عباس كيارستمي تلويحة اخيرة

51

#خليك_بالبيت

مقداد عبد الرضا /

سؤال : لمَ لا توجد قنوات تهتم بالفيلم الوثائقي؟ أعني الوثائقي بمفهومه الدقيق والمحترف، وأعني أن ينشغل المخرج مع الفكرة؟ يتولى ابتكارها أولاً ثم البحث وبعده كتابة الملخص، ثم التصوير وبعده كتابة المادة إن كان هناك تعليقٌ عليها.
قبل أيام شاهدت فيلماً عن شخص يذهب إلى حارة اليهود في مصر يبحث عن مؤلفات أخيه الموسيقية, كان الفيلم محبوكاً بدقّة, لو كان لدينا اهتمام بالفيلم الوثائقي المحترف لشكّلنا مؤسسة مستقلة للعمل عليه، فالبلاد تتعثر بالمواضيع.
طوال تاريخ السينما في إيران (المستقلة التي لا تخضع لاشتراطات الفكرة) نلاحظ أن هناك اثنين يمكن القول عنهما أنهما صانعا سينما حقيقيان, صانعا فيلم يدخل في الهمّ الإنساني بعمق وذكاء، ويحمل دلالات إنسانية تطرح قضية الإنسان وهمومه في هذا العالم المتأرجح. الاثنان هما عباس كيا رستمي الذي رحل عن عالمنا عام 2016 في باريس, وكان اشتغاله الأخير هو هذا الفيلم الذي نتحدث عنه الآن (24 إطار), أما الثاني فهو أصغر فرهادي الذي استطاع أن ينتزع جائزتي أوسكار لأفضل فيلم أجنبي عن فيلم (انفصال نادر وسيمين) عام 2011 وفيلم (البائع) المأخوذ عن مسرحية آرثر ميللر (موت بائع متجول) عام 2016, لكن فيلمه الأخير لم يحظ باستقبال طيب لأنه ببساطة خرج إلى اللعبة العالمية دون مسِّ الأساس, الأساس أعني به همّ الفرد الإيراني والقضايا التي تشغله, همومه واحتجاجه.
نفس اللعبة، كما ذكرنا سابقاً، فعلها كيا رستمي حينما ترك رقعة ألم بلاده وانشغل بالتناص مع مشاكل العالم, كان بالإمكان أن يشترك معهما محسن مخملباف، لكنه انشغل بقضايا بسيطة أبعدته عن العمق، وظل المخرج جعفر بناهي محاصراً في منزله وتحت الإقامة الجبرية لأنه مشاكس ويفضح الخراب, كيف لا وهو الذي استطاع أن يراوغ الإقامة الجبرية ويقدم لنا فيلماً بسيطاً وكبيراً في الاحتجاج (تكسي طهران) من بطولته، إذ استأجر سيارة أجرة يقودها هو ويطلعنا على احتجاج الناس وكيف تكون حياتهم. فاز الفيلم بجائرة برلين الكبرى وجائزة النقاد, لم يكن موجوداً حينما أعلن عن الجائزة فقامت ابنته وتسلمتها وكان تعبيراً رائعاً في الاحتجاج.
من الذي يعرف متى يدق ناقوس الحب؟
ومن يعرف من المسبّب في هذا الدق؟
لكن ربما في يوم ما ومكان ما سيعلن ظهوره بهدوء
سيقفز خفية بين الأضلاع, بين الأفكار, داخل الروح
دفعة واحد ستفاجأ به
يتغلب عليك
الحب دفق من اللذة وقليل من الألم
حينما يزول الألم وتزول اللذة يظل الحب متألقاً في الروح
يظل خالداً لا يموت .
هو ذا مكوّن الإطار السادس, الطبيعة هي التي تتحرك, تتراقص على غناء أوبرالي حميم, الإطار ثابت هو شباك الغرفة المطلة على حركة أشجار تتراقص برويّة وهدوء, وكأن المخرج يريد أن يقول لنا إننا نرحل بعيداً بتشييع عذب من الطبيعة, الطبيعة التي تحنو أحياناً، وأحياناً أخرى تتمرد فتعصف بنا لأننا نكون في كثير من المرات أشراراً. الإطار السابع هو البحر وفيه تضيق المراكب ويضيق سرير المحبة، تلك التي أعلنها يوماً ما الشاعر سان جون بيرس في قصيدة البحر, لكن ألا يمكن للسرير أن يتسع قليلاً؟ فوق السياج المقابل للبحر الغاضب والسماء الملبّدة تتكون الألفة, المحبة, النوارس تعلن عن وجودها بخفّة بخطوات واثقة, أمام العناق, أمام القُبل يهطل المطر, يتراقص بمحبة بتوتر وألق.
