عندما تغيب الدولة.. تفرض العشيرة أعرافها “الكــــوامة” تضرب السلم المجتمعي في الصميم

570

احمد عبد الحسن : احمد سميسم/

لطالما نُظر إلى شيخ العشيرة وكبير قومه بوصفه صاحب حكمة ورجلاً يفزع إليه المختلفون ليحلّ ما استعصى عليهم، وهو إلى ذلك يتميز بالحلم والعفو والتجاوز عن الصغائر. درج المجتمع العراقيّ على حفظ هذه المكانة المميزة للعشيرة وشيوخها. وتحتفظ ذاكرتنا بمئات القصص عن معضلات كبرى كان يمكن أن تؤدي لسفك الدم، قبل أن يجلس رجل وقور مرهوب الجانب هو شيخ العشيرة ويحلّها ببضع كلمات.

العشيرة كانت سلطتها ،في كل الأوقات التي تغيب فيها الدولة أو تضعف، ملاذاً للناس لحلّ مشاكلهم. لكنّ الفترة التي أعقبت سقوط النظام المباد، تعاظمتْ سلطة العشيرة واستفحلت، وصرنا نسمع قصصاً ونرى مشاهد من شأنها أن تكسر الصورة التي نختزنها في ذاكرتنا عن العشائر وشيوخها. ففي كثير من هذه القصص تكون العشيرة عامل أزمةٍ بدلاً من أن تكون حلاً، وتكون هي المشكلة ذاتها عوضاً عن أن تكون عامل تهدئة.

حكايات وحكايات

كثير من “الفصول” العشائرية و”الكوامات” ليس لها من مبرر حقيقيّ، بل أن بعضها يدعو للسخرية والإضحاك، نسمع حكايات عن رجلٍ “كاومته” عشيرة ما لأنه “كنّك” بالصدفة على راوتر الانترنت لأحد أبناء هذه العشيرة. آخر اختلف مع صديقه فقال له سأذهب للإمام علي “ع” لأشكوك في حضرته، وبالصدفة مات ابن صديقه المشتكى عليه فقامت القيامة وأصبحت قضية عشائرية باعتبار أن زائر الإمام تسبب بمقتل الابن. حكايات كثيرة تبلغ مرحلة من السوريالية واللامعقولية صارت مدار أحاديث العراقيين هذه الأيام.

لكنّ أخطر ما في هذا الأمر أن هذه “الكوامات” العشائرية بدأت بالتمدد لتحاصر كثيراً من المشتغلين بالشأن العامّ كالفنانين والإعلاميين والأطباء والمعلمين. فعشيرة “تكاوم” برنامجاً تلفزيونياً لأنه “أساء” كما تعتقد لاسم العشيرة، وأخرى تقاضي “عشائرياً طبعاً” قناة تلفزيونية بسبب كلمة في مسلسل، والمبالغ المالية التي يراد استيفاؤها من هذه “الفصول” العشائرية، مبالغ طائلة كالعادة.

فهل أصبح القانون العشائري والأعراف القبيلة مادة لاستجلاب المال بهذه الوسائل، وأين ذهبت صورة شيخ العشيرة الوقور الذي يسع الناس على اختلافهم ليكتشف لهم حلولاً بدل أن يكون هو وقانونه المشكلة؟
هذه أسئلة عرضناها على وجهاء وشيوخ عشائر محترمين فكان هذا التحقيق:

دخلاء على المشيَخة

الشيخ سكر عبد واحد علي (شيخ عشيرة الدريع)، عبّر عن رأيه قائلاً: “يعتبر النظام العشائري نظاماً متكاملاً يمكن أن يحفظ المجتمع من مشاكل عديدة لما فيه من عادات و تقاليد حميدة وحكيمة، لكن بالمقابل يوجد بعض الأشخاص ممن اعتبروا أنفسهم شيوخ عشائر وهم بالحقيقة دخلاء على (مشيخة العشائر) حيث بدأوا يتصرفون بأساليب فظّة بعيداً عن رجاحة العقل واللسان والتمسك بعادات سيئة بالية خاصة فيما يتعلق بـ(الفصل العشائري) وحل النزاعات بين الأشخاص.

