شون بين في عباءة ستراسبورغ

24

مقداد عبد الرضا /

ماالذي يجعل التاريخ الناصع لبلادنا معطلاً بمثل هذه القسوة؟ مالذي يجعله مرتخياً إلى هذا الحد الميت؟ وما الذي يعيق قيام الجهات المعنية بجمع كل الأشرطة التي أنتجت سابقاً ولاحقاً وتدفع بها إلى العالم للترميم والاحتفاظ بها في أماكن صالحة للتخزين؟ إنها عملية سهلة وبسيطة, لكن هذا البساطة تحتاج إلى دراية وإخلاص وانتباه, فمن هو المخلص والمنتبه الذي يعرف ليعلن لنا عن هذا القرار الوطني؟ سؤال فقط.. ليس إلا.
قلة هم الذين لديهم القدرة على جذب انتباهك من خلال شاشة السينما الأمريكية، وأعني بالضبط حرفة الممثل وتمكنه من أدواته. ففي بدايتها (السينما الأمريكية) وحتى وقت قريب ظلت تعتمد على نجم الشباك، ذلك الوسيم القوي المفتول العضلات, رعاة البقر الأشداء، اؤلئك الذين لوحتهم شمس فلوريدا, بعدها جاء دور البطل المطلق الذي عادة مايكون حلم كل المراهقات, فكان كلارك كيبل, تيرون باور, روبرت تايلر, روبرت متشم.
لكن التغيير الذي أحدثه كل من ستراسبورغ وايليا كازان هدم كل تلك المفاهيم واستطاعا أن يؤسسا معا ستديو الممثل الذي سيكون له الفضل الكبير في تخرج دفعات مثقفة من الممثلين أحدثت انعطافة كبيرة في تاريخ السينما الأمريكية اعتمادا على ماجاء به ستنسلافسكي من مفاهيم حول عمل الممثل (الطريقة او المنهج). من الذين تخرجوا من ستديو الممثل وتركوا أثرا لايمكن تجاوزه: جيمس دين, مارلون براندو, بن كازارا, شيلي ونترز, كارل مالدن, بول نيومن, روبرت دينيرو, آل باشينو, وارن بيتي, مارلين مونرو, وغيرهم الكثير. شون بين لم يتخرج من ستديو الممثل, ولم يدرس مباشرة فيه بل تدرب على يد أستاذته بيجي فيوري التي سبق لها ان درست في ستديو الممثل وكانت من أقرب أصدقاء ستراسبورغ وتلميذته، التي كان لها الأثر الفعال في تنمية قدرات هذا الممثل لنجده بعد فترة وجيزة قد حقق خطوات كبيرة في ادائه كممثل محترف, فقد بدأ بفيلمين دفعة واحدة في العام 1981 هما (مقتل راندي وابست), و(مواسير). واستمر في الصعود والتألق الى أن فجأته واحدة من أسوأ العثرات حينما تعلق بالمطربة مادونا وتزوجها، وكانت نتيجة هذه العلاقة الإدمان على المخدرات والتراجع الكبير, لكنه دفعة واحدة استطاع أن يمسك مجدداً بزمام حياته فابتعد عن مادونا واختط له من جديد طريقاً أوصله الى مصاف أروع الممثلين في العالم وليس في أمريكا وحدها، كيف لا وهو الذي تعلم من تشيخوف وشيكسبير ومارسيل بروست (إعداد هارولد بنتر لرواية “البحث عن الزمن المفقود”). اعتمد شون منذ البداية على صقل أدواته واتباعه لحسه الباطني او لشعور يتجسد عبر فعله السايكولوجي الذي يتخذ الحيز الأكبر في التعبير, علاقته بمادونا جرّت عليه الكثير من التوترات مع بعض المخرجين، لذلك سعوا للابتعاد عنه على الرغم من اعترافهم بموهبته الكبيرة , لكن النقطة الفاصلة له كانت في فيلم (أولاد سيئون 1983) للمخرج ريك روزنتال, إذ استطاع أن يسيطر على انفعالاته الخارجية ويوظف نفسه في اداء ساحر جعله يبقى في غرفة المونتاج لساعات يراقب أداءه في هذا الفيلم، وبذا تمكن أن يغير مفهوم الكثير من المخرجين عنه وابتدأ العمل مرة اخرى, ثم جاء فيلم (الصقر ورجل الثلج 1985) للمخرج الفذ جون شزلنجر الذي استطاع فيه ان يؤدي ببراعة دور إحدى الشخصيات الحقيقة التي كانت تعمل في تهريب المخدرات ليتحول الى جاسوس يعمل لصالح الاتحاد السوفيتي. زار شون الشخصية الحقيقية (اندرو دولتن ليه) ليكون قريباً جداً من الأداء الحقيقي للشخصية, استطاع أن يغير ملامحه تماماً. تقول عنه انجليكا هيوستن في ادائه لهذا الفيلم: “كان شون مندفعاً بكل حواسه في القضاء على آخر معقل لذاته, قدرته الفذة في الكشف عن الرزايا التي تكمن في داخل الشخصية الحقيقية، لقد فعل ذلك مراراً.” شون غير قادر على التكيف مع ألق الشهرة، مثله مثل مونتغمري كلفت وروبرت دينيرو, لذلك ابتعد. عملت الصحافة ضده كثيراً ولاسيما بعد أفلام لم تكن تمثله, فكان فيلما (لسنا ملائكة وكوارث الحرب 1989), ظل بعدها لخمس سنوات لم يشارك في أى فليم الى أن جاءه دور بسيط مع آل باشينو في فيلم لبرايان دي بالما (طريق كارليتو 1993)، لكنه وبسرعة وفي العام 1995 استطاع ان يجذب الأضواء اليه مرة اخرى ليحصل على جائزة الأوسكار بأداء لافت لشخصية مركبة في فيلم من اخراج تيم روبنز (رجل ميت يمشي). شون لم يحضر الى القاعة لتسلم الجائزة تأكيداً لعدم حبه للاضواء. بعد ذلك استطاع ان يقوم بتجسيد أدوار رائعة توّجها بجائزة أخرى للأوسكار عن فيلم (ميلك) من اخراج كاز فان سانت. عمل خلف الكاميرا ايضا وقدم خمسة افلام مهمة: (الهندي الراكض 1991) و(عبور الحارس 1995) و(الوعد 2001) واشتراكه مع احد عشر مخرجا قدموا افلاما عن أحداث 11 سبتمبر, ثم جاء فيلمه (في الريح). حينما شاهد فيلم المخرج اليخاندرو انريتو (الحب) اتصل به ورجاه ان يقوم ببطولة فيلمه المقبل وكان له ما اراد إذ عمل مع انريتو في فيلم (21 غرام) ليخطف به جائزة افضل اداء في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2004 . في العام 1997 حصل على جائزة افضل اداء ايضا من مهرجان كان السينمائي عن فيلم (بارعة الجمال) للمخرج نك كازافيت … من اهم الافلام التي اشترك بها وقدم ادوارا مهمة ,, اشتغاله مع كلنت ايستوود بفلم ( النهر الغامض ) ( اغتيال ريتشارد نيكسون 2004 ) للمخرج نايس ميولر, لكن الاندفاع الكبير لدى شون جعله احيانا يقع في فخ المبالغة وهذا مافعله في فيلم ( انا سام 2001 ) للمخرج جيسي نلسن حين قام باداء دور معوق. لقد احب الشخصية كثيرا، لذلك خدعته وذهب بها الى مايسمى بلغة التمثيل (الأوفر) كذلك في الفيلم المعاد انتاجه (كل رجالات الملك 2006) للمخرج ستيفن زيليان, مع كل ذلك لن ينسى شون ما قاله عنه جاك نيكلسن (ليست هناك حدود لشون كممثل).
بقي أن نعرف أنه قبل سنوات قام بشراء حقوق رواية ماركيز خريف البطريارك كي يحولها الى فيلم. لاندري الى الآن الى اين وصل بها, هل سيستطيع شون ان يحول هذه الرواية الصعة الى فيلم أم أنه سيقع مثلما وقع البعض في تحويلهم روايات ماركيز الى افلام كان آخرها (الحب في زمن الكوليرا) للمخرج مايك نولن حيث لم يستطع الإمساك بسحر امريكا اللاتينية مثلما فعل سحرتها. لم يقدم شون في سنواته الأخيرة أشياء مهمة سوى بضعة افلام قصيرة وبعض المسلسلات للتلفزيون. يذكر انه زار بغداد بعد الأحداث لمدة ثلاثة ايام ..