فيتنام..بلد المصالحة الوطنية الحقة!

832

طه رشيد/

تعد فيتنام واحدة من أهم دول العالم في الكثافة السكانية إذ يتوزع كل 250 شخصا أو أكثر قليلا على مساحة كيلومتر مربع واحد. والسبب يعود كون فيتنام بلدا مائيا، يحدها من الشرق بحر الصين على طول اكثر من (2000) الفين كلم. وابتداء من هانوي في الشمال نزولا عند سايغون (تغير اسمها بعد التحرير الى هوشي منه) في الجنوب نمر بعدد كبير من المدن العامرة حيث تشتمل فيتنام اليوم على 62 محافظة.
وخارطة فيتنام طولية وضيقة جدا، وانعكس هذا على تصميم الأبنية والمنازل، إذ يلاحظ العديد من تلك البنايات بواجهات أقل من المترين وممكن ان تمتد بعمق يصل الى اكثر من خمسين مترا وربما قلة اليابسة هي التي دفعتهم الى هذا الطراز من البناء.
هجرة معاكسة
لقد تم تحديد الخط الفاصل بين الشمال والجنوب عند مدينة دا نانج Da Nang تقريبا الواقعة على خط عرض 17 وبذلك انقسمت فيتنام التي تمتد طوليا على مسافة تزيد على 2000 كيلو متر! الى قسمين الشمال والجنوب وكلاهما يضم مجموعة كبيرة من المدن. وجرى ذلك التقسيم خلال منتصف الخمسينات من القرن الماضي في السنوات الأخيرة لتواجد الاستعمار الفرنسي. تم بعد ذلك تواجد حكومتين، شيوعية في الشمال (هانوي) ورأسمالية في الجنوب (سايغون – هوشي منه بعد التحرير). ونتيجة للدعاية الأمريكية ضد حكومة هانوي تحت شعار (مريم في خطر)! انتقلت آلاف العوائل الكاثوليكية من الشمال إلى الجنوب وحدثت هجرة معاكسة ولكن بشكل أقل خوفا من بطش حكومة سايغون العميلة بالشيوعيين والمقاتلين المتخفين. عندما بدأ تحرير فيتنام دخلت قوات الثوار إلى المدن التي سقطت بأيديهم. لقد ذكر لي بعض كبار السن من مدينة سايغون – هوشي منه، الذين يتحدثون الفرنسية، بأن القوات الأمريكية المنسحبة قد أخذت معها العديد من المتعاونين مع حكومة سايغون. وعدد كبير من سكنة الجنوب توجهوا إلى ميناء سايغون للهرب عبر بحر الصين، وهو ما يفسر وجود جالية فيتنامية كبيرة في فرنسا على سبيل المثال تشكلت ملامحها في منتصف عام 1975.
ويضيف المسنون: تفاجأنا بأشكال الثوار.. كانت ملابسهم رثة. معظمهم حفاة متسخين وقد احتلوا عددا من المباني الحكومية وبعض الدور التي هجرها أصحابها! إلا أن الحكومة الجديدة أصدرت تعليمات مشددة في هذا الشأن، تلتها حملة كبرى للمصالحة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد. ووزعت آنذاك آلاف البوسترات التي تدعو لهذا الغرض وسرعان ما استجاب المواطنون لهذا المسعى.
مشكلة بائعات الهوى
وكانت مشكلة أخرى في سايغون المحررة وهي وجود عدد كبير من (بائعات الهوى)، إذ ان الإدارة السابقة حولت المدينة إلى ماخور للضيف الأمريكي! وتم حل هذه المشكلة من خلال دمج هذه النسوة في المجتمع مجددا من خلال إيجاد فرص عمل حقيقية لهن سواء في المزارع أم في المعامل. ما لاحظته في زيارتي الأخيرة لفيتنام هو عدم وجود أي شعار أو لافتة تذكر أو تندد بالحقبة السابقة، إذ اعتبروها صفحة من الماضي طويت الى الأبد. ولم الحظ وجود اي شحاذ في كل المدن التي زرتها! كما تخلو المدن الفيتنامية من صور الزعماء والقادة باستثناء صورة القائد التاريخي هوشي منه المنتشرة في معظم المدن.
قلة اليابسة والتأقلم مع الواقع
اللغة الفيتنامية والديانة البوذية بشكل عام هما اللذان يشكلان عناصر الوحدة الاساسية بين الشمال والجنوب. هناك أقليات تتحدث اللغات الصينية والكومبودية والخمير.
قلة اليابسة وارتفاع نسبة الكثافة السكانية دفعت الفيتنامي ان يتأقلم بطريقة عملية مع هذا الواقع، فراحت المطاعم الشعبية، على سبيل المثال، والتي تستخدم الأرصفة المقابلة لمطاعمها، باستخدام كراسي صغيرة (تشبه كراسي الأطفال، ولكنها للكبار) تجتمع حول طاولات صغيرة ايضا من أجل الاقتصاد بالمكان. ففي رصيف واحد طوله مائة متر يمكن ان تشاهد الاف الناس من السواح وأهل البلد وهم يتناولون وجباتهم على الأرصفة المتقابلة. تلك الوجبات تتكون من المشويات على مختلف انواعها، وبالاخص البحريات، ومن المرق والشوربة (السوب). ويعد الرز المرافق الرئيس لمعظم الوجبات، وبالمقابل لا تحبذ تلك المطاعم استخدام الخبز الا ما ندر، ونفس الشيء بالنسبة للشاي الأسود فهو نادر الاستخدام في تلك المطاعم والمقاهي لانهم يحبذون الشاي الأخضر الذي يقدمونه قبل وجبة الطعام.
الدراجات النارية
ولقلة الامكنة يمكن لك ان تجد على الارصفة “حلاقا” اتخذ من احدى زوايا الشارع مكانا له وهو مرخص من بلدية المدينة وفق أجر معلوم للمكان!
قلة المكان انعكست على المركبات والسيارات فنلاحظ الاستخدام الواسع للدراجات النارية في كل المدن الفيتنامية، وبالاخص عاصمة الجنوب الاقتصادية سايغون ـ هوشي منه التي يبلغ عدد نفوسها سبعة ملايين بينما عدد الدراجات النارية في المدينة خمسة ملايين!!