واضاف الشيخ “إننا نؤكد على نبذ هذه الأساليب التي تصدر من بعض الأشخاص باسم العشائر، بل ونناشد كل شيوخ ووجهاء عشائر العراق أن يتحلوا بالحكمة والحلم والفضيلة في مجمل القضايا التي تواجه المجتمع، فضلاً عن احترام وعدم المساس بأي شخص كالطبيب، والمعلم، ورجل الأمن، وكل من يقدم خدمة للمجتمع يسودها الخير والإحسان.

وختم الشيخ عبد واحد حديثه بالقول: “هنالك وسائل قانونية يمكن أن تنفّذ وتطبّق بحق الأشخاص ممن يدعون (المشيخة) ويعتبرونها مكسباً مادياً لا معنوياً خدمة للصالح العام”.

تهديد الإعلاميين والفنانين

من جانبه، يرى الشيخ جبار الربيعي إن “أي نظام حكومي في العالم عندما تنعدم فيه سلطة القانون سيكون مدعاة لظهور قانون العشائر للحكم بين الناس بطريقة عادلة، لكن هذا القانون هو سلاح ذو حدين من حيث تطبيق الأحكام والتعليمات الصادره عنه، فأحياناً يكاد يكون خالياً من العدالة الاجتماعية بل يحكمه غياب الضمير في كثير من القضايا، وبالتالي تؤدي هذه التصرفات إلى فقدان الناس ثقتها بتلك العشيرة أو ذلك الشيخ بسبب غياب العدالة”.

واضاف: “انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة تهديد المثقفين والإعلاميين وغيرها من الشرائح الاجتماعية الأكاديمية، بسبب الفصول العشائرية او مشاكل أخرى، لذا فأنا أرفض رفضاً قاطعاً هذه الأساليب التي تخل بالنظام العام وتشوه عاداتنا وتقاليدنا التي طالما كانت مثالاً ومنهجاً لعقود عديدة”.

حضّر عمامك

من جهته، قال الشيخ رضا الربيعي (أحد وجهاء قبائل ربيعة): “لم نكن بمنأى عن هذه الظواهر فدائماً ما نذكرها ونشجبها في دواويننا وأحاديثنا، فقد أصبح تأثير العشيرة طاغياً بين الناس خاصة في المناطق القبلية والشعبية، إذ دائماً ما تتردد مقولة (حضّر عمامك) في حل بعض النزاعات البسيطة وربما تكون تافهة في بعض الأحيان التي لا تستوجب هذا التهويل، حيث يصل بعضها إلى طلب مبالغ مالية ضخمة بحجة (الفصل) تصل الى مئة مليون دينار! وهنا يأتي دور شيخ العشيرة الذي من المفترض أن يكون حكيماً وقائداً لإدارة مشاكل ذات البين وفضها ودياً، كما يجب أن يكون القانون الفاصل الرئيس بين العشيرة وقانون الدولة، القصد أن تكون العشيرة محترمة وتسعى الى إصلاح المجتمع وليس جعل العشيرة مهنة ومكسباً مادياً”.

تشويه صورة العشيرة

صفاء العكيلي “وجيه عشيرة” أجابنا بالتالي: “دعنا نرجع الى الماضي قليلاً، لنستذكر عشائر الزمن الأصيل الذين كانوا قدوة لعامة الناس من خلال تعاملهم وتوظيف مناصبهم القبلية للخير والإصلاح بين الناس وإحقاق الحق، والتغاضي عن الأمور البسيطة وعدم إعطائها أهمية كبيرة كما يحصل الآن مع الأسف”. وقارن العكيلي ذلك الزمن بما يحدث اليوم قائلاً: “أصبح من هبَّ ودبّ يرتدي (العقال) ويستغل ضعف الطبقة الفقيرة من المجتمع ليعتاش عليها، هؤلاء دخلاء على العشائر يقومون بأعمال مشوّهة كتهديد إعلامي أومثقف، ما جعل القضاء والقانون لا دور له، وسلب الحريات والرأي للأسف الشديد”. مختتماً حديثه بالقول “نتمنى تغيير الوضع الى الأحسن ونحن كوجهاء عشائر نقف بالضد من هذه التصرفات المسيئة للعشائر الأصيلة”.

