شهيد العقيدة والولاء.. كميل بن زياد النخعي (رض) حامل أسرار أمير المؤمنين (ع)

63

#خليك_بالبيت

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

“لا تصرف عليّ أنيابك ولا تبرق ولا ترعد، فو الله ما بقي من عمري إلاّ مثل هذا الغبار فأقض ما أنت قاض فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب، ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي”.. بهذه الكلمات الشجاعة خاطب صاحب الإمام علي عليه السلام وواليه على مدينة هيت كميل بن زياد قاتله الحجاج بن يوسف قبل أن يأمر الثقفي بقطع رأس شيخ جليل ناهز التسعين عاماً.
كميل بن زياد النخعي الصهباني الكوفي هو موضع سرّ الإمام علي (ع) وراوي أشهر أدعية أمير المؤمنين المعروف بـ”دعاء كميل”، دفن بعد استشهاده بمدافن قريش بمنطقة الثويّة في الكوفة.
مجلة “الشبكة العراقية”، في سعيها للتعريف بأماكن المراقد والمزارات الدينية السياحية في العراق، زارت هذا المكان والتقت سماحة الشيخ مقداد حمودي الكعبي الأمين الخاص للمرقد الشريف.
الثويّة
يقول الشيخ الكعبي: كانت هذه المنطقة تسمّى في زمن أمير المؤمنين (ع) بالثوية وهي مقبرة أهل الكوفة كما هي وادي السلام الآن والمعروفة بكونها مدفناً لجميع محبي أهل البيت في النجف، تبعد الثوية عن مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ومركز مدينة النجف الاشرف ما يقارب كيلومتراً واحداً وإلى جوارها مسجد الحنانة وموضع رأس الإمام الحسين (ع) وتبعد الثوية عن مركز ومسجد الكوفة تقريبا 8 كيلومترات.
احتوت الثويّة على كثير من مراقد الصحابة الأجلاء والموالين لآل البيت عليهم السلام، والموقع اليوم مُحاطٌ ببضعة أحياء سكنية.
نسبه
عن نسبه يقول الشيخ الكعبي: هو كميل بن زياد بن نهيك بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك النخع بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد من مذحج.
سيرته
يحدثنا الشيخ الكعبي عن سيرته قائلاً: كميل بن زياد النخعي من قبيلة النخع مولده في اليمن وكانت ولادته سنة 8 قبل الهجرة، وقبيلة النخع يمنية معروفة سكنت اليمن بعد الإسلام، وهاجرت إلى الكوفة وقد رفدت الساحة الإسلام بكثير من القادة والمفكّرين مثل مالك بن الاشتر النخعي وهلال بن نافع وشخصيات كثيرة كان لها آثار في الساحة الإسلام في المجالات كافة.
سكن كميل الكوفة مع قبيلته ودخل الإسلام وهو صغير السن وعرف بصحبته لأمير المؤمنين (ع) وأصبح من حوارييه، حتى قال عنه الشيخ عباس القمي: هو من أعاظم خواص أمير المؤمنين وصاحب أسراره، نقل عن علي بن أبي طالب كثيراً من الوصايا والاحاديث والروايات وأهمها دعاء كميل.
تولّى كميل مناصب إدارية في زمن خلافة أمير المؤمنين، منها ولاية هيت الواقعة على شط الفرات في الانبار وقد أحسن إدارتها، وشارك في معارك أمير المؤمنين كمعركة صفين وكان أحد قادتها.
يعدّ كميل بن زياد من أئمة علماء الكلام وعباد أهل الكوفة، وذكرت المصادر التاريخية أنَّه من أشهر العُبّاد الثمانية الموجودين في الكوفة، استمرت صحبته لأمير المؤمنين حتى استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
بقي كميل ثابتاً بعد استشهاد الإمام (ع) يدعو ويبيّن ويدافع عن العقيدة الحق حتى تولّى الحجاج بن يوسف الثقفي خلافة الكوفة فتقصّى محبي أمير المؤمنين (ع) وبدأ يلاحقهم ويقتلهم، فاستشعر كميل حينها بالخطر فاختفى عن الأنظار تقيةً، فعمد الحجاج إلى قطع العطاء عن قبيلة كميل بن زياد، فأضرّ بهم ذلك، فلما وصل الخبر إلى كميل جاء وسلّم نفسه إلى الحجاج كي لا يتضرر قومه بسببه، عندها طلب الحجاج منه أن يتبرّأ من أمير المؤمنين لكنّه أبى ذلك ورفض وأصر على الثبات على منهاج علي (ع)، فهدّده بالقتل ولكن لم ينفع ذلك، فأمر به أن يقطع عنقه وعندها سلّم أمره إلى الله وضربت عنقه وكان ذلك في سنة 82هـ وكان عمره تسعين عاماً، وقد دفنته عشيرته في منطقة الثوية ودفن إلى جواره كثير من الصحابة كسهل بن حنيف وعبيد الله بن أبي رافع وجملة من الصحابة أيضا.
المرقد
يشرح الأمين الخاص تفاصيل المرقد، فقال: لم يشر التاريخ إلى بدايات ظهور قبر كميل بن زياد فهو قديم جدّاً وقد ذكر في الكثير الاشعار والمصادر التاريخية ويقول أحد هذه المصادر عن قبره الشريف إنّه عبارة عن غرفة صغيرة مبنية من الطين تعلوها قبة صغيرة مع ضريح لا تتجاوز مساحته 600 أو 700م وكان مأوى لكثير من المؤمنين والمسلمين الذين كانوا يفدون لزيارة هذا المكان الشريف.
