فقدت ابنتها.. ثم عقلها

48

رجاء خضير /

الدهرُ نصفان, وأحتار أيهما أختار, والى أين ينتهي الترحال؟
قد أكون مخطئة في ظني بالأقدار, وأعلم جيداً أننا لا نحتار, بل نطوّع الأقدار أو ننصاع!
آه, وبعد.. ماذا ترتجي أيها القلب الذي أتعبتك السنون وتركتك لعبة بيد الأقدار..عندها فقط سأعرف كيف أختار.
فالدهرُ.. نصفان!!
روت لي (ج) حالة تعرضت لها، هي نفسها بطلة الحكاية، فتعالوا نسمعها ونشد على يديها على صبرها الطويل وانتظارها المُرّ.
قالت (ج):
أنا من عائلة متوسطة الحال تحب العلم والمعرفة كثيراً, ولأن والديّ لم ينجبا سواي، فقد اهتما بي وأغدقا على تدريسي الكثير.
كان والداي كثيرا السفر, للتأكد من سبب عدم إنجابهما سواي, وقد أخذ السفر منهما الكثير من المال والقوة الى أن اقتنعا أخيراً بأن مشيئة الله أرادت لهما إنجابي فقط.
وبطفولتي –اللامقصودة- كنت أردد عليهما دائماً عبارتي (الله يحبني وجعلني وحيدتكما)، يبتسمان على مضضٍ لأغيّر أنا الموضوع.
بين آونة وأخرى كنت ألاحظ الحزن واليأس على وجه أبي, وحينما أسألهُ يجيبني: لا تشغلي نفسك بأمورٍ أكبر من عمرك, فأردّ وأقول له (لكني كبرت يا والدي, وأنا الآن في السادس الابتدائي, أفهم كل شيء), فيحتضنني ويقبّل رأسي, حينها أحزن من أجله وفي الوقت نفسه أشعر ببرودة مشاعره, وقتها لم أعرف لماذا هو كذلك!
سألتُ أمي عن حزن والدي الدائم وشرودهِ الذي لا ينتهي لتجيبني: أهتمي بدراستكِ فقط.
أضافت (ج):
مضت السنون سريعة, وأكملتُ دراستي وسط هذه الأجواء. بعد التخرج مباشرة زارنا عمي الكبير يخطبني لابنه الذي يعمل في محافظة أخرى, لم تطل زيارة عمي وقتاً طويلاً، خرج غاضباً من بيتنا, ليفسر والدي بعد خروجه سبب غضب عمي, فقد جاء يخطبني لابنه الفاشل في دراستهِ, وغضب لأن والدي رفضه رفضاً قاطعاً!!
سألته أمي: ولماذا هذا الرفض؟
أجابها بعصبية: إن ذريتنا قليلة وإذا استمر الحال بالتزاوج فيما بيننا فسينقرض نسلنا، ثم أنه شاب فاشل، وأخي لم يفهم معنى كلامي واعتبر رفضي إهانة له ولابنه. لذلك انقطعت العلاقة فيما بيننا، لكن أمي كانت تؤكد وتلاحظ أنهم يأتون بين فترة واخرى الى المنطقة ويسألون عنا!
صمتت (ج) قليلاً ثم أكملت قصتها:
بعد عملي بفترة وجيزة تقدم أحد أصدقاء والدي وخطبني لابنه الذي يعمل ايضاً قريباً من مقر عملي، وافق والدي, لأنه إنسان جيد ذو أخلاق حميدة، تم الزواج بسرعة لم أتوقعها, كنت سعيدة وفرحِة بهذا الزواج، ولا سيما أنه جهّز لي بيتاً جميلاً مستقلاً عن أهلهِ.
تقاسمنا الحياة بيننا بحلوها ومرّها, مضت السنة الأولى على زواجنا بدون إنجاب, بعدها أنجبت بنتاً جميلة في السنة الثانية من زواجنا، فرح الأهل والأصدقاء وكل منْ يحبنا.
لاحظتُ أن والديّ كانا يحذراني من مخاوف ما! تخصُ ابنتي, كنت أجهل مصدر خوفهما وقلقهما على ابنتي التي كلما كبرت تكبر مخاوفهما، ولا أعرف السبب! وفي يوم سألني زوجي: لمَ كل هذا القلق من والديك تجاه ابنتنا (حفيدتهما)؟ فأجبتهُ: من حبهما لها.
كبرت ابنتنا أصبحت مؤهلة لدخول الروضة, كبقية الأطفال, وهنا رأيتُ ممانعة أمي وأبي وإصرارهما على عدم ذهابها الى الروضة!
استغرب زوجي من ذلك, بل وتملّكه الغضب وقال لي: هي ابنتي أعرفُ مايفيدها, ولا يجوز التحكم بنا!
حدثت والديّ بما قاله زوجي وبأنه يتضايق من كثرة تدخلهما في شؤوننا، صمتا ولم يقولا شيئاً، واحسست أنهما يخفيان سراً ماَ!