العشيرة والدولة .. ضرّتان

وأشار الشيخ علي المرياني الغالي “أحد وجهاء عشيرة السادة المريان” إلى ان “علاقة الدولة والعشيرة تتناسب تناسب عكسياً عبر كل الأزمنة والعصور، فكلما ضعفت الدوله وتلاشت قواها برزت العشيرة كقوه بديلة تحتل الفراغ الذي تتركه السلطة، فالشواهد كثيره يذكرها التاريخ المعاصر لتبادل الأدوار السلطوية بين الدولة كراعٍ للرعية والعشيرة كبديل جاهز لملء الفراغ، حيث أن دور العشيرة امتاز بأنماط متعدده حسب الظروف الآنية للفترة المعاشة، منها ما كان إيجابياً كالدفاع عن الناس وقادهم لبر الأمان لما تملكه العشيرة من قوانين وسنن وما يتمتع به شيخ العشيرة من سطوة وطاعة تكاد تكون عمياء من قبل أبناء جلدته، وهذا ما حدث في الماضي وفي جزء من العصر الحديث كذلك”.

نحتاج ثورة إصلاحية

كان هذا هو الدور الإيجابيّ للعشيرة ،كما فصله السيد المرياني. أما عن دورها السلبيّ فيلخصه كالتالي: “أما الدور السلبي الذي عانى ويعاني منه المجتمع وكيف تحول بعض شيوخ العشائر إلى إقطاع يعاني منه الناس امتاز بالبطش والقهر والذل بعدما أخذت العشيره مساحة كبيرة من حياة الكثيرين متجاهلة القوانين المدنية”. مضيفاً “لا يخفى على أحد ما نشاهده اليوم من ظواهر وممارسات بعيدة عن القيم الإجتماعية، على سيبل المثال الاعتداء على المدارس والكادر التدريسي وموظفي الدوله بشكل عام والتجاوز على ملكية وهيبة القانون واستعراض للأسلحة وممارسة هواية إطلاق النار العشوائي، كلها تتحملها الدولة التي تركت فجوة كبيرة أدت الى فسح المجال لتتلاعب بها السنن البالية والعقول العدائية البدائية، لذا يحتم الأمر ثورة اصلاحية تعيد الأمور لنصابها وترجع هيبة الدولة والقانون لأننا الخاسر الأكبر”.

قانون مكمّل

وكان لنا لقاء مع الأمين العام للمجلس الوطني لقبائل وعشائر العراق الشيخ حكمت عبد الأمير داوود السعدي، وهو رئيس قبيلة بني سعد أيضاً، الذي عبر عن رأية بالقول: “ان المجتمع العشائري ظل عبر التاريخ متمسكاً بالقيم والأخلاق النبيلة العالية، وأصبح ملاذاً للناس يحتذون به عند حدوث المشاكل والخلافات، فالقانون العشائري مهم جداً ولا يمكن أن ينكر دوره في فض كثير من القضايا الشائكة التي ربما قد لا تحل بشكل تام لو عرضت على القانون المدنيّ، فمثلاً (الفصل العشائري) يحكم القاتل في ظل القانون المدني الحكومي بالسجن بغض النظر عن فترة الحكم، لكن هذا القانون لن يحمي القاتل من أسرة المقتول بعد خروجة من السجن وإكمال فترة حكمه، ربما يقتل فوراً حال خروجه من السجن! لكن القانون العشائري يحمي الجاني من أهل المجني عليهم بعد قضاء فترة حكمة القانوني من أي اعتداء ويلزمهم بعدم المساس به بأي أضرار مادية أو معنوية، وخلافاً لذلك سيتحمل من قام بهذا الفعل عواقب اجتماعية وخيمة”.

لكن الشيخ السعدي يستدرك: “لا ينكر أن هنالك تصرفات سيئة تصدر من بعض الأشخاص الذين يتكلمون باسم العشائر الأصيلة، ويقومون أحياناً بابتزاز الناس أو تهديد الأشخاص والمؤسسات الحكومية الرسمية وغير الرسمية، لذا ومن خلال مجلة الشبكة أقول: إننا ننبذ ونشجب هذه السلوكيات غير المسؤولة بحق المواطنين، ولن نقبل مطلقاً أن يتعرض أي شخص إلى اعتداء بغير وجه حق، وعلينا أيضاً أن نعود قليلاً لأصالتنا العريقة العميقة التي لا يمكن أن تحتوي بأي شكل من الأشكال إيذاء وسلب حريات الناس الآمنين الأبرياء”.

