عميد كلية القانون والعلوم السياسية – الجامعة العراقية لـ “الشبكة”: الأمن السيبراني ضرورة مجتمعية

161

آمنة الموزاني /

الدخول الى منطقةِ الوعي المجتمعي، وتطويع الثقافة القانونية عبر جعلها خبزاً على موائدِ البسطاءِ، ليدافعوا عن حقوقهم بأدواتها، لا بعضلاتهم، أمر ليس بالهينِ، فلا يكاد يمر شهر على كليةِ القانون والعلوم السياسية دون عملِ ندوةِ، او ورشة، مع الجهاتِ الأمنية المختصة ومنظمات المجتمع لمتابعةِ (ترند) الحياة المأزومة، وكيفية محاربةِ أعدائها بقوة القانون، لا بفلتانِ اليد، ولاسيما الشائعات والجريمة الإلكترونية.
أما هجمات الأمن السيبراني وما تشكلهُ من خطر أمني، فقد كانت للكلية الصدارة في طرحِ قوانين رادعة تجنب المؤسسات الحكومية الوقوع في فخ خوارزمياتها.
أ.م.د. محمد حميد عبد، عميد كلية القانون والعلوم السياسية، وعرّاب سياستها العلمية والتثقيفية، وما تنفرد به من استثناءات رصينة، حاصل على شهادة الدكتوراه فلسفة في القانون الجنائي، درّس مادة علم الإجرام والعقاب، وكذلك كان أستاذاً بخبرات علمية تدريسية مختصة بقانون العقوبات والتحقيق الجنائي، فضلاً عن ترؤسه أهم المؤتمرات الدولية الهادفة لجعل الثقافة القانونية حامياً رئيساً للحقوق.
تحولات فذة
كلية استثنائية باختصاصيين قانوني وسياسي، دخلت بأدواتها الرصينة الى منطقة الوعي المجتمعي، شاركت بوضع قوانين الدولة وتثقيف الناس بحقوقهم، مرت بمراحل تطور وحرفية تتبعناها في حوارٍ صحافي مع عميدها أ.م.د. محمد حميد عبد، متحدثاً عن سرّها، وكيف بدأت الحكاية:
في البدء سوف نتحدث، بشكل مخصص عن كلية القانون، التي كانت في السابق قسماً في كلية العلوم الإسلامية، باعتبار أن الجامعة العراقية في مراحل تطورها التاريخي كانت مختصة بالدراسات الإسلامية والشريعة وبقانونٍ خاص بها، وكلية القانون كانت قسماً ضمنياً في كلية الشريعة، باعتبارِ أن القانون هو أحد مفاصلها، لكن الكلية تحولت الى قسم مستقل، وتخرجت فيها أول دفعه عام ٢٠١٠-٢٠٠٩، فحصلت على استقلالها. بعد ذلك استحداث قسم العلوم السياسية ليتحول اسمها الى (كلية القانون والعلوم السياسية)، اي أنها ضمّت تخصصين: كلية القانون، والعلوم السياسية. هذان التخصصان فيهما المناهج والمقررات المُعتمدة في كل جامعات العراق، إضافة الى الخبرات والتجارب على مستوى الجامعات العربية والعالمية، كما أن لدينا اهتماماً كبيراً ومتابعة دقيقة في أن تكون كليتنا في مصاف التقييم الأول وتحظى بقبولين: عربي وعالمي. ومن حيث المبدأ وضعنا لهذا الشأن أسساً وخطوات ومراحل علمية رصينة، ومخرجات وسياسة تعليمية، ضمن رؤيا وأهداف جعلت كلية القانون والعلوم السياسية تحظى بسمعة وخدمة منتجة وقادرة على رفد الدولة بمختصين يسهمون في إشاعةِ الثقافة القانونية بين الناس وكذلك بإدارة البلد وحل إشكالاته، باعتبار أن القانون من الاختصاصات الحاضرة، وبقوة، في كل مؤسسات الدولة ومفاصلها الحكومية، كما نسعى للتقييمين العربي والعالمي كهدفين لوزارة التعليم العالي. هنا لا نقول إنها الداعم والمحفز للظفرِ بجودة التقييمات، وإنما هي المؤسس الحقيقي والمشرف عليه والراعي له. لقد عملنا تحت مظلة الوزارة من خلال جهاز إشراف التنظيم العلمي والجودة، وكذلك عبر التشكيلات المختصة بضمان الجودة وتقييم الجامعات، لأن الوزارة حريصة جداً على أن تكون الجامعات ضمن التصنيفين العالمي والعربي، وقبل زمنٍ أطلقت مبادرة التصنيف الوطني للجامعات، إذن، كل تلك الخطوات هي لرفع مستوى التعليم العالي في العراق ليكون ضمن المصاف الأبرز.
