شقيقتان.. يداً بيد نحو الهاوية

122

رجاء خضير /

قضية هذا العدد تبدو كأنها فيلم أتقن الكاتب والسيناريست حبكته وبرع المخرج بتحريك الممثلين الذين لعبوا أدوارهم بتميز. في قضيتنا، الكاتب هم الأقرباء والمخرج هي الظروف والسيناريست هو قاطع الرحم وصاحب النوايا السيئة والممثلون هما المتهمتان والشاب الذي خدعهما لأجل (هدف دنيء)، والقتيل وغيرهم.
(هـ.. ٢٥سنة، خريجة إعدادية تجارة) و(ن….٢٣ سنة، خريجة الدراسة المتوسطة)، شقيقتان، توفي والدهما من جراء مرض عضال ولحقت به والدتهما بعد فترة قصيرة، ولم يكن لهما أي دخل سوى الراتب التقاعدي البسيط لوالدهما الذي كان يعمل مع أصدقاء له لتدبير إيجار البيت وتكاليف المعيشة.
استمرتا لفترة ليست قصيرة بالتنقل بين بيوت الأقرباء لتسقرا في بيت عمهما الذي أذاقت زوجته الشابتين مختلف أنواع الذل رغم أنها كانت تأخذ منهما راتبهما التقاعدي وتكلفهما بأعباء المنزل كافة. تجرأت (هـ….) يوماً وطلبت من عمها مساعدتها في الحصول على عمل لتتمكن من دفع إيجار بيت صغير: “لقد أتعبناك يا عمي، أنت وزوجتك لم تقصرا معنا وقد ضايقناكما وأقلقنا راحتكما.” وكأن العم كان ينتظر هذا الطلب، فوعدها خيراً.. وبعد أيام، رافقها إلى محل صياغة كان صاحبه، الصائغ الكهل، يبحث عن عاملة نظافة وهو صديق أحد معارفه.
وفعلاً تسلمت (هـ…) العمل وعثر لها العم على بيت في منطقة بعيدة عنهم نسبياً بإيجار معقول وانتقلت إليه مع شقيقتها (ن).
بذلت (هـ….) جهودها في العمل، وكان الصائغ مرتاحاً لأمانتها ما دفعه إلى مكافأتها وتكليفها أيضاً بمراجعة سجلات البيع والشراء وزاد لها في راتبها، ولاسيما بعد أن عرف بقصتها وشقيقتها. استمرت تعمل بكل إخلاص وتفانٍ, وراقَ هذا الحال لصاحب العمل الذي أصبح يمنحها المكافآت السخية ليساعدها مادياً بين فترة وأخرى. بدأت الشقيقتان تشعران ببعض الراحة ولم يقلقهما عدم سؤال العم عنهما، فقد قال لهما بعد انتقالهما إلى بيتهما إنه اطمأن عليهما وإن احتاجتا لشيء ما فهو سيكون موجوداً.
بعد أشهر معدودة، تعرفت (هـ….) إلى (زبون) بدا كأنه يعرف الصائغ لزياراته اليومية في الأوقات التي يكون الصائغ فيها غير موجود متظاهراً بالسؤال عنه. بدأ يتقرب منها لتنشأ بينهما علاقة ود واستلطاف تحولت إلى حب كبير. لاحظت (هـ….) أن لحبيبها (أحلام) كبيرة: أن يصبح ثرياً ليتزوجها ويشتري لها ولشقيقتها بيتاً ولكل منهما سيارة فارهة! أسعدتها هذه الأحلام وبدأت تحلم معه متمنية أن سنوات الحرمان من العواطف والفقر قد ولَّت ولم تعد وشقيقتها وحيدتين لا يسأل عنهما الأقرباء. ولتعلقها الشديد به، أصبحت تنفذ له خططه التي بدأت بدفع شقيقتها الصغرى (ن….) لاستمالة الصائغ الكهل الذي استجاب لها وأصبح يمضي معها معظم أوقاته في بيت الشقيقتين، وترك محله وسجلاته تتلاعب بها (هـ….) كما يوجهها حبيبها الذي أمرها بتسليمه سرقاتها من المصوغات الذهبية والمبالغ التي تتلاعب بها وكانت ذريعته شراء بيت حديث ليكون عشَّ الزوجية.
صارحت (هـ…. ) شقيقتها (ن…..) بخطة حبيبها، لم تمانع الأخيرة فهي بدورها بدأت تحلم بالرفاهية، ولاسيما أن الصائغ الكهل أصبح متعلقا بها، كحبيبة في عمر ابنته منحته الحب وأموراً أخرى، وبدأ يغرقها بالهدايا الثمينة لقاء الساعات التي يمضيها معها ولم ينتبه في البداية لما يجري في محله.
انغمست الشقيقتان بملذات الدنيا المحرمة بعيداً عن رقابة العم الذي تخلى عنهما كلياً وكأنه تخلص من همٍّ كبير متناسياً أنهما أمانة شقيقه المتوفى، وكان غياب هذه الرقابة يروق للشقيقتين لتقوما بكل ما يحلو لهما.
