عن شميدت ها أنت أخيراً وحيدٌ

264

مقداد عبد الرضا /

– كورديليا : لاشيء يامولاي
– لير: لاشيء ياتي من لاشيء
لعل الكاتب لويس بيجلي قد طوع دون ان يعلن روايته عن شميدت واستلها بتناص عن الملك لير لشكسبير وهذا ماسيسرده لنا المخرج الاسكندر بايني الذي تصدى للرواية بهمة واضحة وسرور بالغ كما اعلن اذ استطاع ان يرسم بعداً حسياً رائعاً ساعده في ذلك الممثل البارع جاك نيكلسن, الفيلم يتحدث عن ذلك الموظف (وارن شميدت) النزيه والمستقيم في عمله منذ اللحظة الاولى من السرد البصري هذا حينما يجلس في مكتبه بشركة التأمين وهو يتطلع الى الساعة المعلقة فوق الجدار, متى تاتي الساعة الخامسة؟ في اللحظة الاخيرة نراه يقف ويتقدم من معطفه يرتديه ويطفىء انوار المكتب ويغادر, هذا التصرف النزيه ينسحب على حياته الاجتماعية والاسريةالتي سنراها لاحقا, في الاحتفال الذي تقيمه الشركة لوارن شميدت لمناسبة بلوغه السن القانونية واحالته على التقاعد نرى المدير وبسرور بالغ يتحدث بكل احترام عنه, لكن شميدت يستفيق من واقعه ليرى عربة زمنه قد ساقته وبعد فوات الاوان انه قد عاش حياة خاوية تخلو من اى متعة, هل في عالمنا الحاضر تكون فيه حياة الانسان المستقيم خاوية وخالية من اى متعة؟ تعلن الساعة السابعة صباحا, هو ذا يومه الاول, ينهض بتثاقل على العكس من ايامه السابقة حيث النشاط والحيوية, يدخل غرفة مكتبه في المنزل, يحاول ان يفعل شيئا فلا يجد سوى كلمات متقاطعة والغاز يحاول ان يحلها, يتطلع الى التلفزيون, لايجد فيه مايسليه, بعد ايام يحاول الذهاب الى الشركة التي كان يعمل فيها, يستقبله الموظف بترحاب طيب لكنه يخبره بان لديه واجبات في العمل عليه القيام بها لذلك فهو مضطر للمغادرة, ها انت وحيد ياوارن, يبدا الزمن يلف شرنقته حولك, سنواتك الماضيات تخلت عنك ودفعت بك الى الوحدة انت الذي لم تكن تفكر ولو للحظة ان تكون وحيدا, ياالهي ما اقسى دورات الزمن, يعود مخذولا الى المنزل يحاول ان يقرا الرسائل التي ترده, تقع عيناه على رسالة موجهة من احدى المنظمات الانسانية التي تدعو للقيام بتبني احد الاطفال الذين لايجدون مأوى لهم, يشرع مباشرة بالكتابة الى ذلك الطفل الذي يدعى (نودجو), وارن يخبره عن حياته باكملها, حينما اتطلع الى المرآة اجد رجلا قد دارت عليه الساعات والايام وحولته الى شيخ هجره الضجيج, وجه تحول الى خارطة من الالم والرتابة, نما الشعر فوق اذنيه وبالكاد صار يتعرف على ادوات منزله, شيخ بدأ يتطلع الى اوردة جسمه فيجدها كانها سلاسل تطوقه وتقطع انفاسه, اوردة كانها انهار صغيرة زرقاء ضاعت ملامحها, انني اعيش مع امراة ادعي زواجي منها في غابر الايام, اثنان واربعون عاما لااعرف كيف مرت, اثنان واربعون عاما وانا اتمدد بالقرب من امراة واردد سؤالا ظل لغزا محيرا, من هذه الكتلة التي تنام بالقرب مني؟ لم لم اكتشف تلك السرقة ؟ سرقة ايامي وعمري إلا في هذه اللحظة التي صار على لزاما ان اقيم يوميا في نفس المكان واقابل نفس الوجه كل صباح واردد نفس الكلمات كل يوم, لم اعد احتمل تلك الاموال التي تبددها في شراء اللعب ولا احب طريقة جلوسها في نفس المكان والتحدث بنفس الطريقة, والشىء الاكثر فزعا هي تلك الرائحة المنبعثة من جسدها, يغلق وارن شميدت الرسالة ويحاول الخروج ليضعها في صندوق البريد, لكن زوجته تطلب منه ان يقوم بتنظيف السجادة وان لايحاول التسكع في الطرقات واستجداء العواطف, تلك (طريقة الفها كثيرا) ذات يوم وحينما يعود من جولته يجد ان زوجته قد فارقت الحياة, ها انت اخيرا وحيد, تحضرابنته الوحيدة والتي تعيش بعيدا مراسم الدفن مع الرجل الذي تعيش معه, يحاول ان يقنعها بالبقاء معه مدة اطول لانه بدا يشعر بسطوة الوحدة, تغادرالابنة غير مبالية بما يشعر به, العابك اليومية تتسرب ياوران, الوظيفة, الزوجة, الابنة لتحل محلها القمامة التي تكاد تعانق سرير نومك, لم يبق سوى ذلك الطفل التنزاني الذي يرعاه بالمراسلة وفي نفس الوقت يكتب له عن غربته في عالم جاحد, تتفاقم الامور وتصبح اكثر تعقيدا حينما يكتشف رزمة رسائل مخباة في صندوق خاص بزوجته, تنفرج اساريره اذ يظن ان هذه الرسائل هي التي بعثها الى زوجته ايام الشباب والحب, لكنه يفاجأ حينما يلاحظ ان تلك الرسائل ليست بخط يده وانما موقعة من قبل احد اصدقائه الذي شاخ هو الاخر وتؤكد على ان هيلين كانت على علاقة بهذا الصديق, وبذكاء وحركة سريعة من المخرج توحي بالغضب والانفعال نرى شمدت وهو يعنف صديقه, لكن صديقه كمن نبهه الى ان تلك الرسائل التهمها الزمن هي الاخرى وبات لانفع فيها, وكي يتخلص وارن من كوابيس زمنه وسياطه التي باتت تضرب بقسوة, يستغل الكرفان الذي يملكه ليقوم برحلة لزيارة ابنته حينما يخبرها هاتفيا بذلك لكنها تخبره بان قدومه غير ضروري وان لديها الكثير من المشاغل, مشهد مؤثر يذكر بجحود (ريغن) و(البني) في الملك لير حينما لم يلق الترحاب منهن (انتن لستن بناتي), تضيق السبل, سبل الحديث الى الاخر, يدخل محلا لبيع السيارات ليكتشف ان المكان كان يوما مامنزل طفولته, هذه غرفة نومي وتلك الحديقة وهذا الحمام, وبذهول يتطلع اليه البائع ويساله عن مبتغاه فيرد عليه وارن بانه لايريد شيئا, يغادر وسط ذهول البائع, يقود الكرفان وفي مرآب للسيارات الكثيرة يتعرف على عائلة, زوج وزوجة , تدعوه للعشاء ينفرد وران بالزوجة بعد ان تتاجج عواطفه يحاول ان يقبلها لكنها ترد عليه بقسوة ويطرد, ها انت وحيد مرة اخرى, فوق الكرفان يوقد وارن شمعتين ويحاول ان يتحدث مع زوجته التي غادرته, ينام ليصحو عند بيت ابنته , يحاول ان يقنعها بالعدول عن فكرة الزواج والمجىء للعيش معه, تخبره الابنة اما ان يحضر حفل الزفاف او يعود من حيث اتى, هاانت اخيرا وحيد ياوارن شميدت, وحيد تماما كما لير بعد ان فقد بهلولته كورديليا.