صورة شخصية على واجهة لابتوب مُضاع

477

عبد الزهرة زكي/

بعد رحلة طويلة لم تبدُ مملّة بلغنا مطار واشنطن على متن طائرة للخطوط الجوية التركية، كان معي عدد من الزميلات والزملاء الصحفيين من بغداد، وكان هذا في ربيع عام 2015.

ترافقني على الطائرة حقيبة يدوية وأخرى حقيبة لابتوب، أنزلتهما ثم وضعتهما في جهاز الفحص بعدما أخرجت اللابتوب من حقيبته، كما تقتضي تعليمات المطارات، ووضعته في حاوية صغيرة عند جهاز الفحص، وما إن انتهيت من إجراءات مروري عبر جهاز سونار ومن تفتيشي حتى انشغلت بتفقد الحقيبة وما تركته فيها من حاجيات كالجواز والساعة اليدوية ومحفظة النقود وبطاقة السفر، ثم انهمكت بارتداء الحزام والحذاء وترتيب ملابسي قبل أن اندفع مع زملائي الآخرين باتجاه طوابير تدقيق وتأشير الجوازات. لا أسخف من خلع الأحزمة والأحذية، لكن كثيراً من السخافات في الحياة العامة لابد من تحمّلها وحتى تسخيفها. انشغلت بهذه السخافات، فلم انتبه إلى أني نسيت اللابتوب في جهاز الفحص وغادرته بالحقيبتين؛ اليدوية بما فيها، وحقيبة اللابتوب فارغةً.

منذ سنوات لم أعد أسافر من دون لابتوب، طبيعة عملي في الكتابة تقتضي هذه الرفقة التي تقلصت معها مساحة الاعتماد على الورقة والقلم حتى تلاشت الحاجة إليهما تماماً في أي شأن له صلة بالكتابة، طبيعة عملي الوظيفي الصحفي هي أيضاً تقتضي مني هذه الرفقة نفسها. إنها ملازمة باتت لابدّ منها حيثما كنت.

من الممكن للمرء أن يضيّع أثمن قلم معه، إنها خسارة قابلة للتعويض، بينما خسارة دفتر زهيد الثمن هي ما قد تكون مما لا يمكن تعويضه، قيمة الدفتر التي تسمو على قيمة القلم بمثل هذه المقارنة هي بما يحمله وما يحفظه الدفتر من المكتوب فيه، وهكذا هي المشكلة مع فقدان لابتوب. ضياع اللابتوب لا يعني خسران متعة السفر والتنكيد على أيامه فقط، فبرغم تعاسة هذه النتيجة إلا أنه كان لهذا الفقدان أن يضيّع معه أيضاً ما لا يمكن تعويضه؛ مخطوطات لأكثر من كتاب، وملفات تحفظ الكثير من النصوص والمقالات غير المكتملة، ومعها عشرات الملفات الأخرى، من بينها ملفات صور شخصية وعائلية كثيرة. ليس من أسرار في كل هذه الملفات لكنها ملكية شخصية، فكرية ومعنوية، لها قيمتها بالنسبة لي.

أحتفظ في العادة، وعلى أكثر من (هارد دسك) صغير، بمعظم الملفات الضرورية، وهذه وسيلة قد تخفّف صدمة الفقدان أو التلف إذا ما تعرض اللابتوب لأي ضرر متوقع دائماً برغم عدم حصوله حتى الآن، لكن المشكلة أن ملفات اللابتوب هي عرضة دائماً للإضافات والتغييرات والتعديلات والحذوفات، كلما سنحت لي فرصة فإن المزاج كان يذهب بي حينها إلى واحد من الملفات وتجري المراجعة، والمراجعة غالباً ما تنتهي بتغييرات كثيرة. يحصل هذا مع أيّ كتاب طالما كان ما يزال مخطوطاً ولم يصدر مطبوعاً. لا أعتقد أن مراجعةً، ولو عابرة، لأي نص، شعري أو غير شعري، كانت تمرّ من دون تدخلات.. النصوص عرضة لكتابةٍ تظل مستمرة كلما تأخر نشرها. كانت تلك التعديلات تحصل على النسخ المحفوظة في اللابتوب، فهو الأقرب دائماً، فيظل من الصعب نقل التغييرات إلى نسخ الهارد دسك، وفي معظم الأحيان أظل متأخراً لأسابيع لحينما يتوفر ظرف يسمح بتحديث الملفات المحفوظة فيه، وقد أنسى فلا أحدّث، إنها ملفات احتياط في كل حال.

