صورتان للمكان.. بين مرقد السفير عثمان ومقهى الربيعي

355

سلمان كيوش/ 

الصورة الأولى

اهبطْ في سوق هرج الميدان. تعدَّ وكفة السبح والمحابس. أدنُ من نهاية السوق. هااا ماذا وجدت؟
بوّابة باللون الزيتوني على يسارك قطعت استرسال السير والمتعة مع الماضي والبساطة. يتصدّرها شرطي مسلح يتولّى إجراءات التفتيش والتحديق في العيون والنوايا. أنا وأنت متّهمان بحبّ الحياة وعدم التأقلم مع الخيبات بسهولة. لذا اعذرْ فظاظته المتوقّعة ما دام ثمة من يتربّص بالحياة ليفجّرها، مع أن المكان لا يضم سوى رفات قدّيس مسالم.

البوّابة، بلونها ووقعها لا تنتمي للمكان. هي طارئة بصلابتها ونافلة مع هارموني البساطة والجدران البالية المتداعية. أجزمُ أن السفير الأوّل للإمام المنقذ لم يشأها. وإن كان لا بدّ منها بسبب شيوع الموت العبثي، فمن المؤكّد أن لديه اعتراضات كبيرة على قبح تنفيذها. لم يشفع لها اسم الله العظيم والآية الكريمة ولا الأسماء المطهّرة التي علتها لأنها أدّت مهمّة واحدة هي الحجز والإعاقة والقطع، وكأنّ ما يليها ليس الصلاة والدعاء.

تصلح هذه البوّابة بطقوس عبورها، من وجهة نظر المكان بكلِّ ما فيه، لأن تكون بداية لسجن أو منفى.

وُسّعَ مرقدُ السفير عثمان بن سعيد على حساب ما حوله من محال تصليح الساعات التي يعود تاريخ افتتاحها إلى الثلاثينات من القرن العشرين. كانت تكمّله بطريقة ما. جهةٌ ما دفعت مبلغاً تافهاً بلغة الأرقام الحالية لأصحاب المحال وشحتتهم، وبذلك منحتهم فرصةَ التقدّم السريع في السنّ والخيبة.

عثمان بن سعيد، الذي دلّل المكان من حوله وأحاطه بهالة حبٍّ كبيرة، مسوّرٌ الآن بصبّات عاليات وبوّابات، كلُّ مسوّغاتها أن آياتٍ كريماتٍ تصدّرتها، لاذ من كتبها بالصمت واكتفى به.

الصورة الثانية….

قبل السقوط الذي لا تاريخ محدّداً له، لكن الناس اتفقوا جزافاً على أنه بعد 2003، حدّثَ خبير الأصوات والمقامات العراقية عبد المجيد الربيعي نفسَه وهو يطوف في أرجاء الميدان:
الميدان أكثر من مكان، لأن الجغرافيا جزء صغير من ذاكرته، وهو أقلّ من سعادة مرجوّة بدت مستحيلة فيه. فيه شيء يتحدّى الحواس ويجبرها على إعادة النظر بقوانين الجمال. هو جنّة من نوع ما تشدّ إليها معطوبي النفوس والأحلام والذين غزتهم القناعة أن الوجود مزحة سمجة، أو أنه شيء غير قابل للتصديق، وإلاّ لماذا هذا الإصرار على مقارعته للطروء العمراني حتى بدا كأنه حلم قديم تعود بدايات النوم فيه إلى لحظة الشروع ببناء بغداد؟

الدلالة غزيرة في الميدان، كأنه مرايا تؤدي أكثر من وظيفة، فهي تُري الناس الضامر المخبوء في نفوسهم. وللكلاب والقطط السائبة فيه مهارات إقناع المارّة بالتعاطف معها. الميدان أوّل من يلعقَ جراح الحروب وأوّل من ينتحب لها. للمزاج فيه من ألوان الاكتئاب ودرجاته عددُ منعطفاته وفضاءاته. مكان يغفو مبكّراً ولا يستيقظ إلا ضحىً كي يبيح للشاذّين والسكارى والمدمنين من كلّ لونٍ التمتّع بوقت معزول لا يراهم فيه أحد ولا يرون إلا بعضهم.
في هذا المكان، في نهاية سوق هرج تحديداً، قرّر الربيعي افتتاح مقهاه. تعمّد أن تكون على الضفة الأخرى من الدربونة الضيّقة التي ضمّت رفات الطهر والقداسة.