تعاقبت على المرقد أيدي الخيرين المباركين لتعميره، فكانت إحدى المراحل المهمة لتوسعة قبره في العام 1966م، عندما قام أبو القاسم الكرماني وهو أحد وجهاء النجف الأشرف بطلب الإذن من سماحة المرجع الكبير السيد محسن الحكيم (قدس) لجمع التبرعات ولتوسعة هذا المزار فحصلت الموافقة وبالتعاون مع مديرية البلدية حينذاك استطاع أن يوسّع الصحن الشريف الذي يحيط بالقبر وبمساحة 12,000متر مربع تقريبا وبناء سياج أحاط بهذا الصحن الشريف بارتفاع ثلاثة أمتار.
كانت هذه المساحة عبارة عن تل؛ فقام أبو القاسم الكرماني بإزاحة جزء كبير من هذا التل وأبقى مكان المرقد على التل واكتمل البناء تقريبا في العام 1978م، ثم توالت الأيدي على إعماره حتى سنة 2009م، عندما قام ديوان الوقف الشيعي الأمانة العامة للمزارات الشيعية بالتعاون مع مجلس محافظة النجف بإنجاز المرحلة الأولى من إعمار المرقد، تمثّلت بإقامة ضريح وأروقة للرجال وأخرى للنساء بمساحة 2000 متر مربع وطارمة خارجية محيطة بهذه الأروقة على أسس كونكريتية والجدران مغلّفة ومزجّجة بالكاشي الكربلائي وقبة صغيرة، توسّعت هذه القبة إلى حجمها الحالي بواسطة الوجوه الخيرة من أهالي النجف المتمثلة بالحاج عبد الرسول السلامي بارتفاع 12م مغلّفة بالكاشي الكربلائي ووضعت لها نقشة مميزة.
للمرقد ثلاثة أبواب رئيسة وأربعة أبواب جانبية للاحتياجات والطوارئ على جانبي المزار، كان المفروض أن تبدأ بعدها المرحلة الثانية التي تشمل الصحن الشريف والاواوين المحيطة به، عندما اختيرت النجف عاصمة للثقافة وخصص ما يقارب 9 مليارات دينار لكنّها توقفت لأسباب خارجة عن الإرادة.
تحيط بالمزار مجموعة من المقابر الخاصة بأهالي النجف الاشرف وكذلك مقابر ضمت الكثير من العلماء والخطباء والوجهاء منهم الشيخ أحمد الوائلي والحاج عبد الزهرة الكعبي والكثير من العلماء من داخل وخارج النجف.
ويكمل الشيخ الكعبي: بعد استلامنا الأمانة الخاصة عمدنا إلى تطوير المزار من خلال توسعة الصحن الشريف وإكسائه وبناء مجموعة من القاعات لاستراحة الزائرين وممارسة بعض الشعائر والنشاطات الدينية والثقافية فيها، فكانت لدينا قاعة بمساحة 400 متر مربع وقاعة أخرى للمناسبات واستراحة واستقبال الزائرين بمساحة 400 متر مربع وكذلك بناء إدارة بمساحة 400 متر مربع تحتوي على أقسام مكتب الامين الخاص والإدارة وبقية الأقسام الموجودة الثقافية والدينية وعلوم القرآن والمخازن والحسابات والعمل جاد وجارٍ بالتطوير، لكن الأزمة المالية الموجودة الآن في البلاد ألقت بظلالها على جميع مفاصل البلاد، منها هذا المزار الشريف وبالتالي عملنا بقدر المستطاع على تغيير الكثير من معالم هذا المزار الشريف.
ويبيّن الشيخ الكعبي: تأتي أفواج الزائرين للمرقد بأعداد جيدة تبلغ ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف زائر يومياً ومن جنسيات متنوعة من إيران والهند وباكستان وافغانستان والدول العربية المجاورة والخليج العربي ولبنان والمزار يفتح أبوابه منذ الصباح الباكر وحتى المساء في الأيام العادية وفي رمضان والمناسبات الدينية كالزيارة الاربعينية يستمر فتح المزار على مدار 24ساعة من أجل تقديم الخدمة للاخوة الذين يرغبون بتلاوة القرآن والعبادة والصلاة واستقبال زوار أبي عبد الله الحسين مع تقديم ثلاث وجبات من الطعام لهم على مدار أكثر من 40 يوماً مع إمكانية مبيت الرجال والنساء.
أصبح المزار مركزاً للكثير من النشاطات الثقافية والدينية، فهنالك برامج يومية وأسبوعية وشهرية وعلى مدار السنة، لأننا نؤمن أن هذه المزارات هي مركز ومحطة للعبادة وقراءة القرآن والصلاة والدعاء كذلك وهي محطات تثقيفية ممكن أن يكون لها الأثر البالغ في زيادة ثقافة الأخوة المؤمنين على جميع الأصعدة، فنشاطاتنا تشمل الفئات الصغيرة متمثلة بروضة قرآنية مجانية عدد طلابها 100 طالب من الذكور والاناث وتخرّج منها أكثر من أربع دورات تتبعها دورات أخرى والدورات الصيفية أيضا ما يقارب 500 ناشئ صغير من الذكور والإناث بأعمار متعدّدة، نقدم خلال شهرين الكثير من البرامج الثقافية والاخلاقية والدينية والتعليمية والحاسوب والخط والرسم..
ومن النشاطات إقامة المجالس الحسينية في المناسبات والمواليد وهنالك تنسيق مع المواكب الحسينية في النجف الاشرف وخارج النجف حتى أصبح هذا المكان مركزاً للكثير من المناسبات.