عزاء ذويهم الوحيد تشوّهـــــــه «الفوضى»

660

 وائل حمد/

هرع المارة وانتشروا في الأزقة، فيما تناثرت جثث الأطفال وتطايرت عباءات النساء، وتدحرجت الحصى على أقدام الهاربين من هول الصوت.

دفع عصف الانفجار الشديد بسيارة ملغّمة أطرافاً بشرية للالتصاق بلوحة خشبية معلقة في الشارع المزدحم، يعيش داخلها «سعيد».

ومنذ سنوات «سعيد» لا يكبر، بينما يضيق عليه المربع الخشبي ذو الإطار الحديديّ، كلما صار اي انفجار ضربت الشظايا أطراف اللوحة.

الأسير داخل لوحته

بات «سعيد»، الأسير داخل لوحته التي صنعتها له والدته بعد أيام من استشهاده بانفجار شاحنة مفخخة في شرق بغداد، شاهداً على مناظر مروعة حدثت من 2006 حتى الآن.
وعلى طول عمود حديد يصل لمترين تسنده من الأسفل منصة كونكريتية تشبه القبر في شارع تجاري ببغداد الجديدة، كان جيران «سعيد» يتزايدون كلما دوّى انفجار قريب من المنطقة، أو استشهد أحدهم في معارك ضد «داعش»، إذ يعلق في لوحة قربه.

كان الشابّ الشهيد داخل اللوحة، قبل سنوات يخشى حظر التجوال حين يختفي المارة والمتبضعون هرباً إلى منازلهم قبل حلول الليل، وتبدأ دراما القتل والمواجهات بين الشرطة والأميركان ـ قبل انسحابهم نهاية 2011 – مع مسلحين ملثمين، لم يستطع آنذاك أن يرشد الجهات الأمنية إلى مكان العبوات والسيارات المفخخة التي يرى طريقة تفخيخها قبيل الفجر.
ولم تجد صرخاته نفعاً لتنبيه الجمهور المحتشد أمام متجر لبيع الملابس بينما مؤقت سيارة ملغومة خلفهم يصل إلى نقطة الانفجار.

كان «سعيد» يعجز طوال تلك السنوات، عن الإشارة إلى حاملي كواتم الصوت ومغتالي شرطة المرور، أو الإبلاغ عن مواكب بعض المسؤولين التي تعتدي على المواطنين وتستغل سلطتها للسرقة والقتل.
تلك المصائب، لم يعد يحمل ثقلها «سعيد» لوحده، منذ تزايد الشهود من حوله، وكثر عدد الشهداء في الشارع التجاريّ، وصاروا يتقاسمون الهموم.

كيف يتحدث الشهداء؟

ربما يقول «المغدور…» في عام 2007 ، لزملائه بأنه شاهد قاتله مرّ قبل أيام من أمامه، «لازال حراً طليقاً»، ليجيبه آخر «قد يكون هرب من السجن، سمعت كثيرا عن هذه الحوادث».

وقد يرى الأسرى في الصور كيف خطط الإرهابيون لعمليات انتحارية مدمرة مثلما حدث في مدن: الصدر، الحلة، المقدادية، الكرادة، وحريق الاطفال في مستشفى اليرموك.

هل تخيلتَ يوماً كيف يتحدث الشهداء المعلقة صورهم في الشوراع؟ هل تصورتَ يوماً ضحايا الإرهاب ينتقدون ما يجري في البلاد وهم معلقون على الأعمدة. هم أصدق الشهود، ولديهم تمييز كبير بين الصادق والكاذب، وبين البريء ومن تلطخت يده بدماء العراقيين. لكنْ هل بقيت الحال كما هي عليه أم أن في الأمر «مندسين»؟!

استيقظ المعلَقون داخل الصور في صباح أحد الأيام على ضجة كبيرة، حيث جيء بصورة كبيرة لشخص استشهد مؤخراً ليضعوها قربهم.

وأغلقت اللوحة وجه الشمس على باقي صور الشهداء بسبب ضخامتها. كان داخلها شابّ يرفع سلاحاً موجهاً إلى الشارع، فيما أسند ظهره على جدارية خضراء يقف على أطرافها رموز دينية.

يقول أبو إسماعيل، الرجل المسنّ في المنطقة التي رُفعتْ فيها صورة الشاب: «أتذكر هذا الشاب بشكل جيد، قبل سنوات، حين كانت القوات الأميركية ما زالت في العراق، كانت نساء المنطقة تنطلق الى حفلة (حنة) شقيقته، وهو منهمك بزرع عبوة على الطريق العام».

ويضيف الرجل الذي فضل استخدام كنيته فقط لـ(الشبكة) قائلاً: «اخطأ في وضع القنبلة وانفجرت بوجهه.. حينها اعتبر شهيداً، برغم أننا لم نكن ندرك مَن كانت تستهدف تلك العبوة!».

تخليد ذكرى الشهداء

يشير مسؤول محليّ في شرق العاصمة الى أن من حق أي دولة أن تفتخر بشهدائها وتخلّد ذكراهم، شريطة أن يكون الشهيد رمزاً حقيقياً وليس إرهابيّاً.

ويضيف المسؤول لـ»مجلة الشبكة « طالباً عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح، إن «وجود كثير من الصور المنتشرة في بغداد، غير معروف أصاحبها إن كان شهيداً فعلاً أم غير ذلك». ويضيف « لسنا ضدّ صور الشهداء، ولكن على أن تكون ضمن ضوابط وموافقات رسمية».

