فن الطبخ: كيف ارتبط الفنانون بالطعام على مدى التاريخ؟

580

ترجمة: جمال جمعة /

على الرغم مما يبدو بأننا نعيش عصراً لم يسبق له مثيل، مصاباً بهوس تناول الطعام على الإنستغرام، إلا أن الناس في الحقيقة كانوا دائماً مندفعين بإبداع وإلهام من قبل الطعام. شهيتنا تؤثر باستمرار على الثقافة. فطالما كنا نعبر عن أنفسنا فنياً، فإن الطعام سيبرز متميزاً في بعض المراحل.

وفي حين أن الإلهام الذي يثيره الطعام ليس أمراً يستحق النشر، فإن علاقة الفن بالطعام ليست بعلاقة جامدة. فالخط الذي يتقاطع فيه الطعام بالفن متغير باستمرار، ما يؤثر على الكيفية التي نرى فيها الممارسين في كلا الفرعين. إن النظر إلى كيفية تفاعل هاتين الصناعتين يكشف لنا عن بعض الرؤى المثيرة حول العوامل الدافعة وراء هوسنا الحالي بالطعام وكيف سيبدو طعامنا وفننا في المستقبل.

ثمة العديد من الأسباب التي تجعل الطعام جذاباً كموضوع فني. كشيء جوهري للبقاء، يمكن فهمه وتقديره من قبل جمهور عريض. أنت لا تحتاج إلى خلفية معرفية كبيرة لكي تتعرف على سلطانية مليئة بالفاكهة.

بسبب هذه العالمية، الطعام يمثل استعارة عظيمة لنقل كل أنواع المعاني. الفنانون استخدموه لإظهار المشاهد “الحقيقية”، كما في الفسيفساء الرومانية والتصاوير الجصّية على الحيطان، إضافة إلى لوحات الطبيعة الساكنة الأكثر مجازية التي أبدعها أساطين الفن الهولندي والفلمنكي.

لا يكتفي بعض الفنانين بتصوير “تقليدي” للطعام. ثمة نموذج مبكر لفنان يمزج الطعام بطريقة غير مسبوقة على الإطلاق، وهو رسام عصر النهضة الإيطالي غيسيبي أرسيمبولدو. كان أرسيمبولدو معروفاً على نطاق واسع برسومه المرحة للشخصيات الشهيرة المعاصرة له، والمؤلفة بالكامل من الفاكهة والخضار. ولعل أكثر أعماله شهرة وجرأة كان تصويره للإمبراطور الروماني رودولف الثاني على هيأة إله الفصول الروماني فيرتيومنوس. ولحسن حظ الفنان، فإن رودولف الذي كان يتمتع بحس الفكاهة قد رحب بذلك التشابه الباهر بعض الشيء، وأظهر أرسيمبولدو للآخرين كيف يمكن أن تكون الجرأة الإبداعية ممكنة حينما تتعامل مع الطعام.

شهد القرن العشرون بعض الخطوات الجذرية الحقيقية التي قام بها فنانون يركزون على الطعام. في هذا الوقت، كانت قد انبثقت جمهرة من الحركات الفنية حول العالم. من بين أكثرها غموضاً كانت حركة المستقبليين الإيطاليين. وبالتركيز على الحداثة، كان المستقبليون عازمين على التأثير على كل واسطة فنية، بما في ذلك الطعام. ونتيجة لذلك الالتزام أصدروا عن منشورات فيليبو مارينيتي “بيان الطهي المستقبلي” عام 1930.

كان “البيان” مزيجاً استثنائياً من الفني والغرائبي ـ ويقدم بعض وجهات النظر المتطرفة حول وجبات الطعام. اقترح مارينيتي إلغاء الشوكات والملاعق والسكاكين، النقاش السياسي يكون محظوراً وبعض الطعام يترك على الطاولة دون مس، وبدلاً من ذلك يمكن “تذوقه بالعينين والأنف”.

بالرغم من ان أغلب ما ورد في بيان الطهي المستقبلي يبدو سخيفاً قليلاً، إلا أن تأثير فلسفته لم يزل محسوساً حتى يومنا هذا، إذ برهن على أنه مصدر إلهام للفنانين الآخرين في القرن العشرين، ولعل أكثرهم شهرة كان السوريالي الاستفزازي سلفادور دالي، بابتكاره لتلك القطع الفنية الغذائية الشهيرة، مثل “هاتف السلطعون” و “بورتريت شخصي باللحم المقدد”. كان يعشق الطعام إلى درجة أنه نشر كتاب الطهي الخاص به، “عشاء مع غالا”، في عام 1973. ويضم أكثر من 130 وصفة مستقلة إضافة إلى رسومات توضيحية أصلية من قبل ذلك الفنان الشهير. كان الكتاب يؤكد على الإغواء الذي يحتويه المطبخ من ناحية الانجذاب الفني.

مع مرور الزمن، أضحى الخط الفاصل بين الفنان والطاهي أشدّ ضبابية. في أوائل التسعينات ابتكر ريركريت تيرافانيا سلسلة مشاريع تتمركز على قوة الطعام المشترك. محولاً فضاءات إبداعية حول العالم إلى غرف للطعام لإطعام مئات الأشخاص في يوم واحد، سدّ تيرافانيا الفجوة بين الغاليري والمعرض. في الآونة الأخيرة، خطا فنانون مثل بيتر بليك وداميان هيرست على هذا النهج خطوة أبعد، إذ افتتحوا مطاعمهم الخاصة في محاولة منهم لصياغة اتحاد دائمي أوثق بين الفن والطعام. أن نعيش في عصر ما تزال فيه أسماء كبيرة مثل هذه عازمة على استكشاف تلك العلاقة، يسلط الضوء على تأثير الطعام المستمر في العالم الفني.

تماماً مثلما أثّر الطعام على الفن، فقد أثّر الفن على الطعام كذلك. ففي كل مطعم عصري تقريباً تكون موائد الطعام محاطة بجدران مزينة بلوحات وقطع فنية مصنوعة من قبل صناع محليين، معززين التجربة. لكن ليس فقط فضاء المطعم فقط الذي سيعرض المواهب الفنية، المطاعم الراقية والطهو الرفيع أضحى كلاهما يعتمد بشكل متزايد على التقديم المتقن والفاخر، وفلسفة التهام الطعام بعينيك تُمارس في كل مطعم راقٍ تقريباً. بعض الطهاة يذهب إلى أبعد من ذلك. غرانت أتشاتز، على سبيل المثال، قام بتحويل طاولات الضيوف إلى لوحات جنفاص “يرسم” عليها الحلويات. أن يوجد لدينا الآن طهاة مستعدون لتولي وظيفة فنية كهذه، يرينا مدى تشابك المهنتين في وقتنا الحاضر، ولن يمضي وقت طويل حتى ينظر إلى الفنانين والطهاة باعتبارهم صنفاً واحداً، متشابهاً.