عباس كيارستمي تلويحة اخيرة

90

#خليك_بالبيت

مقداد عبد الرضا /

هل نقول الحمد لله لقد خلق لنا الغرب وبعث لنا جهاز الموبايل الذي بات يعوضنا عن الكاميرا الفوتغرافية وحتى السينمائية, هل نقول الحمدلله ونصمت، ان نحمل هذا الجهاز الذي يحمل وجهين, وجه التراخي والكسل والبحث عن ماهو مائع ومتدني ووجه يجعلنا نتسابق في تحريكه لألق مهم نصور به مايدور في شارعنا الملتهب, شارعنا الذي لايشبه اى شارع في العالم من حيث الاحتدام والقصص التي تغري اى مخيلة لتذهب وتصنع اكثر من 24 اطارا لتتفوق على اطارات كيارستمي. اين ؟
ليس من السهولة بمكان ان نتخيل حلما او مشهدا يمكن اللعب عليه مثلما نجده في لغة السينما, المخيلة هي الساحة التي تتراقص وتحلق بنا الى مديات قصية لايمكن حصرها, لناخذ مثلا اطارا ونضع فيه جوا شتويا حيث السماء تنث الثلج وهناك غزال يتأمل امه الرؤوم الطبيعة ويرعى بأمان تام, ثم نسمع نعيق غراب وموسيقى ترقب دلالة على اقتراب فزع ما, هنا بامكانك ان تصف المشهد بقصيدة صغيرة كالومضة, لكن يرتبك هذا الخيال حينما تنطلق رصاصة وتستقر في قلب الغزال اجمل مخلوقات الطبيعة ويموت, لك ان تتصور وتذهب بعيدا وتحمل معك الكثير من الاسئلة, من قتل الغزال ولم وكيف وماهي النوايا في هذا القتل؟ فجاة يرتبك غزل مشاعرك ويتوقف خيالك عند مشهد الدم, لايمكن للدم ان يعادل ذلك التامل الحميم للغزال, هنا تحظرني قصيدة للشاعر الاذاري رسول رضا عن غزال اطلق عليه صياد رصاصة فاصابته في مقتل, راح الغزال يترنح حتى وصل الى بركة ماء وهو مدمى, اراد ان يشرب فنق له ضفدع واخذ يرثيه بكلمات جد حزينة, اللعنة اللعنة عليك ايها الصياد, كيف جرحت الغزال اجمل مخلوقات الطبيعة, لقد غطى دم لغزال البركة وبينما هو يتوجه الى الموت صرخ صرخته الاخيرة, آه ماكان الرصاص ليقتلني لكن نقيق الضفادع رثاءا لحالي اصاب مني مقتلا, هذا هو الاطار الخامس ضمن 24 اطارا انجزها المخرج الايراني عباس كيارستمي قبل ان يرحل بعيدا بعام واحد, هنا يحاول كيارستمي ان يحيلنا الى اللوحة, الى ذلك الزمان الذي كان فيه المرء يجلس لساعات امامها يتامل مافيها من لون وسطح وعمق واطار, هناك حينما كان للحياة فسحة من التامل, لم يكن الوقت يحسب على عدد الساعات بل تعاقب الليل والنهار, يلتقي العالم نهارا ويجد ويسعى ثم يذهب الى الحلم ليلا, هاهو يفتح اعيننا باتساع على لوحة هي الوحيدة التي ستكون متحركة عن بقية الاطارات ال23, تلك اللوحة التي ابدعها في العام 1565 بيتر بروكل ( هو الاطار الاول والوحيد الملون والبقية بالابيض والاسود ), تتحرك ببطء شديد وساحر, تذكرنا بمشهد الحانة الذي رسمه المخرج اندرية تاركوفسكي في فيلمة الفذ ستالكر او الدليل, اشخاص ثلاثة يناقشون فكرة رحلتهم الى تلك الغرفة التي تحقق لهم مايتمنوه, اللقطة عامة, لكن