طارات النجف موئل تاريخ طالته جرَّافات الفساد

98

#خليك_بالبيت

يوسف المحمداوي /

الطبيعة معرض كبير للوحات مختلفة من آيات الجمال بعضها خطته فرشاة ربانية، وأخرى بريشة بشرية أنعم الله عليها بالموهبة لتجود علينا بالدهشة والسحر، ومع نعمة هذا السخاء يجب علينا كبقية شعوب العالم أن نرد دين الكرم الرباني أو البشري بصيانتها والمحافظة عليها لا بإهمالها وضياعها ومن ثم البكاء على إطلالها لنصبح كالقاتل الذي يسير وراء جنازة ضحيته، ظنّا منه بأن التأريخ والناس ستنطلي عليهما دموع التماسيح التي ذرفها.
اللوفر وحمورابي
أتذكر حين زرت متحف اللوفر في باريس وبالتحديد القاعات الثلاث المخصَّصة لآثار بلدي، كان برفقتي صديق عراقي ومن انبهاره ودهشته وعشقه لما يرى من رقم ونصب ولوحات ونقوشات تدوّن ذلك التاريخ البهي وقف شبه المصدوم أمام مسلة حمورابي العظيم، وهو يقول: “لماذا لا تطالب حكومتنا بالمسلة فهي ملك بلدي وتأريخ حضارته ومؤرشف أول قوانين العالم”، فأجبته بمرارة وألم: “ياصديقي ستنهب ويبيعها الفاسدون لأعداء الحضارة وأمراء الظلام، فهي اليوم ملك للبشرية جمعاء وهنا المكان الملائم لتستمتع عيون وقلوب الجميع بوجودها في مكان يليق بمكانتها وقيمتها التأريخية”.
طارات النجف والجرّافات
وربطت حديثي معه بمستوى الإهمال التي تعانيه العديد من المرافق السياحية التي تملأ البلد عرضا وطولا، والحديث عن جميعها يطول ولا يمكن تدوينه بهذه الحكاية الواحدة والمتواضعة التي سأتناول فيها ما نشرته مواقع التواصل الاجتماعي قبل مدة زمنية عن موضوعة طارات النجف التي قامت بعض الأطراف بالتجاوز على تلك الطارات بتجريفها وبيعها للمواطنين كقطع أراض سكنية بل إن البعض سكنها.
ما دعاني إلى الكتابة والبحث في موضوعة الطار هو خبر نشره الدكتور علي النشمي على صفحته الشخصية وتناولته العديد من الوسائل الإعلامية، يقول فيه: “إنّ أهل النجف الشرفاء يتّصلون بشأن هدم أعظم آثار النجف وهي (طارات النجف) التي عمرها أربعة آلاف عام”، موضّحا أنّها “كهوف نادرة على شكل غرف لا أحد يعرف من بناها ولماذا؟ وهي آلاف الغرف يقوم البعض الآن بهدمها من خلال البلدوزر”.
نحن والدواعش
وقال النشمي بما معناه: إنّ الجرّافات ازدادت على الرغم من مناشدات الأهالي للحكومة المحلية بالتحرك لحماية هذه الآثار السياحية المهمة ولكن لا استجابة لمناشداتهم.
وهذا الأمر وعدم الاستجابة لأي مناشدة أصبح من الظواهر الشائعة في البلاد، والكثير من مرافقنا السياحية هي في ذمة الإهمال أو الاندثار، والأدهى من ذلك نحن نبكي على مرافقنا وآثارنا السياحية التي دمّرتها أو سرقتها عصابات داعش الاجرامية، في الوقت الذي نحن فيه نمارس نفس الفعل ومن دون رادع أو محاسب لمن يقدم على ذلك.
يذكر أنّ الطارات وبحسب ما بيّنته الأبحاث والوسائل الإعلامية هي الأراضي المرتفعة التي تطلّ على أراض منخفضة جدّاً، وقد استخدمت الكهوف الموجودة في هذه الطارات سكنا للناس في الزمن البعيد كما استخدمها النساك والرهبان للتعبد، حيث توجد بعض الكنائس والأديرة في منطقة الدكاكين شمال مدينة النجف تعود للقرن الرابع الميلادي.