كان في كلّ طابور في القاعة الكبيرة للتيرمنال يقف العشرات من مختلف البشر. قبل بلوغ الطابور المخصص لتأشير جوازاتنا صعقت فجأةً حين تنبهت إلى خفة حقيبة اللابتوب على كتفي، توقفت وفتحت الحقيبة ليتأكد لي نسياني اللابتوب في الجهاز.. لقد حصل هذا الانتباه بعد ما لا يقل عن خمس دقائق، وهو وقت كافٍ لليأس من إمكانية العثور عليه في ذلك المكان المكتظ بمئات المسافرين الذين يرومون الانتهاء سريعاً من أول إجراءات التفتيش في مطار أمريكي معروف، كما مطارات الولايات المتحدة الأخرى، بدقته وتشدده في تلك الإجراءات.

تركت زملائي وعدت مسرعاً من دون أن يعرفوا شيئاً عن داعي انسحابي المفاجئ منهم وعودتي إلى المدخل.

على الحزام الناقل في جهاز الفحص لا أثر للابتوب. بقيت حائراً ومذهولاً بين انزعاجي من هذا النسيان وبين خشيتي من أن يكون وضعي داعياً لشكٍّ محتمل من رجال الأمن إزاء مسافر قادم من الشرق الأوسط العربي المسلم ومن العراق تحديداً، إنه حذرٌ لابدّ منه في أي مكان أكون فيه خارج بلدي، وهذا ما يقتضيه اختلاف الثقافات ناهيك عن طبيعة ظروف العالم المعاصر الأمنية وما تتطلبه من اجراءات مراقبة مرئية وغير مرئية. وفعلاً بدا أن شرطيّة أمريكية تنبهت لعودتي ثم حيرتي فاقتربت مني مستفهمةً، لم تعبّر ملامحها عن أي انفعال متعاطف أو متشكك، كانت مشاعرها، كما عبّرت عنها قسمات وجهها، محايدة تماماً، وكان هذا سبباً آخر في تفاقم قلقي وانزعاجي.

شرحت لها موقفي فالتفتت نحو الشريط، وقبل أن ترد قلت لها:

ـ لا يوجد هنا.

تركتني وانصرفت بعدما أشارت لي على شرطي كان يجلس أمام الشاشة التي تراقب الحقائب والأغراض الأخرى المفحوصة، وفيما كانت تمضي بعيداً عني التفت نحوي وطلبت مني التحدّث مع زميلها المنهمك مع شرطيٍّ آخر قربه بعملهما على الشاشة.

عدتُ لأشرح للشرطيّين نسياني للابتوب، طلب أحدهما جوازي، فيما استفسر الثاني عن نوع اللابتوب.. يا للنسيان، لا أكترث كثيراً لمثل هذه الأشياء خصوصاً أني أعمل على أكثر من لابتوب، في العمل وفي البيت، وما أكثر ما تغيرت الأجهزة. قبل أن أظهر أي تعبير عن حيرتي وترددي أجبته مباشرةً بعدم معرفتي لنوع الجهاز، استغرب ذلك فعاد ليسألني عن لونه. لا أذكر بالضبط أهو أسود أم رمادي. لم أجب، لكني قلت له:

ـ إذا كان الجهاز موجوداً أستطيع أن أفتحه أمامك فهو مقفل، احتفظ بباسوورد الجهاز.. وتستطيع ملاحظة صورتي مع زوجتي على واجهته.

انحنى تحت الطاولة التي أمامه، حانت مني التفاتة إلى أسفل الطاولة كان هناك أكثر من جهاز، يبدو أني لست الوحيد المتورط بالنسيان. أشرت له، وقد بدت عليّ ملامح السرور بالعثور على اللابتوب، إلى الجهاز، سحبه ووضعه على طاولة جانبية وطلب مني فتحه، ففعلت، حتى إذا ما اشتغل اللابتوب حدّق فيَّ وفي الصورة، ثم ناولني الجهاز وهو يبتسم ويقول:

ـ لا تستحق أن تخسر اللابتوب، لا تستحق أن تخسر هذه الصورة الجميلة وذكرياتها.. من النادر أن يحتفظ رجل بصورة زوجته على حاسبته الشخصية بعد هذا العمر.

ـ شكراً جزيلاً، أنا ممتن لكرمك.

ـ تمنياتي لكما بحياة سعيدة، وتمنيات بأيامٍ سعيدة في أمريكا.