شهادات من خارج الحدود
كثُر الحديث عن شبهات الأطاريح المسروقة والبحوث المُستلة الجاهزة للبيعِ بالتزامنِ مع أزمةِ غزو الشهادة العليا المُكتسبة من خلف الحدود.. هنا يؤكد السيد العميد بإصرار:
هنا تحديداً نفتخر بأن كليتنا لا تندرج ضمن الكليات والمؤسسات المشبوهة والمتهمة بقضايا الأطاريح المسروقة، او البحوث الجاهزة، وفي العموم، فإن كل كليات القانون في جامعات العراق -بشكل عام- لا يمكن أن تندرج ضمن تلك الشبهات نهائياً، ليس كليتنا فحسب، نحنُ لدينا رصانة علمية ومهنية ولجان علمية ودراسات ولجان استدلال ورقي وإلكتروني تؤيد و(تفلتر) الموضوع المبحوث فيه أنه غير مكرر او مأخوذ او مستل من رسالة معينة، لدينا أساتذة أكفاء ومهنيون لا يمكن أن يجازفوا بسمعتهم وألمعيتهم وأسمائهم، لدينا لجان سلامة فكرية وأيضا لجان مناقشة وإشراف من قبل الوزارة، التي ترسلها بدورها لتناقش من قبل مقومين أكفاء. إذن، موضوع أن تكون رسالة مسروقة او فيها استلال، هو موضوع ليس بالهين ونادر الحدوث جداً، ولا يمكن أن يفلت فاعله بسهولة من محطات التصفية والتدقيق. وبصراحة فإن هذا الموضوع أُشيع على الأكثر وجرى تداوله مع كثرة الحصول على شهادات من خارج العراق، لكن الوزارة هنا وقفت ضد هذا الأمر ووضعت إجراءات علمية رصينة للفلترة وأخضعت الرسائل لمراحل التصفية والتدقيق. إذن، الموضوع لا يمت بصلة الى جامعات داخل العراق، وللإنصاف ليس جميع من حصل على شهادته من خارج العراق يخضع لتلك الشبهات، وإنما لدينا الكثير ممن حصلوا عليها من خارج العراق بجهودهم ومثابرتهم.
لا وعي بدون قانون
أصل واقعية المادة البحثية هو قدرتها على تفكيك الخلل وتضمينه منهجاً للمعالجة، لكن يقال إن رفوف البحوث والأطاريح الفخمة لا تزال بعيدة عن أزمات الواقع، لذلك تأخذ طريقها الى النسيان، هنا يجيب عميد كلية القانون والعلوم السياسية معترضاً بتفصيلات علمية، بقولهِ:
دائماً ما نوجه ونؤكد على لجان الدراسات العليا ولجان الأقسام ولجان العلمية، بضرورة اختيار عناوين الرسائل والبحوث أن لا تكون نظرية، او صرفة تترك على رفوف المكتبات دون فائدة، وانما أن تكون مواضيع ذات فائدة تسهم في حل مشكلات متغلغلة في مجتمعنا، مثلاً أحد المواضيع التي تأتي في سياق المثال موضوع الدستور وتعديله وآلية تشكيل الحكومة وتبعاتها، هذه الأزمات جميعها لها أصول ومواد موجودة في الدستور، وموجودة في العملية السياسية، لذلك فإن دراساتنا في العلوم السياسية تسعى دائماً لتذليل العقبات وتفكيكها وإيجاد حلول للقضايا المرتبطة بها. لذلك نؤكد دائماً على ضرورة أن تكون جميع العناوين والموضوعات ذات فائدة وذات خدمة، على المستويين الوطني والدولي، فقسم القانون يحتوي على تخصص دولي، والعلوم السياسية فيها تخصصات العلاقات الدولية، هذه جميعها تقوم بدراسة الظواهر الاجتماعية والدولية والسياسات الدولية وتأثيرها على العراق والعلاقات المتبادلة على صعيد القانون والعلوم السياسية. قبل زمنٍ أطلقت وزارة التعليم منصة البحوث التطبيقية، كانت الغاية منها أن تكون هذه البحوث من دراسات ماجستير ودكتوراه، مفيدة وتطبيقية، للاستفادة منها في مؤسسات الدولة، وفعلاً تحققت الاستفادة منها لأن بعض الأطاريح والبحوث والرسائل تحتوي مخاطبات بيننا وبين جهات قضائية، فقد كانت لنا مخاطبة مع وزارة الخارجية التي طلبت تزويدنا بالمواضيع التي نعتقد انها تسبب مشكلات سياسية ودبلوماسية على مستوى علاقاتنا مع الدول الاخرى، وفعلاً جرى التزود بموضوعات مهمة مثل موضوعة ترسيم الحدود البرية والبحرية، التي تثير منازعات بين الدول، إذن، هذا الاهتمام حظي بجهد كبير منا. أما على مستوى التثقيف الاجتماعي بمفردات القانون وسياسة الدولة، فقد كانت ومازالت لنا ندوات ونشاطات ذات صلة وتماس مع المجتمع، فلا يكاد يمر شهر بدون نشاط مجتمعي مع واحدة من مؤسسات الدولة ومنظمات ومؤسسات المجتمع، خذي مثلاً مواضيع العنف الأسري وأسبابه وتداعياته، ناقشناها في ندوة مع وزارة الداخلية، وكذلك قضية الأحوال الشخصية، وقضية الابتزاز، وأيضاً الإشاعة وهدفها وكيفية محاربتها بالتثقيف القانوني بحقوق الأفراد وواجباتهم، كما أن لدينا ندوات مهمة جداً عن تقنية الأمن السيبراني وخطورتها، وكيف يمكن التحصن من ذكائها وخوارزمياتها، فبالرغم من إيجابياتها الكثيرة، إلا انها عدوٌ خفي، وتضمر آثاراً سلبية كبيرة على حياة الفرد والدولة.