ويروي أحد الرجال في منطقة شعبية وسط العاصمة حادثة غريبة حصلت لأحد الشباب العاملين في سوق لبيع الخضار، حيث يقول محمد سلمان 40 عاماً: «تعرض البائع إلى أزمة ونزف أنفه دماً، وتوفي في الحال بعد أن ارتفع ضغط الدم بشكل كبير».
ويضيف لـ (الشبكة): «فوجئنا في اليوم الثاني أن أصدقاءه وأهله يقولون بأنهم اكتشفوا حينما ذهبوا لدفنه بأنه مصاب بطلق ناريّ من مسدس كاتم»، بينما يقول سلمان إن «هذا الأمر لم يحدث مطلقاً، وإنهم اخترعوا هذه القصة من أجل اعتباره شهيداً ويعلقوا له صورة في وسط الشارع».

العزاء الوحيد «صور»

فيما يرى ملحان حسن مسؤول محلي في الكرخ أن يصار إلى «تنسيق» مع الجهات البلدية ومؤسسة الشهداء في تحديد أسماء الأشخاص الموضوعة صورهم، بموافقة رسمية وبأرقام تنظيمية.

وحسن يؤكد لـ(الشبكة) بأن «الصور الموجودة في الشوارع والتقاطعات غير مرخصة»، مضيفاً: «نحن نغض النظر عن وجودها تكريماً لأهالي الشهداء الذين لم يحصلوا على تعويضات حكومية مناسبة».

يذكر أن مجلس الوزراء أصدر في أواخر عام 2009 (قانون رقم 20)، القاضي بـ»تعويض» المتضررين من «العمليات الحربية» و»الأخطاء العسكرية».

ونصّ القانون على تعويض قتلى تلك العمليات بثلاثة ملايين و750 ألف دينار وشمولهم براتب تقاعديّ وقطعة أرض سكنية فيما يعوض الجرحى حسب درجة العوق التي تعرضوا لها.

فيما ينتقد شقيق أحد الشهداء في منطقة حي العامل لجنة التعويضات التي يقول عنها بأنها تعاني من روتين قاتل يعيق كل عملها.

جودت داود، قُتل شقيقه عام 2007 في حادثة انفجار عبوات ناسفة طالت أحد الملاعب الشعبية في المنطقة، وعلّق مع عدد من الشهداء في صورة جدارية بالقرب من منزلهم في المنطقة نفسها.

يؤكد داود لـ»الشبكة» بأن «اللوحة كلّفت أكثر من 300 ألف دينار»، بينما لم يحصلوا على «تعويض» أو قطعة أرض، وعزاؤهم الوحيد الصورة المنصوبة في نهاية الشارع.

وإلى جانب أحد المنازل في جنوب بغداد، تسقي امرأة عجوز حديقة صغيرة بورود متناثرة، يتوسطها عمود يحمل صورة شاب صغير استشهد عام 2011، كما كُتب في اللوحة.
كانت العجوز تقرأ الفاتحة، كما اعتادت صباح كلّ يوم أسفل صورة ابنها «المغدور» كما تصفه. إذ تقول في حديث لـ(الشبكة): «ابني عباس كان يعمل في وزارة الداخلية، وقُتل بمسدس كاتم في واجبه بمحافظة ديالى»، فيما تقول إن صديقه الذي يسكن بمنطقة الشعب أصر أن يضع صورته قرب دارنا بمنطقة البياع.

تكريم أم تجاوز؟

بالمقابل يؤكد المتحدث باسم أمانة بغداد «حكيم عبد الزهرة» بأن «الصور المعلقة في الشوارع سواء كانت لسياسيين أو غير ذلك فهي غير مرخصة»، كما يقول بأنها تعد تجاوزاً لأن البعض منها تشغل «أماكن مهمة».

لكنّ سكاناً في مدنية الصدر يرفضون تسمية صور الشهداء بـ»التجاوز»، حيث تنتشر في المدينة ذات الكثافة السكانية العالية كثير من الصور التي تحمل أسماء شهداء قتلوا في الفترة الممتدة بين 2006 و2009 وهي فترة المعارك التي دارت رحاها بين القوات العراقية والأميركية، وفترة القتل على أساس الهوية، إضافة إلى صور جديدة لمقاتلين استشهدوا بمعارك ضد «داعش».

صور «غير مرخصة».

ويشير «سجاد كاظم» والد أحد الشهداء المعلقة صورته مع زملاء له استشهدوا أثناء معارك في صلاح الدين، وتشغل مكاناً في وسط الطريق، إلى أن «الصورة هي أقلّ تقدير وتكريم لأهل الشهيد».

ويؤكد المسؤولون المحليون هناك بأنْ «لا أحد يجرؤ» على إزالة أية صورة حتى وإنْ كانت تعيق الشارع. كما يشيرون إلى أن «جميع الصور الموجودة ومن ضمنها صور الشخصيات الدينية والسياسية «غير مرخصة».

وتشغل بعض اللوحات في بغداد مساحات واسعة، لاسيّما وإن بعضها تحاط بجدار حديدي يغطي كل الرصيف، فيما بدأ آخرون بوضع سور حول «أراضٍ حكومية» مخصصة لإنشائها كملاعب او متنزهات، ليحولها إلى ساحة «الشهيد الفلاني»، ثم يبدأ تدريجياً ببنائها لتصبح في النهاية داراً من «البلوك».

متحف للشهداء

«سعدي مهدي» المسؤول البلديّ في حي العامل يقترح أن تجمع هذه الصور في مكان واحد بدلاً من العشوائية في وضعها.
واعتبر إن «تعليق الصور بشكل عشوائيّ ظاهرة غير حضارية»، مقترحاً أنْ «توضع في متحف خاصّ بالشهداء». مشيراً في الوقت نفسه إلى أن “تلك الصور يمكن أن تعطي طابعاً أليماً وحزيناً كلما شاهدناها لأنها تذكرنا بأيام الحروب”.