فرحة عيد تقتلها لعبة بيد طفل!

732

علي غني ــ لطيف الصافي/

لايكاد يمرعيد في مدن العراق من دون أن تتحول فرحته الى أحزان لدى كثير من المحتفلين بسبب حوادث بنادق(الصجم)، تلك الألعاب الخطيرة التي تنتهي في يد اطفال لايعون خطورتها، فضلا عن كونها طريقا لتأسيس لغة العنف عند الأطفال في مجتمع ضاق ذرعاً بالحروب والإرهاب والعنف المستمر.

الظاهرة تتكرر ولا رادع لها، لكنها تتصاعد مع تتجدد الأعياد، مادفع المرجعية العليا الى اصدار فتوى تمنع استخدام وتداول اسلحة الاطفال التي تشكل خطراً على حياة الناس لاسيما الأطفال.

بدأت ظاهرة اتنشار بنادق(الصجم) التي يستخدمها الأطفال في الأعياد لاسيما عيدي الفطر والأضحى المباركين بعد دخول القوات الأميركية الى العراق، كما يؤكد كثيرون، بسبب الانفلات الأمني وانشغال أجهزة الدولة بمواجهة الإرهاب. وقد انتشرت اسواق بيع البنادق البلاستيكية في سوق الشورجة ثم الى باقي اسواق الجملة في بغداد والمحافظات العراقية بسرعة البرق، وقد جنى تجار الفرص الانتهازيون مليارات الدنانير، لكنهم حطموا نفوس الأطفال وحوّلوا أحلامهم نحو العنف بدلاً من السلام، فكانت الحصيلة معارك بين العوائل وجلسات عشائرية واصابات خطيرة وخسائر جسيمة فضلاً عن هدر الأموال.

100 إصابة في مستشفى واحد!

يقول الدكتور عمار فؤاد عيسى، اختصاص طب وجراحة العيون/ مدير مستشفى ابن الهيثم التعليمي للعيون في بغداد: إن أيام الأعياد والمناسبات تشهد تسجيل العديد من حالات الإصابة بالنسبة للأطفال جرّاء استخدام العاب الأطفال ذات الإطلاقات البلاستيكية(الصجم)، والتي هي في الحقيقة ادوات ممنهجة لقتل الطفولة البريئة، مبيناً ان المستشفى يستقبل سنويا مايزيد عن (100) حالة اصابة جراء استخدام هذه الألعاب خلال هذه الأيام، واغلب تلك الإصابات تكون خطرة وتحتاج الى اجراء تداخل جراحي كونها تصيب شبكية العين ما يؤدي الى تلف وفقدان النظر، وفي حالات اخرى تسبب نزفاً دموياً حاداً، وبالتالي يتكون الماء الأبيض والأسود.

واضح أن أعمار المصابين تتركز مابين(13-17عاماً)، واصغر بقيل من ذلك، مناشداً، من خلال مجلة “الشبكة العراقية”، المواطنين الى منع اطفالهم من شراء هذه الألعاب الخطرة التي هي نذير بؤس وضياع لمستقبل ابنائنا الأعزاء، مطالبا في الوقت ذاته الجهات المعنية ذات العلاقة بمنع استيراد الصجم والمصابيح الليزرية والعمل على اصدار ضوابط بذلك من خلال تطبيق القوانين واتخاذ اقصى الإجراءات العقابية الرادعة بحق المستهترين بارواح الناس لاسيما شريحة الأطفال وذلك بهدف خلق جيل سليم ومعافى.

وكشف الدكتورعمار فؤاد، مدير مستشفى ابن الهيثم التعليمي، عن أن المستشفى التابع لدائرة صحة الرصافة في بغداد استقبال اكثر من (51) حالة اصابة جراء استخدام العاب الأطفال المحرّضة على العنف ذات الإطلاقات البلاستيكية (الصجم) خلال ايام عيد الفطر المبارك. هذا ما كشف عنه الدكتور عمار، مبيناً أن أغلب تلك الإصابات كانت في منطقة العين، وتحديدا لدى الأطفال، معظمها اصابات خطيرة أُدخل على إثرها المصابون صالات العمليات الجراحية لتلقي العلاج، لافتاً الى انه على الرغم من التحذيرات الواسعة والمناشدات المتكررة، التي اطلقتها دائرة صحة الرصافة ومستشفى ابن الهيثم للعيون في وقت سابق عبر وسائل الإعلام المختلفة، التي اوضحت من خلالها خطورة هذه الألعاب وما تشكله من تهديد حقيقي على صحة وسلامة المواطن العراقي كونها تساهم في قتل فرحة العيد بإصابات قد تكون بالغة تؤدي الى نتائج وخيمة تصعب معالجتها على الصعيدين الصحي والنفسي، إلا أنه وللأسف الشديد جاء العيد مسجلا العديد من الإصابات جراء استخدام هذه الألعاب.