الشعر الذي يكمن في راس تاركوفسكي استطاع ان يغشي عيوننا ويحولها بحركة بطيئة جدا من حركة الكاميرا الى لطقة قريبة, نتكشف ذلك مؤخرا ونعيد المشهد مرة اخرى فيتكرر سحر الحركة مرة اخرى, هو السحر هو الفن الذي لايعرفه الا من تدربت عينه على اعمال تاركوفسكي, عند كيارستمي يتكرر الحال, بالكاد نحلاظ حركة اللوحة, الدقة المرسومة باحتراف عال, هم مجموعة من الرجال داخل غابة ومعهم كلابهم وبعض الماشية, يؤكد المخرج على وجود البقر في اغلب الاطارات, لعلها تحية كبيرة للمخرج داريوش مهيرجوي الذي اخرج فيلم البقرة في العام 1969 والذي يعتبر طفرة كبيرة في افلام الموجة الجديدة في ايران ابان فترة ستينيات القرن الماضي, المجموعة تمشي الى النار, هو الجحيم اذا او لعله احتجاج على فك الوصال بين الانسان واخيه الانسان, كان الجميع يتدفأ بالعناق ويتدثر به داخل الكهف, وحينما اكتشف النار بدا اول ابتعاد بين الانسان واخيه, الدخان يتصاعد مثل اصبع مبتور يضفي على اللوحة السحر والبهاء, لايزال هناك في البعيد مجموعة تلهوا بالرقص على الجليد, اى هارموني عذب, الجليد نكاية بالنار, لكنه جليد موحش, تبدأ اللوحة بالتحرك, الدخان يتصاعد والثلج ينهمر, الكلب كاعدته يحرس القطيع لكنه احيانا يرفع ساقه ويتبول وترتفع الغربان ملحقة ربما تنبىء بان الوحشة قادمة في بقية اللوحات, كل هذه البداية يشدنا فيها كيارستمي كي نتابع بقيةالاطارات التي انجزها بالابيض والاسود, يمنحنا استقلالية كبيرة في الخلق او التفسير, خلق جونا نحن النظارة, كيف سنرى كل الذي سياتي؟هذا الجو الحميم والقاتل معا, هل هي الرغبة في العودة الى ذلك الجو الصافي كعين الوز الذي دمره الانسان بفكرة الاستحواذ ام انها نوستالجيا التي تعن علينا بين الحين والاخر ؟لابد لنا ان نعرف اولا ان اغلب الذين رفعوا اعلام بلادهم من خلال السينما كانت بدايتهم في فضول تلك العين الصغيرة التي تنفتح على العالم بهدوء ودقة ولحظة ان سرقت منك عليك ان تطوح بها بعيدا وترحل عنها واعني كاميرا الفوتغراف, لناخذ مثلا المخرج البارع التركي نوري بيلج كيلان صاحب تلك الهمسة العذبة في تصوير الحياة ومعاناة الانسان في هذا العالم المضطرب, لقد فتح له مهرجان كان ذارعاه من اول قدوم له وهو يحمل فيلمه الاثير نظرة 2002وحصل على الجائزة الكبرة للمهرجان ليعاود مرة اخرى ويحص عليها عن فيلم سبت شتوي 2014 وهو اصلا مهندس معماري, كيلان يذكرنا ببحر تشيخوف الهادىء من السطح والمحتدم في الاعماق, كيارستمي هو الاخر كان مصورا فوتغرافيا وهذا يعني ان الفضول ديدنه والخيال جزء من تركيبته الفذة, يوم ان التقى المخرج الكبير اكيرا كورساوا قال له انا انحني لقدرتك العظيمة في التعامل مع الاطفال بهذا السحر الكبير, كيف امكنك ذلك؟ ويقصد فليم اين منزل صديقي والبالون الابيض.