وثيقة شرف عشائريّة

توجهنا إلى الشيخ السعدي بوصفه الأمين العام للمجلس الوطني لقبائل وعشائر العراق بهذا السؤال: (هل من الممكن اجتماع وجهاء وشيوخ عشائر العراق الأصلاء لإصدار وثيقة رسمية تعمم على عشائر العراق الجنوبية والفرات الأوسط، وتحمل توصيات واجبة التنفيذ موجهة لأي شخص له (مرجعية عشائرية) يقوم باعتداء سافر على الأشخاص والمؤسسات، لتفرض علية تبعات عشائرية صارمة ربما تصل الى طرده من عشيرته نهائياً”، فرحب بالفكرة مجيباً “نعم من الممكن أن تصدر مثل هذه الوثيقة من قبل مديرية شؤون العشائر في وزارة الداخلية، بمشاركة وسائل الإعلام والمؤسسات ذات العلاقة، فضلاً عن مشاركة شيوخ عشائر المجلس الوطني لعشائر وقبائل العراق الذي أترأسه، حيث أن إصدار وثيقة من هذا النوع ليس بالأمر السهل بل هي مسألة كبيرة وجسيمة ويجب أن تشترك جميع الجهات التي ذكرتها لكي تنفذ، وإلا ستصبح حبراً على ورق غير مؤثرة ولا جدوى منها”.

تهديد الأطباء

الشيخ الدكتور ضاري سكران العامري (شيخ عشيرة الـ غزلان) قال إن الجانب العشائري مهم جداً، بدليل أن الله سبحانه وتعالى عندما أنزل كتابه العزيز الشريف على الرسول الأعظم محمد (ص) دعا الناس الى الدين الإسلامي والرسالة السماوية بقوله (وأنذر عشيرتك الأقربين)، هذه الآيه الشريفة لها وقعها الهام وتفسيرها العميق في دور العشيرة في المجتمع والإنسانية جمعاء في التسامح والصدق والحكمة وكثير من المزايا العقلانية”. مضيفاً أن “لكلّ عشيرة سلبياتها وإيجابياتها، فالإنسان ليس معصوماً من الخطأ، لكن هنالك أخطاء لا يمكن ان يغض النظر عنها، منها مثلاً من يهدد طبيباً أو معلماً أو من يلحق الأضرار بمستشفى بسبب أن أحد ذويه توفاه الله ويعتقد أن سبب موته هو المستشفى أو الطبيب عينه!” وأضاف “هنا يجب أن يبرز دور شيخ العشيرة وأن لا يسمح بتفشي هذه الظواهر بين أفراد عشيرته وحلها ودياً وبحكمة، لأن هذه الأفعال تعود بضررها إلى كيان العشيرة ككل وليس للفرد المسيء”.

إطلاق نار

واستدرك الدكتور العامري: “للوصول إلى حلول جذرية حول هذا الموضوع فقد اجتمعنا ،نحن شيوخ العشائر، مع بعض النواب في الحكومة العراقية ونوقش موضوع الاعتداءات التي تصدر من بعض القبائل، كما طرحنا أيضاً موضوع الإطلاقات النارية العشوائية التي تصدر من بعض العشائر خاصة في مجالس العزاء (التشييع) والتي تسبب حالات وفيات كثيرة، وقررنا مثلاً أن لا نصل إلى أي مجلس عزاء ونقاطعه عشائرياً في حال حدوث إطلاقات نارية في مراسمه”.

هل أحضر عمامي؟

ختاماً أقول إني خرجت من هذا التحقيق مرتاح البال لما سمعته من إجابات من قبل شيوخ العشائر، هؤلاء الذين أتوسّم فيهم الحكمة والحلم، لكني مع ذلك ما زلت في خشية من آخرين سيرون في هذا التحقيق إساءة للعشائر، وأخشى أن يكون الردّ على هذا التحقيق بقولهم “حضّر عمامك!”.