إحصائيات

أعلنت وزارة الصحة العراقية عن إصابة نحو 148 طفلاً خلال ايام الاحتفال بعيد الفطر المبارك قبل ايام، غالبيتهم في منطقة العين، جراء كرات بلاستيكية تطلق من ألعاب على شكل أسلحة تباع في الأسواق المحلية.

وقال المتحدث باسم الوزراة، سيف البدر، “إن المستشفيات استقبلت 148 حالة إصابة لدى الأطفال بسبب ألعاب الصجم (كرات بلاستيكية).”

وأضاف أن “أغلب تلك الإصابات كانت في منطقة العين وتحديداً لدى الأطفال، وتم إدخال عدد منها إلى صالات العمليات الجراحية لتلقي العلاج.”

من جهته أكد مناف عبد الرحيم، العضو في نقابة المحامين، أن “استيراد وبيع ألعاب الأطفال المحرضة على العنف تتحمله وزارتا التجارة والداخلية”، فيما شدد على أنه يفترض على وزارة التجارة مراقبة السلع المستوردة، وأن على وزارة الداخلية تولي مهمة تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون.
وأضاف عبد الرحيم أن “المشكلة في العراق لا تتعلق بالتشريعات القانونية، لكن في تطبيق ما تم تشريعه.”

وأشار إلى أنه “لو تم اعتقال وتغريم كل من يستورد أو يبيع الألعاب المحرضة على العنف، لما لجأ التجار وأصحاب المحال التجارية إلى استيراد وبيع تلك الألعاب، التي تترك أضراراً جسيمة على الأطفال.”

فتاوى دينية

من جهته، أفتى المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني بعدم جواز بيع وتجارة لعب الأسلحة البلاستيكية (الصجم).
وقال السيد السيستاني، في رده على استفتاء وجِّه له حول جواز بيع او اقتناء او المتاجرة بمثل هكذا ألعاب وما تسببه من ضرر، خاصة للأطفال، إذ تؤدي أحيانا الى فقء العين والعمى، فضلا عما تولده من آثار نفسية ومشاعر العنف لديهم: “لا يجوز ان كان يرعب الناس او يصيبهم بضرر.”

استعراض قوة

عن اسباب ولع الأطفال باقتناء هذه الألعاب الخطرة، تحدد الدكتورة إكرام حميد، الاختصاصية بعلم النفس، أسبابا لهذا الولع من بينها تقليد الكبار ومحاكاتهم في اكتساب السلوك العدواني، لا سيما نظرية التعلم الاجتماعي لـ(باندورا) التي تؤكد أن التعرض لملاحظة نماذج عدوانية يؤدي إلى تقليدهم السلوك العدواني.

فضلا عن أن الأطفال يقلدون مايحدث في مجتمعاتهم ومايشاهدونه من العاب تحث على العنف في التلفزيون وعبر ألعاب الإنترنت التي تحتوي على العنف، وتعتبر حميد أن انتشار العنف في المجتمع المحيط وظاهرة القتل والحروب تدفع الأطفال الى تقليد هذه اليوميات التي يعيشونها في العابهم، فاللعب هو الوسيلة الأبرز في كشف مشاعر واهتمامات وتفكير الأطفال والتعبير عن سلوكهم ايضاً.

تجارة رائجة

وتعتبر مبيعات ألعاب الأطفال تجارة رائجة في العراق جذبت الكثير لاقتحامها بالنظر لما توفره من أموال، حيث تنتشر في الأسواق الشعبية محال وبسطات بيع المفرقعات والألعاب النارية والمسدسات والأسلحة البلاستيكية، خاصة منها الأنواع الصينية التي تكون عادة دون ضوابط ومراقبة في تصنيعها.
ويعاقب القانون بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، أو بغرامة مقدارها عشرة ملايين دينار عراقي (8450 دولاراً) كل من استورد أو صنع ألعاباً محرضة على العنف بكافة أشكالها، والحبس والغرامة المالية على كل من باع أو تداول الألعاب المحرضة على العنف.
ويعتقد اقتصاديون ان هذه الألعاب سيئة ومدمرة، فهي سبب في تبديد الأموال بالنظر الى حجم المبيعات الكبير لها، ويستغل التجار ولع الأطفال بها خصوصاً في المناسبات كالأعياد لتحقيق الربح الوفير، وتشهد الأسواق تناميا في بيع الألعاب النارية التي تصبح أكبر وأثقل، ويتسابق الأطفال لشراء أكثرها قوة وتأثيرا وصوتا في غياب رقابة العائلة، وبالتالي تصبح هذه الألعاب خطرة عليهم.

