تين.. بلايا تين
أنا كتلك مو حزن لكن حزييييين……
-يا حزن يا ريت أعرفك
جنت أسويلك حديقة وممشى من كاشي الفرح كدام بيتك
يا حزن لو جنت أعرف وين تسكن
جنت أكلك لا تجيني ….
وتمشي كل هاي المسافة أنا نفسي جان اجيتك
– يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك
جنّك مغيّر مشيتك
حاط ريحة رخيصة كلِّش
يا رخيص شكد بجيتك.
هذه الحرية التي يمتلكها الشفاهي لا تتاح للتدوين. مضاف لها حضوره الحسي وصوته، ما يعطي قصائده، سواء العاميـــــة بفصاحتها البالغة الثراء، أو الفصحى بحميميتها وتدفقها، بحيث تذوب هذه في تلك، وترتفع هذه إلى ذرى تلك وترفعها. تذوب معها (أنا) الشاعر في الذات الكبرى (ذات المقهورين-الجوعى-الفقراء) فتمتزج الثورة مع صوفية العاشق، ويذوب الأخير في تمرد الثائر ورفضه. يقول في (المساورة أمام الباب الثاني):
في طريق الليل ضاع الحادث الثاني
وضاعت زهرة الصبار
لا تسل عني لماذا جنتي في النار
******
فالهوى أسرار
والذي يغضي على جمر الغضا أسرار
ياالذي تخفي الهوى بالصبر
بالله كيف النار تخفي النار
ياغريب الدار إنها أقدار
يبدو النواب مرتاحاً مع لغته، إنها بيت وجوده، يلحنها، يرتجل، يقرأ بالعامية تارة وبالفصحى تارة أخرى. يغني فيصفق الجمهور
عجب…. عجب…نخب…نخب…
يرتجل كمعلم مع مريديه.
مياو …مياو…ولك مياو عيني مياو
مطلوب من الجميع
لا تكتمل قراءة النواب إلا بحضوره الحسي، فثراء هذا الحضور هو الجناح الآخر لطيرِ قصيدته. بل إنـــه الشطر الأهم فيها، ذلك الشطر الانفجاري، إنــــه اللحظة القصوى في كينونتها المتوترة والروحية، الثائرة والصوفية. حد أنـــــه أصبح مطلوبــــاً من الجميع، من الشعوب المقهورة ومن السلطات التي يكرهها حد تأثيثه لمعجمٍ خاص بها.
نقرأ في رسالة القديس بولس إلى روما “فالإيمان إذن من السماع” ونقرأ أيضاً في الرسالة ذاتها “لأن الحرف يميت والروح تحيي.”
وبهذا لا تكتمل قصيدته دون سماع رنين صوته وعتابه وحزنه العتيق حد الندب.
واكعدلك على فراش العرس
ابطرك المسج والنوم
وأغمض عود اجيسَك بالحلم
تاخذني زخّة لوم
واكلّك ليش وازيت العمر يفلان
يفلان العمر يفلان
واجوِّتلك مخدتي وانطر الشباج يجيبك
وانته عرس الليل والقدّاح
يا هلبت تجي وترتاح
يامفتاح فضة المارهم غيرك علي مفتاح
في مباشرته مجاز، وفي مجازه مباشرة،
شبّاككِ سيدتي في الشامِ وشباكي في بغداد وما بين الاثنين من التاريخ الى المستقبل حبٌّ وعتاب.
كان دريدا على صواب تام في معارضته لجان جاك روسو: إذ رفض الأخير الاقتناع بأن “الكتابة ليست أكثر من حادثة عرضية بالنسبة للكلمة المنطوقة.”
فأنت يمكنك أن تغمر نفسك في السماع لا في الرؤية، ويمكنك أن تقرأ النواب قراءة شذريــــه، مقاطع متفرقة عاشقاً أو ثائراً صوفيــــاً أو حزيناً، تولد الصورة من الصورة والمجاز من المجاز
-ففي القلب حزنٌ جبان، وحزنٌ جريء
لكم عذبتني الرياح تغير وجهتها دون سابقة،
والفراق دنيء
وكم أنت رغم الوضوح خبيء
وكم أنت مثل جناح الفراشة في الحلم زاهٍ بطيء
شفاهية سقراط أم كتابية أرسطو؟
لعل هذا سر ولعنا بالنواب الشفاهي، فقد حُجِبَت أسرار القول لأجل الخلّص والصادقين، الذين يلتحمون بالإنسان بحيث تصبح الكلمة مرتبطة بالحياة نابعة من ترابها وقدّاحها.
في الكتابة إخفاء وإضمار، في الشفاهية إظهار وكشف، لذلك نجد خطورة الشفاهية في كل زمن، فقد تجرع سقراط سم الشوكران جزاءً لشفاهيته.
النفي أو الطرد..
هذا جزاء الكلمة المجنحة!
