طرائف رمضانية

288

#خليك_بالبيت

يوسف المحمداوي /

ما أحوجنا اليوم كعراقيين للفرحة التي تولد من رحم سعادة نعيشها لحظة ما، لا سيما أنّنا كشعب ركننا الدهرُ في خانة النكبات والأزمات، وكأنّ كلّ عراقي ينشد مع الماغوط “الفرح ليس مهنتي”، على الرغم من ذلك نحن شعب عشق الطرفة وتناقلها، تجدها حاضرةً في مجالسنا بل تتناقلها بعض الألسن حتى في مآتمنا لتزرع الفرحة في قلوب أهل العزاء وتخفّف ألم فراق أحبتهم عنهم، إيماناً من أصحاب الطرفة أنّ الفرح ينتقل بالعدوى كما هو فايروس كورونا أبعدنا وأبعدكم الله عن شرِّه ونشر في قلوب العراقيين السعادة والسلام والمحبة.
ولشهر رمضان الكريم عند العرب والعراقيين طقوسٌ خاصّة، بعضها يتّصل بالعبادة التي تمنح الصائم الإيمان والصبر، والبعض الآخر يتعلّق بوسائل الترفيه التي تمارس في هذا الشهر الفضيل، كأغاني الاطفال وهذا ما وجدته بصورة واسعة في الطقوس الرمضانية في مصر الشقيقة، وكذلك لعبة المحيبس التي يشتهر بها بلدنا عن سائر بلدان العالم، والتراث العربي زاخرٌ بالنوادر التي من شأنها منح الراحة والطمأنينة للمؤمن الصائم من دون الإساءة لقدسية هذا الشهر العظيم.
من تلك الطرائف جاء رجلٌ يوما إلى فقيهٍ للفتوى في شهر رمضان، فقال له: لقد أفطرت يوما بعذر؟ فأجابه الفقيه: اقضِ يوما؟ قال الرجل: قضيت وأتيت أهلي وقد صنعوا أكلة أشتهيها، فامتدت يدي إليها وأكلت منها. قال الفقيه: اقضِ يوما آخر. قال الرجل: قضيت وأتيت أهلي وقد صنعوا طعاما لذيذا فسبقتني يدي إليه وأكلت منه. فقال الفقيه للرجل: الرأي أنّك لا تصوم إلا ويدك مغلولة إلى عنقك!
ومن الروايات أنَّه ضاع لأحدهم حمارٌ فنذر أن يصوم ثلاثة أيام إن وجد الحمار، وبعد فترة من الزمن وجد حماره فأوفى بنذره وصام الثلاثة أيام وما إن أكمل الصيام حتى مات الحمار، فقال: لأخصمنها من شهر رمضان القادم .

للشعراء صولتهم في هذا الميدان وكما عوّدنا أبو نواس أن يكون سبّاقا في هذا الجانب وأبياته في ذم البخلاء وأولهم الوزير العباسي الفضل وحاله حين يطرق بابه ضيف أو سائل، حيث يقول:
رأيتُ الفضلَ مكتئباً ….. يناغي الخبز والسمكا
فأسبلَ دمعَـه لمـا ….. رآنـي قادمـاً وبكى
فلمـا أن حلفتُ لـه ….. بأني صائـمٌ ضحكا
وما جاء في كتاب الثعالبي “يتيمة الدهر” أنّ أحد الشعراء العاشقين ناجى حبيبته في شهر رمضان قائلاً:
راسلتُ مَن أهواهُ أطلبُ زورةً …. فأجابني: أولستَ في رمضانِ؟
فأجبتُه والقلب يخفق صَبوَة … أتصوم عن برٍّ وعن إحسانِ؟
صُمْ إن أردتَ تعفّفاً وتحرّجاً…عن أن تكِدَ الصبّ بالهجرانِ
أو لا، فزرني والظلام مُجللٌ… واحسبهُ يوماً مرَّ مِن شعبانِ
وأدرك الشاعر العباسي ابن الرومي الصيام في شهر (آب) فصامه، لكنّه عانى كثيرا من شدّة العطش والجوع، فقال واصفا ما تكبّده:
شَهْرُ الصّيامِ مُبَارَكٌ …. ما لم يَكُنْ في شَهْرِ آبْ
خِفْتُ العَذَابَ فَصُمْتُهُ … فَوَقَعْتُ في نَفْسِ العَذَابْ
ويحفل التراث بطرائف الحمقى، ومن هذا في الصيام: (قيل لبعض الحمقى كيف صنعتم في رمضان؟ فأجابوا: اجتمعنا ثلاثين رجلاً فصمناه يوماً واحداً).
ونختم حديثنا بهذه الرواية التي فيها شيخ القرية ينوب عن أهل قريته في الصيام، حيث يروى أن صائما دخل قرية في رمضان، فرأى كل من فيها يأكلون نهاراً. استغرب الأمر، وقال لهم: أما عندكم رمضان؟!
قالوا: بلى، ولكن شيخنا يصوم عنا.
فذهب إلى دار الشيخ مستغربا ومستفسرا، ودخل وكان الوقت نهاراً، فرأى أمام الشيخ سفرة طولها كذا ذراع، وعليها ما لذَّ وطاب من المآكل، والشيخ يلوك الطعام، فقال: شيخي، علمت أنّك تصوم عن أهل البلد؟!… فردّ الشيخ قائلاً: يا جاهل، من يصوم عن أهل بلد، أَلاَ يحق له أن يتسحّر مرّة كلّ نصف ساعة؟
جنّب الله العراقيين جميعا والعالم بأكمله ما يمرّ بنا من قلق وحزن من هذا الوباء المعدي وأشاع الله في قلوبهم الفرح والسلامة بهذا الشهر العظيم، إنّه سميع مجيب.