عبد الغني الملاح: يوم رأيت بارقة شيب تلألأت في شعري!

445

عبد الجبار خلف/

أوقفني الأستاذ عبد الغني الملاح (1920-2001) في يوم من أيام عام 1975، وهو يقول لي: كل يوم من عمر الانسان فريد في أحداثه وتجاربه لا شبيه له قبله ولا يتكرر فيما بعد، ثم اضاف: وان كان لابد لي من التوقف في محطة من هذه المسيرة، مسيرة الزمان والمكان، فإنني أذكر يوم الخميس الموافق 27 نيسان 1957، حين نظرت الى رأسي في المرآة فجابهتني بارقة شيب تسربت الى شعري، فابتسمت وعذرت أبا فراس الحمداني في قوله:

(رأيتُ الشيبَ لاحَ فقلتُ : أهلاً !

وودعتُ الغواية والشبابا

وَمَا إنْ شِبتُ من كِبَرٍ، وَلكِنْ,

رأيتُ منَ الأحبة ما أشابا )

وقد اختلف مع ابي فراس الحمداني في القاء المسؤولية على الأحبة وحتى اذا كان ذلك صحيحا كان عليه ان لا ينسى ان من النعم التي يتمتع بها الانسان التناسي او النسيان لكي يكون متفائلا دائما واحكامه غير متشائمة او مغلفة بالشكوى، ومن هذا أرى التفاؤل هو احد الثوابت لفهم الحياة في امسها وغدها، وأما التشاؤم فهو يزيد الحياة تعقيدا ويجعل الانسان قلقا في احكامه. واضاف: بعد هذه الخواطر ابتعدت عن المرآة، وتناولت كتيب (فلسفة من الصين) تأليف الفيلسوف الصيني (لين يوتانغ)، وأول ما قرأت منه قول (كونفوشيوس): (ليست الحقيقة هي التي تجعل الانسان عظيما ولكن الانسان هو الذي يجعل الحقيقة عظيمة)، تركت الكتاب جانبا واغمضت عينيّ لافكر بكلمة (العقل) وهل بقي لها معنى بعد التقدم الكبير الذي حدث في علم الفسلجة، فقد ارتبط العقل والعقلانية والتعقل والتعاقل بالسببية وسلامة الغدد في جسم الانسان، لانه اصبح من البديهي في الخلية الدماغية نتيجة للتفاعل الكيمياوي هي التي تصدر الأوامر بشكل شحنات كهربائية عبر الأعصاب بسرعة تسعين كم /بالثانية، وهذه الأوامر تصدرها بشكل (افعل ولا تفعل، قل ولا تقل، اكذب ولا تصدق او صدق ولا تكذب)، فتكون الاوامر رصينة فيما اذا كانت الغدد سليمة والعكس ايضا صحيح.

وتابع: في هذا اليوم.. رأيت ان ابقى في الدار، اتمتع ما بين القراءة والحديقة وربما الكتابة، اقول ربما.. لكنني اراني متفائلا، فقد علمتني التجارب ان المتفائل ترحب به الحياة والمتشائم ترفضه.

*عبد الغني الملاح: كاتب وسياسي وباحث وقاص، ولد في الموصل سنة 1920 وقيل 1927 وتوفى ببغداد سنة 2001. شغل الناس فترة ليست بالقصيرة حينما اصدر كتابه (المتنبي يسترد أباه) سنة 1975، وقد تابعه لسنوات حميد المطبعي، وصحبه في صفحة (الجذور في تاريخ العراق الحديث) في موسوعته الشهيرة.