في أحد الأيام ذهب الصائغ للقاء (ن…..) ولم يجدها، فتوجه إلى المحل الذي لم يكن يراه مؤخراً، إلا نادراً، لانغماسه في ملذاته، ليسأل (هـ….) عنها، وهنا فاجأه مشهد الشقيقتين وهما تراجعان سجلات المحل! سألهما عما يجري فكان جوابهما، الذي تظاهر بتصديقه، “تساعدني (ن….) في مراجعة السجلات خشية الأخطاء للمحافظة على أموالك.” يومئذٍ لم يغادر محله بالرغم من تلميحات (ن….) بأنها “في شوق إليه”.. ومع انتهاء دوام (هـ….) المعتاد، غادرتا المحل إلى مكان قريب حيث ينتظرهما الحبيب بسيارته الفارهة التي اشتراها من الأموال التي سرقتاها بعد خيانتهما للأمانة. وبقي الصائغ داخل محله، أغلق أبوابه وبدأ بمراجعة السجلات فاكتشف أموراً سيئة جداً لم يكن يتوقعها ممن منحهما ثقته، من سرقة وإخفاء معلومات مهمة عن الديون وشطب أسماء زبائن بذريعة أنهم سددوا ما بذمتهم، وغيرها من المخالفات والغش، وصُدم عند فتح القاصة إذ اكتشف اختفاء كميات من السبائك والمصوغات الذهبية! جلس شارداً يستذكرُ ما حدث منذ توظيفه (هـ….) وكيف أغرته بالتعرف على أختها الصغيرة التي تعلق بها، وبدأ يفكر في كيفية الإيقاع بهما وبمن يساعدهما.
أول خطوة له كانت في الذهاب إلى عمهما وإخباره بكل التفاصيل التي تخص ابنتي شقيقه، لم يُفاجأ العم فقد سمع الكثير عن أخلاقهما السيئة، وقرر الابتعاد عنهما. هكذا اطمئن الصائغ أن العم لن يدافع عنهما، وبدأ بتنفيذ خطوته التالية، إذ قام بتصوير السجلات وتظاهر بأنه ما زال يثق بـ(هـ….) وترك لها السجلات ليراجعها بعد ذلك ليكشف سرقاتها. بدأ يراقبها بعد انتهاء دوامها فتعرف على الشاب المحتال الذي يسكن قرب محله والمعروف بسوء أخلاقه ورآها تصعد إلى سيارته الغالية وأيقن أن الشقيقتين احتالتا عليه لأجل ذلك العشيق، وبعد أن جمع أدلته، سلمها إلى ضابط في الشرطة من أقربائه، الذي نصحه أن يستمر بالتمثيل عليهما إلى حين ضبطهما بالجرم المشهود.
هكذا سارت الأمور اعتيادية بينهم، وشعر الصائغ أن (هـ….) بدأت تلاحظ أنه يخفي أمراً ما وفاجأته بسؤالها عن سبب سحب مفتاح القاصة منها، وتظاهرت بالحزن لأنها فقدت ثقته، لكنه أكد لها أن المسألة ليست عدم ثقة إنما لتكرار السرقات في المنطقة مؤخراً، وأغلق المحل ورافقها إلى بيتها لشرب الشاي. عندها دخل الحبيب المحتال وهو بحالة سكر، حاول الصائغ الاستئذان والخروج، لكنهم منعوه، فقد شعروا بخطته للإيقاع بهم، ودارت مشاجرة عنيفة بينهم، وحين حاول الهرب ضربته (هـ….) بهراوة خشبية على رأسه من الخلف فسقط ليجهز عليه حبيبها ويقتله..
قام الحبيب والشقيقتان بسحب جثة القتيل إلى السيارة ورميها في منطقة بعيدة ظناً منهم أنهم تخلصوا من الجريمة. في اليوم التالي، بدأ أهل الصائغ بالبحث عنه وفوجئت الشقيقتان بالشرطة تداهم منزلهما، فقد أخبر الضابط الذي يعرف الحقيقة أهل الصائغ بما يعرفه والذين بدورهم بلّغوا الشرطة. فتش أفراد الشرطة البيت فوجدوا مفتاح القاصة عند (هـ…) وعثروا على مصوغات ذهبية، وتم اقتياد الشقيقتين إلى مركز الشرطة، وبعد محاولات للإنكار اعترفتا بالسرقات والاحتيال وعلى الحبيب الذي أجهز على الصائغ، وتمكنت قوة من الشرطة من إلقاء القبض عليه ومواجهته بالحقائق وباعتراف حبيبته فاعترف بكل شيء ورافق الشرطة وأهل المجني عليه إلى مكان الجثة..
الآن، الشقيقتان والحبيب المخادع ينتظرون مصيرهم الذي سيقرره القانون، وينتهي هذا الفلم الواقعي بضرب مطرقة القضاء بقوة على المنصّة والنطق بالحكم.