صندوق الولايات سينما أيام زمان

125

باسم عبد الحميد حمودي /

هل اختفى الصندوق؟
قبل ثلاثين عاماً.. ربما أكثر قليلاً, كان حامل (صندوق الولايات) يدور في أزقة بغداد ودرابينها العتيقة منادياً أطفال المحلات الشعبية وهو يحمل صندوقه:
شوف عندك ياسلام –بصبص بعينك تمام
يقف صاحب الصندوق السحري في زاوية من (الدربونة) ويضع صندوقه الأخضر العجيب على مسند يحمله معه، ويصفّ، مقابل عدسات الصندوق الثلاث، كراسي خشبية خفيفة ليجلس عليها من يتوق إلى المشاهدة, وحامل الصندوق يغني مردداً:
شوف ابو زيد الهلالي- يمشي يضحك بالعلاوي
شوف عنتر شوف عبلة- شوف بغداد العجيبة
شوف عندك ياسلام –بصبص بعينك تمام
وينصرف الأطفال إلى مشاهدة الصور المتجاورة التي يعلقها صاحب الصندوق الساحر بخيط مرتبط ببكرة تحرك الصور حتى نهاية المشاهدة التي ما إن تنتهي –بعد جمع الفلوس– حتى تبدأ أخرى لمجموعة ثانية تدفع أجور المشاهدة مسبقاً قبل بدء العرض.
شخصيات الصندوق الساحر
يعرض الصندوق الكثير من الصور الثابتة الملصقة بشكل متجاور، ومنها صور عنترة بن شداد وحبيبته عبلة وشخصيات من السيرة الهلالية مثل الزناتي خليفة والزير سالم وأبي زيد الهلالي وغيرهم.. إضافة إلى صور حديثة لبغداد وكركوك والموصل القديمة والسليمانية والبصرة وقلعة دزة وألتون كوبري.. حسب وجود حامل الصندوق السحري في أية مدينة يجول فيها بصوره المدهشة وقفشاته ونكاته التي تجذب الأطفال للمشاهدة وهم يجدون في صور من مدينتهم ما كان يجعلهم يشتاقون لهذه الرؤية التي ضعفت عند دخول التلفزيون.
فاضل رشيد والصندوق.. في السينما
في السينما العراقية عام 1966 قدم المنولوجست فاضل رشيد صندوق الولايات، مجسداً في أغنية شاركه فيها الفنان خليل الرفاعي ومجموعة من الأطفال للتأكيد على حيوية مشاهدته, في فيلم (درب الحب) الذي قام ببطولته الفنانون: مديحة وجدي وفاروق هلال وفاروق فياض وأخرجه : برهان الدين جاسم .
كان الرفاعي يقدم في التلفزيون مشاهد تمثيلية يقوم ببطولتها تحت اسم (زعتر)، فغنى له فاضل رشيد ضمن بستات صندوق الولايات السينمائي:
(شوفوا زعتر – شلون يفتر) مع عدد من المقاطع والصور المحببة للمشاهد.
ماذا يقول الخبراء والمختصون؟
عندما بدأت التحضير لكتابة هذا الموضوع اتصلت بمجموعة من الكتّاب الذين اهتموا بهذه الذكريات عن هذا الصندوق العجيب الذي كان يأخذ بألباب الأطفال قبيل ظهور وسائل الاتصال الحديثة.
السيدة نرمين المفتي، رئيسة تحرير مجلة (الشبكة)، أعانتني كثيرا بما يبدو مهماً التأكيد عليه وشكرها من أجله.
الشاعر الكاتب أوات حسن أمين قال إن الصندوق كان موجوداً في السليمانية وفي قلعة دزة, فيما أكد الباحث حسين الجاف توارد وجود الصندوق في الخمسينيات من القرن الماضي وماسبقها من سنوات في أربيل وكركوك وغيرها من المدن المجاورة وصولاً إلى الموصل. وقال الجاف أيضاً إنه كان موجوداً في حواري هذه المدن.
إستنبوله باخان !
الباحث التركماني الأستاذ نجاة كوثر قال إن المؤرخ التركماني الراحل الأستاذ عطا ترزي باشي كتب عن صندوق الولايات أو صندوق الدنيا في كتابه (كركوك آغزي) ج1, وقال ترزي باشي: إن هذا الصندوق اختفى رويداً بعد دخول التلفزيون, وكان اسمه (إستنبوله باخان) أي (الناظر إلى إستنبول), وكان مشغله يعرض صوراً مختلفة مع الأغاني المناسبة.
الحلوة بدرية المصرية
يقول عطا ترزي باشي إن واحدة من الممثلات المصريات الجميلات اسمها بدرية كانت واحدة من بطلات الصندوق في حواري كركوك ومشغل الصندوق ينادي قائلاً وهو يرنم أغنياته: (أما عندك بدرية ياسلام المصرية) ويعرض صور أفلامها العشرة, ويقول بالتركمانية:( يا أولاد يا بنات…تعالوا انظروا إلى أجمل ما في الدنيا)، وهو صادق في زمنه ومرحلته.
وقد قمنا بالبحث عن (بدرية الحلوة) هذه، فوجدنا أنها من مواليد كانون الأول 1920، وقد كان زوجها الممثل الفلسطيني بدر لاما الذي قدم عدداً من أفلام المغامرات أبرزها وأقدمها فلم (قبلة في الصحراء) مع أنور وجدي وبشارة واكيم وزوجته الحسناء بدرية.
قدمت بدرية الساحرة عشرة أفلام, واسمها الحقيقي (جوزفين سركيس جورج)، وهي من مواليد الفيوم، وقد أطلق عليها زوجها بدر لاما اسمها السينمائي الذي اشتهرت به وهو (بدرية رأفت) ودخلت به صندوق ولايات مدينة كركوك! توفيت بدرية الحلوة في كندا عام 2009، وقد قاربت التسعين واختفى (صندوق الولايات) الجميل من الحواري في مدن العراق .. إلا في بعض الأعياد والمناسبات.
طوبى لمن شاهده وتجمع حوله
طوبى لمن عاش زمنه الجميل.