ما معنى الطار؟
يقول عنها الكاتب رشد رؤوف قسّام: “لقد قرأت عن الطارات في عدّة مراجع الا أنّ كتاب السيد جعفر موسى العطية الموسوم بـ(أرض النجف.. التاريخ والتراث الجيولوجي) قد ذكر فيه عن الطار ما يلي: (الطار هو ظاهرة من مظاهر النجف الجيولوجية وتشكّل الطارات الأطراف الجنوبية والغربية لهضبة النجف، إذ تنقطع الهضبة بصورة حادّة لتشكّل جرفا صخريا بارزا يطل على الطرف الجنوبي من هضبة النجف على بحر النجف ويشكّل ما يعرف بطار النجف)”.
ويبيّن قسّام “أنَّ المفهوم المحلي الذي عبّر عن هذه الظاهرة بالطار هو تعبير دقيق لوصف هذه الظاهرة الجيومورفولوجية وأنَّ كلمة الطار هي كلمة عربية فصيحة محوّرة من الطور وجمعه أطوار وهو ما كان على حدّ الشيء كما ورد في معاجم اللغة العربية أو ربّما تكون محوّرة من كلمة طُر (بضم الطاء) وجمعها (أطرار) ويعني الطرف وكما يقال (هو يحمي أطرار البلاد)، أي أطرافها والطرّة هي طرف الشيء، لذلك فإنَّ استخدام النجفيين لهذه التسمية التي أطلقوها على الأطراف الغربية والجنوبية لهضبة النجف هي تسمية دقيقة تفيد معناها”.
نواويس النجف
وتعرف طارات النجف بالنواويس أيضا ومفردها ناووس وقد أشار اليها سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) وهو في المدينة المنورة وهو يتنبّأ بواقعة الطف في كربلاء إذ قال: (وكأني بأشلائي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء).. والنواويس في اللغة هي مقبرة النصارى.. حجر منقور تجعل فيه جثّة الميت، (كما ورد في منجد اللغة) أن الطار ظاهرة جيولوجية.
ويحيط بهضبة النجف وامتداداتها نحو كربلاء (هضبة النجف – كربلاء) طاران، الأول هو طار النجف الذي يحيط بها من جهتها الجنوبية والغربية ويقطعها باستقامة خطية تقريبا ويبلغ طوله 65كم وأنّ أعلى نقطة ارتفاع لطار النجف تبلغ نحو 133متراً وهناك نقطة عند التقائه بالطار الثاني وهو طار السيد، إذ يبلغ ارتفاعه 176متراً، ولكن بشكل عام فإنَّ ارتفاع الطار في النجف يبلغ نحو 100 متر عن سطح البحر كما يقول قسّام.
آثارنا تستنجد ولا من مغيث
بحسب تقارير البعثات الأجنبية ومنها اليابانية التي يقودها البروفيسور هيدو فوجي رئيس البعثة الآثارية اليابانية في العراق ورئيس بعثة التنقيبات في كهوف الطار، التي زارت تلك الطارات سواء بالنجف أو كربلاء، أكدت أنّ في داخلها كهوفا للسكن وأخرى للدفن بلغت بما يقارب (400) كهف وقبر، وكلّها من صنع الأقوام التي عاشت فيها تلك الفترة، مبينة أنّ تلك الطارات استخدمت أيضاً كملاجئ للإنسان من الكوارث الطبيعية كالفيضانات وغيرها، ووسيلة دفاع عن المناطق المأهولة أثناء الحروب.
يا لقساوتنا وجحد قلوبنا وضحالة ضمائرنا، لأنّ القلعة التي كانت تحمينا نحن البشر من الكوارث والحروب هي اليوم تستنجد منا، بعد أن طالتها معاول وجرّافات الفساد أمام الجميع لتلحق بما دمّر من حضاراتنا وشواخصها وكأنّ التغيير جاء لتدميرها لا لتطويرها.