أبوة تربوية وأخلاقية
المُتابع لما تدخلهُ مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا الى عقول الطلبة من أفكارٍ منحرفة وتفاهات، يضيف على الأساتذة جهداً تربوياً وأخلاقياً مضاعفاً.. كما يؤكد أ.م.د. محمد حميد عبد:
إن العلاقة بين الطالب والأستاذ يحكمها جانبان: الجانب الأول هو الحقوق والواجبات المتبادلة بينهما، فالتدريسي له حقوق والطالب له حقوق، وكلاهما عليه واجبات وحدود، ولا أعني هنا رفع الأستاذ بطبقية عن تلميذه، وإنما ترسيخ التقاليد الأكاديمية التي فيها جوانب تربوية وتوعوية للطالب، كما ينظر الى والده ويتعامل معه تعاملاً ملؤه الاحترام والإذعان، وهو يعكس الثقافة بوعيها، الذي يحفظ للأستاذ مكانته ويحفظ للطالب احترامه. الجانب الآخر هو أن لدينا تواصلاً اجتماعياً بين الطالب والأستاذ، نحن نؤكد على أساتذتنا تخصيص وقت من المحاضرة للطلبة ومشكلاتهم الشخصية، ولاسيما في ظلّ ثورة التكنولوجيا والسوشيال ميديا، هذا بحدِ ذاته يلقي على تدريسيينا عبئاً أكبر، إذ كيف نضبطه بسياق علمي وأخلاقي واجتماعي صحيح، ولكم مطلق الحرية في سؤال أي طالب عن رأيه.
تجارة ربحية وعشوائية
أزمَة استحداث الجامعات والكليات بآليةٍ عشوائية، تسببت بتكدسِ آلاف الخريجين كل عام، فضلاً عن عدمِ قدرة القطاع الخاص حالياً في مشاطرة العبء، يوضح الدكتور مستطرداً:
هذا الموضوع يحتاج إعادة نظر، لأن زيادة أعداد الخريجين شكلت ضغطاً وعبئاً على الدولة بسبب الظروف التي يمر بها البلد، ما أدى الى تكدس آلاف الاختصاصات الفائضة والعاطلة، نحن لا نقول بإيقاف الاستحداث، لكن يجب أن يكون ضمن جوانبه العلمية وأصوله، هناك بعض الكليات تقدم الجانب الربحي التجاري على الجانب العلمي، وهذا ليس صحيحاً ابداً، والوزارة هنا لها دور ومتابعة لهذا الملف وقضاياه، علماً أن الخلل، او القصور، ليس موجوداً في وزارتنا تحديداً، وانما هو جزء من مشكلة عامة في البلد، لذلك فإن كل وزارات الدولة يجب أن يكون لها دور ومساهمة في حل مشكلة توظيف الخريجين، ليس فقط في القطاع العام، وانما في القطاع الخاص أيضاً، لأنه لا يقل شأناً عن العام والفرص فيه متوفرة اكثر، لكن بسبب الحروب والأزمات عانى من التوقف، ما جعل الخريج يفكر دائماً باتجاه التوظيف في القطاع العام باعتبار ان الخاص -في نظره- ليس فيه مستقبل ولا ضمان ولا حقوق، ولا شك في أن الاهتمام بهذا المجال سيحل المشكلة.