علماء الرياضيات.. يكتشفون مسألة في الحاسوب لا يمكن حلّها على الإطلاق

626

بقلم رافي لتزتر – ترجمة :محمد الفشتكي /

اكتشف علماء الرياضيات مسألةً لا يستطيعون حلّها. وليس الأمر أنهم ليسوا أذكياء بما فيه الكفاية بل ببساطة لكونها لا توجد إجابة لها. تتعلق المسألة بقدرة الآلة على التعلم (التعلم الآلي) – نمط الذكاء الصناعي الذي تستخدمه بعض الحواسيب في “تعلم” كيفية القيام بمهمة محددة.
عندما يتعرف فيسبوك أو جوجل على صورةٍ لك ويقترح عليك وسم نفسك فيها فإنه يستخدم التعلم الآلي. عندما تقطع سيارةٌ ذاتية التعلم تقاطعاً مزدحماً فهذا هو التعلم الآلي أثناء الأداء.
يستخدم علماء الأعصاب التعلم الآلي لقراءة أفكار شخص ما. إن الأمر المتعلق بالتعلم الآلي هو أنه يعتمد على الرياضيات. ونتيجةً لذلك يستطيع علماء الرياضيات دراسته وفهمه على المستوى النظري حيث يمكنهم أن يكتبوا براهين جازمة عن كيفية عمل التعلم الآلي وتطبيقها في كل حالة.
في هذه الحالة قام فريقٌ من علماء الرياضيات بتصميم مسألة تعلم آلي تدعى “تقدير الحد الأعلى estimating the maximum” أو “أي ام اكس EMX”.
لفهم كيفية عمل مسألة “أي ام اكس” تخيل ما يلي: أنت تريد وضع إعلانات على موقع ويب وزيادة عدد المشاهدين الذين سوف تستهدفهم هذه الإعلانات، لديك إعلاناتٌ تروج لعشاق الرياضة ولمحبي القطط ومتعصبي السيارات وهواة اللياقة البدنية وما إلى ذلك، لكنك لا تعرف مسبقاً من سوف يقوم بتصفح الموقع. كيف ستقوم باختيار الإعلانات التي سوف تزيد عدد المشاهدين الذين تستهدفهم؟ يجب على “أي ام اكس” أن تجد الحل بمجرد الحصول على كمية صغيرة من البيانات حول من يتصفح الموقع.
ثم قام الباحثون بطرح سؤال: متى يمكن لـ “أي ام اكس” أن تحل مسألةً ما؟
بخصوص مسائل التعلم الآلي الأخرى عادةً ما يمكن لعلماء الرياضيات أن يقولوا فيما إذا كان يمكن حل مسألة التعلم في حالةٍ معينة بناءً على مجموعة البيانات التي يملكونها. هل يمكن تطبيق الطريقة الأساسية التي يستخدمها جوجل للتعرف على وجهك للتنبؤ بسوق الأسهم؟ من جهتي أنا لا أعلم لكن شخصاً آخر ربما. الصعوبة هي أن الرياضيات معطلة نوعاً ما. إنها كذلك منذ عام 1931 عندما قام المنطقي كورت جودل Kurt Gödel بنشر نظريات عدم الاكتمال خاصته. أظهرت هذه النظريات أنه في أي نظامٍ رياضي هناك مسائل معينة لا يمكن الإجابة عليها. إنها ليست صعبةً حقاً ولكن لا سبيل لمعرفة الإجابة عليها.
عرف علماء الرياضيات أن قدرتهم على فهم الكون محدودة بالأساس حيث وجد جودل وعالم رياضياتٍ آخر يدعى بول كوهن Paul Cohen مثالاً وهو فرضية الاستمرارية.
إن نظرية الاستمرارية هي كالتالي: يعرف علماء الرياضيات بالفعل أن هناك مالانهايات من أحجام مختلفة. على سبيل المثال، هناك أعداد صحيحة بشكل لا نهائي (أرقام مثل 1، 2، 3، 4، 5 وهكذا) وهناك أعداد حقيقية بشكل لا نهائي (والتي تتضمن أرقاماً مثل 1، 2، 3 وهكذا، لكنها تتضمن أيضاً أرقاماً مثل 1,8 و 5,222,7 والثابت باي). ولكن على الرغم من أن الأعداد الصحيحة لا نهائية والأعداد الحقيقية أيضاً كذلك إلا أنه من الواضح أن هناك أعداداً حقيقيةً أكثر من الأعداد الصحيحة وهو الأمر الذي يثير السؤال، هل هناك أي مالانهايات أكبر من مجموعة الأعداد الصحيحة ولكن أصغر من مجموعة الأعداد الحقيقية؟ تقول نظرية الاستمرارية، كلا، لا يوجد.
أظهر جودل وكوهن أنه من المستحيل إثبات صحة نظرية الاستمرارية ولكن من المستحيل أيضاً إثبات أنها خاطئة. إن سؤال “هل نظرية الاستمرارية صحيحة؟ ” هو سؤالٌ بلا إجابة.
في دراسةٍ نشرت يوم الاثنين السابع من يناير في مجلة نيتشر ماشين انتليجنس Nature Machine Intelligence أظهر الباحثون أن “أي ام اكس” يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرية الاستمرارية.
اتضح أن “أي ام اكس” يمكنها حل مسألة فقط في حال كانت نظرية الاستمرارية صحيحة. ولكن إن لم تكن نظرية الاستمرارية صحيحة فإن “أي ام اكس” لا يمكنها حل مسألة. هذا يعني أنه للسؤال، “هل يمكن لـ “أي ام اكس” أن تتعلم حل هذه المسألة؟” إجابة وهي أنه لا سبيل لمعرفة الإجابة على ذلك مثل نظرية الاستمرارية ذاتها.
الخبر السار هو أن حل نظرية الاستمرارية ليس مهماً جداً لمعظم علماء الرياضيات. وبالمثل قد لا يخلق هذا اللغز الدائم عقبةً كبيرة أمام التعلم الآلي.
ولأن الـ “أي ام اكس” هو نمط جديد في التعلم الآلي فإننا لا نعرف بعد فائدته في تطوير خوارزميات العالم الحقيقي، “قام ليف ريزين Lev Reyzin وهو استاذٌ الرياضيات في جامعية إلينوي في شيكاغو والذي لم يعمل على الدراسة بكتابة مقالٍ ملحق بموقع Nature ضمن قسم News & Views قال فيه “إذاً قد لا تكون لهذه النتائج أهمية عملية”. ويقول أيضاً “يكفي الباحثين في التعلم الآلي فخراً أنهم يواجهون مسألةً غير قابلةٍ للحل”. إن ذلك دليلٌ على أن التعلم الآلي “قد نضج كنظامٍ رياضي” أيضاً. ريزين هو الذي كتب ذلك ويقول أيضاً أن التعلم الآلي “ينضم الآن إلى العديد من مجالات الرياضيات الفرعية التي تتعامل مع عبء عدم إمكانية الإثبات وحالة عدم الارتياح التي تنجم عن ذلك”.
لعل نتائج كهذه سوف تجلب جرعةً جيدةً من التواضع إلى مجال التعلم الآلي حتى مع استمرار خوارزميات التعلم الآلي في إحداث ثورة حول العالم الذي نعيش فيه”.