وببنما يمكن القراءة بالعين، فالتحدث يستلزم أن تسمع بقلبك وروحك. كتب أحدهم “البصر يفرق، أما الصوت فهو يجمع. فالكلمة المنطوقة دائماً حدث، أي حركة في الزمان، وهو ما يفتقد افتقادا ًكاملاً في الكلمة المكتوبة والمطبوعة التي تبدو كالشيء الرابض على الصفحة.”
لا يمكن أن يكون هناك انفصال في الشفاهي بين الحياة والكلمة، لا مسافة بينهما ولا شرخ، وعلى -العكس تماماً- وفي أغلب الأحيان يحدث الأمر في الكتابة، لقد وصفها أفلاطون على لسان سقراط في (فيدروس) بأنها غير إنسانية “تدّعي أنها تؤسس خارج العقل مالايمكن في الواقع أن يكون إلاّ داخله.”
ويصفها أستاذه سقراط “بأنها لا يمكن أن تدافع عن نفسها، على نحو ما يمكن للكلمة المنطوقة، فالكلام والفكر الحقيقيان، يوجدان دائماً في الأساس، في سياق من الأخذ والعطاء بين أشخاص حقيقيين، أما الكتابة فسلبية تحيا في عالم غير حقيقي.”
إن شفاهية النواب وصوفيته العميقة هبتان كالإيمان، جعلتا شعره متغيراً متجدداً وأمومياً:
مولاي لقد نام ملوك الأرض وغُلِّقت الأبواب
مازالت بعض مطاعم آخر ساعات الليل هنا وهناك
وفي حاوية الزبل وبين الأوساخ كتاب
أحنو وأمدّ يدي
يمدُّ يديـــــه إلي
ونبكي مما أهملنا الأحباب
ما ميز شعره لا يكمن في شحنة التحريض والهجاء أو الغضب، فهي ليست سوى براعم متفتحة في كونـــِه الشعري. ولا بكونه خُلاصة زمن، بل إن سره في شفاهيته، هو الذي لم يكترث يوماً لطباعة كتاب، أراد لكلماته أن تكون الشطر الأول من قصيدة عمره.
-غداً آخر يوم في عقد الإيجار
لقد نبت القلب لغيري
سأُعيد السطحَ لمالِكه
مولاي ألا يمكن تجديدُ العقد؟
إن أجيالنا لم تتح لها فرصة ترقب أمسياتــــه ولهفة الوقوف بانتظار حضوره، ومشاهدة كلماته وهي تحلِّق وتبكي وتتألم وتضحك فوق مسرح الزمان.
بين 1978-1980 وبينما كنا ننام في المهد تهدهدنا أمهاتنا، وأكبرنا لا يتجاوز الثانية أو الرابعة كان صوت النواب يتردد في جنبات الحياة مناجياً الله لأجلنا نحن.
يقول في (خمريّات)
وعاودني أني أسمع نوم الطفل
دخيلك يا ألله يشبُّ له وطن
فأنا عشت بلا وطنٍ
وتقيض لي بين النهرين ترابـــاً أرقد فيه
قرير العين
نعم مولاي تراب
لقد عاد المهر البري إلى بغداد وهاهي أمانيه كلها تتحقق
وبي شوق أتمرّغ كالمهر في رملِ بلادي.
وكأن رحيل مظفر النواب أتى كـــــــــــــ دوزنة أخيرةٍ للنغم. وهو الذي طلب من جمهوره في أمسية بيروت: دعوني أدوزن نفسي.
مالم تقله قصائده ستنبئ عنه يداه، وما يخفيه صمته، سيظهر في نبرة الصوت وتوتره حين يصوب سهم الرجاء صائحاً: يامولاي..
وحيث ينبئ الصوفي عن الثائر ويكشف الأخير عن العاشق الذي هو عليه.
لم يمض زمن مظفر بوفاته ولم يطوَ التاريخ، بل يفتح موتــــــه بهذا الوقت الملتبس من الهزيمة بابـــــاً على الحياة من جديد.
لم يخدعنا، لم يقطف من الشعر زهوه وغروره، بل لمس الشوكة في الوردة. وتقبل مصيره،
ساعياً لجعل خسارته أفضل الخسارات وحزنه أنبل حزن، فالمصير كفاح لأجل حياة إنسانية حرَّة ولا معنى له بعيداً عن هذا التطلع.
وبهذا فقط، وعبر صدقه وحرارته ووضوحه، يلتقط الشعر الحريـــــّة من قلب الخسارة والحب من عمق الكراهية
سادتي .. سَيِّداتي
انتهتْ آخرُ الأُغنياتِ التي يُمكِنُ
الآنَ إنشادُها
رُبَّما يَقتُلونَ المُغنِّي
ويُخْفونَ آثارَهُ
رُبَّما سَيُذَوَّبُ أو يَختفي
مِثلَما يَحصَلُ الآنَ في كُلِّ يومٍ
ولكنَّها الأُغنياتُ
ستبقى تُذوِّبُهُم أَبَدَ الآبدين
الموت ليس نهاية للشاعر، ولا أفول زمان، إن موت شاعر فعل تذكّر. وبتعبير بودلير: فالشعراء وحدهم من “يعلِّموننا جَسارة الذاكرة”.