صغيرة بأبعادها، واسعة كروح ناسك أو عاشق. هكذا تمنّاها الربيعي. فعلّق على جدرانها عشرات الصور لمطربين لا يمتلكون غير حسن نيّتهم وأصواتهم التي أرادوها حبوب أسبرين لتسكين الصداع الوجودي لرؤوس مستمعيهم. زبائنها لا يزيدون في وقت الاكتظاظ على عشرة، بيد أنهم كافون ليكونوا عيّنة للناس جميعاً في قدرتهم على التفريق بين قبح الضلال وجمال قداسة المعنى. رائعون في قدرتهم على وضع اليد على الجرح وتطبيبه من دون أن يلجموه. ففي وقت هم منتشون ومعزولون عمّا يحيطهم على وقع صوت داخل أو حضيري أو الكبنجي، ثم في وقت آخر يمارسون الانتشاء نفسه حين يدعوهم مؤذّن عثمان بن سعيد إلى الصلاة. في الضفة اليمنى للدربونة ثمة مسجّل كروندك ألماني كبير قديم يبثّ قراءات قرآنية لعبد الستار الطيّار أو محمود عبدالوهاب، وفي الضفة الأخرى تجد المسجّل نفسه لكنّه يبث غناءً لم يعترض عليه المارّون في الدربونة التي تشبه نهراً وزّع خيره العميم على ضفتيه بالعدل.

المطربون الذين التقط الربيعي صوراً مع معظمهم لا يسخرون من أحد أو شيء، ولا يعيبون على أحد شيئاً، والربيعي يعرف هذا حدّ اليقين، ويعرف أيضا أن قضيتهم هي الجمال وكيفيّة صنعه، وهم في هذا يشبهون السفير، ولعلّهم اقتدوا به. أناس حريصون على الصدق مع الناس وأنفسهم فغدوا مطربين، أو لأنهم مطربون حرصوا على الصدق، وإلاّ ما كان الربيعي يجرؤ على مجاورة السفير الأوّل الذي ينتمي إليه كما انتمى إليه كلّ من علّقَ صورهم على جدران مقهاه.

دربونة مفتوحة على كل الجهات والاحتمالات إلا الكراهية. لم يجبر السفير الأوّل فيها أحداً على تغيير قناعاته، لذا تجد مرقده مبنياً بنفس الطابوق والجص الذي بُني به ما حوله. لم يزد عليها في شيء سوى بالبخور الذي يلائم رائحة نواياه الطيّبة مع الناس جميعاً.

ثمة أُلفة متأتّية من توزيع منتظم هادئ غير مقصود لأدوار الناس والأشياء والجدران المطلّة على الدربونة التي تفضي إلى ما هو أرحب دائماً. أُلفة تستحضرها المسافة القصيرة جداً بين المرقد والمقهى. أُلفة في التناوبِ الصوتي اليومي المبالغ في جماله، لم يدّعِ أحد نشوزه أو شذوذه.

الله، هي الكلمة التي يردّدها المنصتون بانتشاء في المقهى والعابرون الطارئون من أمامها على أثر أنّةٍ أو زفرةٍ أو آهةٍ يصدرها الكروندك على لسان أحد الصادقين في نواياهم من المطربين، هي نفسها التي سيردّدها هؤلاء المنتشون في مرقد السفير الأوّل بعد أن يسرفنوا أردانهم ويتوضّأوا.

غاب المقهى وحلّت الحدود الصلدة بين الدين وما سواه، وتجزّأ الجمال الموحّد في الدربونة وباتت كلمة الحرام ومشتقاتها أكثر طرقاً للسمع من مشتقات الحلال الأوسع بالضرورة.

***

أيها الموغلون بتفتيت الجمال وتشظيته، في الأقلّ غيّروا اللون الزيتوني للبوابة التي قطعت دربونة الألفة، فسمعة الزيتوني سيئة في الذاكرة العراقية؟!!