قوانين لاتنفذ!

ولم تنجح محافظة بغداد التي اصدرت قراراً يحظر استيراد أو بيع ألعاب الأطفال من الأسلحة البلاستيكية،”الصجم”، في وقف التجار من إدخالها الى البلاد عبر المنافذ الحدودية وبقبت أوامرها الى الجهات التنفيذية حبراً على ورق، اذ دخلت الأسواق العراقية كميات هائلة من أسلحة الأطفال.

يقول مدير شعبة الصحافة والإعلام في مجلس محافظة بغداد عبد الكريم التميمي إن اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد أصدرت إعماماً بمنع استيراد الألعاب المؤذية والتي تسبب العنف ومنها بنادق(الصجم) للحفاظ على أرواح الأطفال، وقد أرسلنا هذا الإعمام لجميع الجهات المختصة بما في ذلك الشرطة الاتحادية ورجال الأمن.

العيب ليس باللجنة الأمنية في المحافظة لأننا لسنا سلطة تنفيذية، وانما جهة رقابية، واعطينا رأينا الصريح بتلك الظاهرة الخطرة، بل وصل الأمر بنا الى تزويد المنافذ الحدودية بكتابنا الذي يمنع استيراد تلك الألعاب الخطرة، ولكن الكرة في ملعب الجهات التنفيذية.

لكن السؤال هو: ماهو الحل ومافائدة ارسال تعليمات وأومرالى جهات لاتلتزم بها ولاتحترمها، وعلى مايبدو فإن الخلل عميق في ادارة الدولة.
ومنذ عقدين تقريباً استبدل الأطفال العراقيون، الذين تغرق بلادهم في الفوضى والحروب، ألعابهم البريئة القديمة، كدولاب الهواء والمراجيح والعربات التي تجرها الخيول والتي تضفي على حياتهم المتعة الى العاب خطيرة على صحتهم وحياتهم.

يقول صاحب محل لبيع الرشاشات البلاستيكية: “إن الأطفال يرغمون اهلهم على شراء الأسلحة البلاستيكية، وقد لاحظ التجار هذا الولع مادفعهم الى التركيز على شراء هذه الألعاب والاتفاق مع شركات صينية على تصنيعها باشكال مغرية ومختلفة الأسعار.

فيما يوضح حميد نافع، صاحب محل لبيع ألعاب الأطفال، : أن العيد يمثل فرصة جيدة لبيع الألعاب للأطفال حيث ترتفع المبيعات.
وقال إنه يستغرب أن الحكومة تدور حول بائعي المفرد وتنسى أن هذه السلع عبرت من منافذ حدودية وعليها، إن إرادت بصدق ، ان تمنعها من دوخول العراق عبر تلك المنافذ.

ندوات وتوجيهات تربوية

من جهتها، اوضحت مديرة الإشراف الاختصاص في وزارة التربية هديل جميل: ان الوزارة منذ انتشار هذه الألعاب الخطرة في العراق عقدت العديد من الندوات التربوية في المدارس وبمشاركة الشرطة المجتمعية حيث بيّنت للتلاميذ خطورة هذه الألعاب (بنادق الصجم والألعاب النارية والأسلحة الليزرية) على الصحة العامة فضلا عن الصحة النفسية، كما دعت وزارة التربية، عن طريق مجالس الآباء والمعلمين، التي تعقد في المدارس الى اخبار كل الجهات التنفيذية بالمشاركة في محاربة تلك الظاهرة الدخيلة على المجتمع العراقي، الذي يتسم بصورة عامة بالتسامح ونبذ العنف.

ظاهرة مرفوضة

رجل الدين الشيخ ماجد الجبوري، إمام وخطيب حسينية الرسول الأعظم في منطقة الإعلام، قال: إن هذه الظاهرة (بنادق الصجم والألعاب النارية والليزرية) مرفوضة وتحطم نفسية الطفل وتشجعه على العنف ولها اضرار تربوية لأنها تخرج الأطفال عن السلوك السوي، كما انها اسهمت في التمرد على سلطة الآباء لأن العديد من الأطفال يشترون هذه الألعاب سواء أكان الأب راضياً أم لا، لهذا نجد الآباء غالبا ما يشتكون، من خلالنا، عقوق الأبناء، فانا من وجهة نظري أرى أن تحارب هذه الظواهر من الجميع وبصيغة التعاون المثمر، اذ لاتسطيع جهة واحدة أن تحارب هذه الظاهرة الخطيرة.