عينٌ بَكَت من خشية الله هكذا يرى الناظر مرقد الشيخ معروف من الأعلى

271

عامر جليل إبراهيم  /

الشيخ معروف الكرخي.. أحد رموز الزهد الكبار في بغداد وعَلَم ومن أعلام عصره، شهد له أهل زمانه من العلماء والفقهاء والصالحين.
عندما توفي في بغداد، دفن بجانب الكرخ في مقبرة كانت تعرف بالشونيزية لتتحول بعدها الى مقبرة الشيخ معروف الكرخي ويتحول مكان دفنه الى جامع ومرقد لرجل عُرف عنه الزهد والتسامح.
أصبح هذا المرقد من معالم بغداد الأثرية القديمة وإرث إسلامي يزوره سنوياً الآلاف من المسلمين.
“مجلة الشبكة”، وفي سعيها للتعريف بالأماكن الدينية السياحية في العراق، زارت هذا المكان والتقت الشيخ محمود شاكر خضير الدليمي، إمام وخطيب جامع الشيخ معروف الكرخي.
أبو محفوظ
يقول الشيخ محمود الدليمي: هذا مرقد سيدنا أبي محفوظ، معروف ابن فيروز، والمشهور بالكرخي أو ابن علي لأنه عاش في بيت الإمام علي الرضا (ع).
ولد في بغداد وتزامنت ولادته مع بناء مدينة بغداد المدورة في خلافة أبي جعفر المنصور، تربى ونشأ في بغداد وعاش في هذا المكان من جانب الكرخ، لذلك لقب بالشيخ معروف الكرخي, كان هذا المكان بعيداً نوعاً ما عن بغداد اتخذه الشيخ معروف مقراً ومصلىً له، ومدرسةً يعلم فيها تلامذته الذين لازموه وبرزوا في العلم والتصوف أبرزهم الشيخ السري السقطي المدفون أيضاً في هذه المقبرة بالقرب من هذا المرقد الشريف.
عِلمُه
يضيف الشيخ الدليمي: إن سلسلته الصوفية أخذها عن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام), وله سلسلة أخرى في العلم أخذها عن داود الطائي عن حبيب العجمي عن الحسن البصري عن الإمام علي بن أبي طالب (ع). لذا يعتبر الشيخ معروف الكرخي من تابع التابعين لأنه رأى التابعين وأخذ عنهم.
كما يعتبر معروف الكرخي ملتقى السلاسل الصوفية لأنه من تفرعت الطرق الصوفية والعلمية.
ولادته ووفاته والبناء
توفي الشيخ معروف الكرخي عن عمر ناهزالـ(63) عاماً، أما ولادته فلم تسجل بشكل دقيق، لكن المعروف عن ولاته أنها تزامنت مع بناء بغداد المدورة بحدود 140هـ – 142هـ.
يمضي الدليمي بالقول: بعد وفاة الشيخ معروف الكرخي بني الجامع سنة 200هـ وكان طلابه يلتقون في هذا المكان للدراسة والعلم ثم تم تطوير الجامع في القرن الخامس الهجري، بعدها جُدد سنة 612هـ، وتوسع الجامع الى أن أصبح بمساحة 200م في زمن الدولة العثمانية بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني، وهنالك حجرة منقوشة عليها أبيات من الشعر باللغة العثمانية تدل على أن السلطان عبد الحميد أرسل من يجدّد ومن يعمّر جامع الشيخ معروف الكرخي سنة 1312هـ.
ثم جُدد الجامع فأصبحت مساحته 3000م تقريباً شاملة الجامع والمرقد والأواوين التي يجلس فيها الزائرون، ثم طُوِّر عام 2000م، وتم افتتاحه في الشهر السادس تزامناً مع المولد النبوي الشريف آنذاك.
أجزاء الجامع
يحتوي الجامع على الحرم الرئيس لصلاة الجمعة والأعياد والمناسبات وفيه أيضاً مصلى آخر للنساء وهو حرم كبير مؤثث ومجهز, كما أن هناك تحت هذا الجامع فسحة فوق القبر الشريف أيضاً مزخرفة مسجلة كأثر تاريخي، ثم تنزل بعد هذا المكان والفسحة الى الخلوة المباركة.. هذه الخلوة أصلها بيت الشيخ معروف الكرخي الذي دفن فيه، اضافة الى ذلك توجد ملحقات كالإدارة والمطعم والمضيف والصحيات وغيرها من الملحقات.
يضيف الشيخ محمود شاكر: للبيت الذي كان يسكنه الشيخ بابان اثنان: الباب الرئيس للدار وهو في اتجاه الكاظمية، وكان الشيخ معروف الكرخي يسلك هذا الطريق ليذهب من خلاله لزيارة قبر الإمام موسى ابن جعفر (ع) ، وهو كذلك باب الدار الرئيس الذي كان يسلكه الشيخ للدخول والخروج، والباب الآخر يسمى باب الدير وكان الناس يستعملونه للخروج من بغداد والدخول اليها، كما يوجد في الجامع مكان خاص يسمى خلوة الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو مكان جلس فيه الشيخ عبد القادر الكيلاني عندما زار هذا المكان.
البئر والمئذنة القديمة
يقول الشيخ محمود الدليمي: يوجد بقرب بيت الشيخ الكرخي بئر مباركة لها تاريخ وعمرها أكثر من ألف سنة والماء ينبع منها الى يومنا هذا، وهذه البئر شرب منها الإمام علي الرضا (ع) وشرب منها الشيخ معروف الكرخي والسري السقطي والشيخ عبد القادر الكيلاني، وماء البئر مفحوصة ونظيفة توجد فيها بعض الأملاح لكنها صالحة للشرب.
يضيف الشيخ الدليمي: عندما تم تطوير الجامع وتجديده سنة 612هـ بنيت هذه المئذنة وهي شامخة لحد الآن، يبلغ ارتفاعها 15م تقريباً، وهي مزينة بزخارف إسلامية جميلة جداً وبقيت هذه المئذنة كأثر تاريخي في وسط الجامع الى يومنا هذا وبنيت بجانب الجامع الجديد مئذنة بارتفاع 43م هي الآن تعلو الجامع.
زائرو الجامع والمرقد
للجامع زائرون من مختلف بقاع العالم: من آسيا وأوروبا، كما يقول الشيخ الدليمي الذي أضاف: كل الصوفية في العالم يزورون الشيخ الكرخي لأنهم يعتبرونه شيخهم وأن سلاسلهم الصوفية تمر من خلاله، وحتى الزائرون من غير المسلمين يطلعون على هذه المقبرة القديمة لأنها تحتوي على مفسّرين للقرآن الكريم وعلماء والكثير من الشخصيات الإسلامية التي عاشت في أزمنة مختلفة مثل المفسّر أبي الثناء الآلوسي صاحب (تفسير روح المعاني) والجنيد البغدادي والسري السقطي والبهلول وغيرهم في هذه المقبرة المباركة.