في الإطار الثامن يصر كيا رستمي على استضافة البحر، ربما سحر التكوين هو الذي دعاه إلى هذا التكرار, سياج حجري وأعمدة تنتصب بنسق أخّاذ وصراخ النوارس الذي يجلب السعادة والبحث في وقت واحد, الصراخ الذي يدفع بنا عادة للسؤال, السؤال الأزلي, لمَ؟ تستقر خلف سياج والبحر منشغل بالوداد والألفة. وخلال كوّة عند تلّة صغيرة في البراري يعلن ملك الغابة عن حبّه للملكة, يصرّ كيا رستمي على المطر.
في الإطار العاشر العاصفة تعلن عن اجتياحها, الثلج يغطي حدقة العين, كلب الحراسة لا يني يتطلع بخمول بين الحين والآخر, تعوي الذئاب فيزول الأمان وتظل الشجرة منتصبة لا يقاومها أحد, لأول مرة تحدّق الكاميرا من خلال شباك البيت, صوت البيانو يعوّض عن صوت الطبيعة العاصف, نهدأ قليلاً فالطير عند شباك الغرفة يعلن عن وجوده, لعلّه الربيع, اللون الأخضر يعلن عن ذلك (للمرة الأولى يدخل اللون), صوت امرأة تشدو:
يا ماريا أيتها المتسامحة
ننصت إلى صلواتك التي لا يمكن سماعها في البرية
يمكنها أن تنقذنا من اليأس
الآن يمكننا النوم بسلام وهدوء تحت حماك ورعايتك
على الرغم من كوننا منبوذين وقساة
أيتها العذراء
استمعي لصلواتنا
يا أمنا
أنصتي لطفل يرقد بسلام فوق السرير المريح
في كهف كثيف الهواء وطيب
ريح البلسم
يا عذراء هذه صلواتنا.. اقبليها
هذا الجو الحميم والترتيل المقدس يعلن فيه كيا رستمي عن بدء الربيع، لعله يقول لنا غنّوا إذا جاء الربيع واحكوا حكايا إن حلَّ الشتاء, الحمام يحلّق وهديله يشعرنا بالأمان. في الإطار الثالث عشر يتكرر مشهد البحر وصياح النوارس, إنه تكرار لكنه تكرار محسوب بدقة، فالعين لا تخطئ أية حركة تقوم بها الكاميرا, أحياناً التكرار يدفع بنا إلى الاستقرار, من خلال كوّة صغيرة مطلة على الشارع تصور لنا العدسة الصراع، أو الفزع الأبدي بين الإنسان وماكنته المخيفة وبين الألفة, ألفة الحمام الذي يريد أن يؤسس له مكاناً لكن هيهات, فالإنسان مجبول على الشر, الحمام ينقر طعامه، لكن حديد الإنسان يدخل ويزيح بقسوة رفيف الحمام, فوق الجسر وقف ستة أشخاص يتطلعون في البعيد, أشخاص غلفتهم الكهولة, الناس يمرون دون اكتراث دون وشيجة, هل هو اندحار التأمل وحضور العجلة والفوضى؟ يمر الزمن، تمر الأزمان, يهطل الثلج، تمر الفتاة ذات القبعة لكن هيهات، فلقد حلّ زمن وأزاح أزماناً, عادة ما يكون الإنسان السليم منفياً, إلى أين يلتجئ؟ إلى البحر، حيث السكون والحمام والطبيعة الرؤوم, الزورق يتراقص، الحمام يلوذ ببيوت نخرها الهجران تنتصب بقلق, في بقية الإطارات يكاد المشهد يتكرر, مشهد الطبيعة والصراع بينها وبين مكوناتها, لكنه صراع من أجل الخلق, تبدل الأزمان كفيل بالموت والحياة, إننا أمام إطارات غلّفها لنا المخرج كيا رستمي بإطارات غاية في الدقة والمحبة والاحتجاج معاً.