حاولت معهما مراراً بل وتكراراً, ولم أستطع معرفة سر خوفهما على ابنتي.
دخلت ابنتي الروضة, ثم الابتدائية, ويشهد الله كم كان عذابي خلال هذه الفترة, فأنا بين نارين: نار والديّ، وزوجي وقلقه، الذي لم يشعر يوماَ بأنه حرٌ في أسلوب تربية ابنته.
اضطررت يوماً -والحديث لــ (ج)- فزرتُ والدتي في وقت خروج والدي الى المقهى وحدثتها بصراحة مطلقة عن خوفهما على ابنتي, هل يعرفان شيئاً لا نعرفه أنا ووالدها؟ وهل… وهل؟
صرخت أمي وأسكتتني وطلبت مني الخروج قبل أن يأتي والدي ويعرف سبب زيارتي لهما! وهكذا خرجت صفر اليدين من بيت أهلي.
تفوقت ابنتي في دراستها, وكان فرحنا بها لا يوصف, كذلك سارت حياتنا هادئة باستثناء عدم قدرة إنجابنا طفلاً آخر، وايضاً تدخل أهلي ومخاوفهما على ابنتنا.
وأصبحت ابنتنا في السادس الابتدائي, وللظروف التي ألمّت بالبلد بسبب جائحة كورونا, كنت أتابع دراستها في البيت, وإذا ما احتاجت شيئاً أخرج أنا معها او والدها، إذ لا نتركها تخرج بمفردها، وهذه وصية أهلي لنا، نرافقها حتى وإن زارت صديقتها جارتنا, نوصلها الى البيت, ثم نذهب ونعيدها، أما اثناء داومنا -أنا ووالدها- فنترك معها جدتها (أم والدها) لأنها قريبة من بيتنا.
في يوم ربيعي اتصلت أم زوجي بي في الدائرة على غير عادتها, سمعتها تبكي وتدعوني للعودة فوراً الى البيت, ولم أسمع او أعرف ما بها، أخبرت زوجي وعدنا الى البيت لنجد أن الناس قد تجمعوا عند بابنا، ورأيتُ أمي وأبي قد وصلا قبلنا، وأم زوجي تفترش الأرض باكية صارخة وتقول: أنا لم أرسلها، هي التي أرادت الشراء من المحل، وأشارت الى المحل القريب من بيتنا, فعرفنا أن ابنتنا خرجت قبل ساعة ولم تعد، سألنا عنها صاحب المحل الذي أكد لنا بأنها لم تأتِ، وذهبنا الى صديقاتها اللاتي يجاورننا كافة، والجواب ذاته (لم تأتِ). جنَّ جنوني وفقدتُ أعصابي وأنا أفتش عنها في الشوارع القريبة والأسواق دون فائدة, عدتُ الى البيت لأرى زوجي قد أصابته نوبة قلبية ونقلوه الى المستشفى، نظراتي السائلة تشخصت بوجه والدي الذي امتقع لونه وارتجفت شفتاه, وتقدمت نحوه وبأعلى صوتي الهستيري سألته والكل يسمع: يا أبي ممنْ كنت خائفاً عليها, ساعدنا يا والدي في العثور عليها, حاول ضمي الى صدره، لكنني دفعته بقوة عني, لأجد أمي تهدئني وتقول: ستجدها الشرطة أن شاء الله. وصرخت، وصرخت، لأرى كل الواقفين يبكون معي على ابنتي التي لا أعرف مصيرها!
ثم تذكرت وقفزتُ الى حقيبتي لأخرج هاتفي: قد خُطفت ويريدون فدية!
قد يعثر عليها شخص ما وأعطيه رقمي ليتصل بي!!
قد تجدها الشرطة وتتصل بنا بعد أن حصلت على أرقامنا،
و…. قد …. وقد….
حاول الجميع إسكاتي من العويل والصراخ دون فائدة، لا أعرف كيف غفوتُ وأنا ممسكة بالهاتف، وحينما صحوتُ رأيت أمي وأبي وأهل زوجي حولي, فصرخت: كاميرات المراقبة، كاميرات المراقبة، فأجابني شقيق زوجي: فتشت الشرطة فيها لكنها وجدتها معطلة لا تعمل!!
إذن، أصبحت ابنتي فريسة للذئاب البشرية؟ أم هي دفعت ثمناً لحقدٍ دفين من قبل أقربائنا؟ أم أنها ضلّت الطريق إلينا, وتلاقفتها إيدي السوء.. لتتاجر بها؟!
مرت الأيام والأسابيع، بل والسنة الأولى على فقدانها, ولا دليل على وجودها او موتها -لا سمح الله- وأصيب والدها بشلل نصفي، وأنا أصبتُ بكآبة شديدة عشت في بيت أهلي على إثرها، عملي هو احتضان الهاتف الذي سيرن يوماً لأسمع صوت ابنتي….
او طلبات منْ خطفوها!!! أو…. أو…. والبقية للزمن.