فيلم (سبنسر) الجانب المُظلم للملوك

56

علي الياسري /

كنهاية لرومانسية قاتمة توجزها عبارة افتتاحية: (حكاية من مأساة حقيقية)، يتخذ سرد فيلم (سبنسر) للمخرج التشيلي (بابلو لارين) شكل وأسلوب الأدب القوطي في مسعى من الكاتب (ستيفن نايت) لتفكيك النظرة التقليدية للعائلة الملكية، المؤطرة بالكثير من لبوس الوقار والبراءة والوداعة، وسعياً نحو إظهار تلك الصفات الخبيئة في أعماق ظلمة القلاع والقصور العتيقة، حيث تُلقي بظلالها على سلاسل لا تنتهي من تراجيديا أشخاص قُمعت أرواحهم وأُسكتت أصواتهم خلف تلك الجدران المُسجِلة لتاريخ طويل من القسوة والظلم. فالبيئة المكانية الموحشة والغامضة والأجواء المناخية الكئيبة التي يتمثل فيها الرعب والخوف المتولد من وجود شخصيات ذكورية متسلطة، تساعدهم مكانتهم المرموقة في بث جوانب الشر، يجسدون عناصر البناء الروائي القوطي المترافق مع وقوع البطل –في الغالب امرأة- في سلسلة من أحداث معاكسة تزيد من محنتها المسبقة وتفاقم كوابيسها.
خلقت معالجة الفيلم السينمائية رؤية باروكية أنثوية فيها العديد من إلهامات سماوية تتعامل مع الواقع المرير المُكبل بالقفز على أجنحة الخيال والوهم لإبراز عبث المظاهر المزخرفة للأفراد والأماكن، في انحراف حاد صادم تخلقه كاميرا غير مقيدة تميل إلى التعمق في المنظور وتفاصيله لصياغة الفكرة الرئيسة (شخصية ديانا)، من خلال إطلالات متعددة على وجودها في لحظة زمنية فارقة يحيطها غموض النهايات.
لقد سعى المخرج لارين إلى استثمار الطبيعة بتجلياتها المختلفة لإدراك ماهية الأرواح وتوظيف تغير الفصول لرصد جوانب حياتها وحتمية الموت المقبل، كالأشجار والحقول الجرداء وذلك الطائر الميت المُلقى على قارعة الطريق، تسحقه عجلات مظاهر القوة والغطرسة، وتفعيل مدى القتامة كواقع نفسي متفاقم في تلك الألوان الداكنة المتدرجة من الرمادي إلى الأزرق لتصوير المعاناة والألم والحزن.
خطأ درامي
عشية عيد الميلاد، تقضي ديانا آخر أيامها رفقة العائلة الملكية، مُجبرةً على تقاليد وأعراف تمقتها، لأن خلف شكلها البراق الزائف يكمن الكثير من الأحقاد والريبة والكذب والظلم. لا يقف الفيلم وصانعوه على الحياد مطلقاً، فبدءاً من العنوان تبدو واضحة الجهة التي ينحاز إليها، فـ(سبنسر) هو اسم عائلة ديانا قبل زواجها من الأمير تشارلز. يمتد العنوان ضمن السرد وتطوره ليمثل خطاً درامياً مهماً يتطور من تداعيات الذاكرة المُستعادة، التي يمثلها حقل العائلة والفزاعة التي ارتدت سترة والدها، وانتهاءً بالمنزل المهجور، غير أنه يمتلئ بالدفء والحب الذي تفتقده في صقيع قصر العائلة الملكية. لقد عادت إليه ببدلة بيضاء، كما غادرت قبل سنوات عروساً لولي عهد إنجلترا، وبخروجها منه مرة أخرى ستكون ديانا سبنسر فقط بعيداً عن القفص الذهبي المقيت الذي أفقدها روحها كطائر حر. يقارن صانع الفيلم بين طبيعتها وعفويتها الخجولة مع عامة الناس، مع ردود فعلها المتمردة حين تكون أسيرة قيود الارتباط بالسلوك الملكي المنمق بالرياء. يبدأ ذلك مبكراً في مشهد دخولها إلى المطعم لتسأل عن الطريق، لوضع المُشاهد في إطار ما يراها به الشعب المتقاطع مع نظرة النظام وحاشيته إليها.
تدخل الليدي (دي) رحلة كابوسية بمظاهر (كافكاوية) من خلال المواجهة مع أشكال السلطة المتعددة التي يمثلها (الميجور غريغوري)، وسعيه الدائب لترويضها وقمع روحها ضمن هدف إبقائها في متاهة عالم يمتلئ بأشباح الماضي، تصبح فيه الحياة وظيفة ومهامَّ محددة. لا يتردد الكاتب الإنجليزي أو المخرج التشيلي في توجيه الاتهام إلى النظام الملكي ومؤسساته العلنية والسرية في مسعاهما للتخلص من ديانا. وما وضع الكتاب المتعلق بحياة الملكة القتيلة (آن بولين)، زوجة الملك هنري الثامن التي تم إعدامها بتهم ملفقة لتحقيق مآرب شخصية للملك، إلا حلقة في سلسلة متكررة منذ قرون، فيحدث تواصل شبحي مع تراجيديا الملكة يخلق من خلالها الفيلم ميلودراما ناضجة لا تسرف في افتعال التشنجات، ولا ترفع مستوى الشكوى حتى مع تساؤلات ديانا (هل سيقتلونني؟) فهي تصنع الأمل بمحاولاتها المتعددة للهرب، سواء سعيها في تجاوز الأسوار، إلى زيارة منزل أبيها في ليلة مظلمة ممطرة، وحتى تجولها في حقل العائلة حيث فزاعة الذكريات، التي ستجعلها ترتدي ثيابها، في إشارة إلى استعادة مسار حياتها من ماضٍ حقيقي إلى حاضر واثق يتطلع لمستقبل أفضل تهرب إليه مع أبنائها إلى عيشة طبيعية يأكلون فيها البرغر وهم يجلسون على
ضفاف النهر.
إن تمسكها بولديها هو محاولة للبقاء على قيد الحياة والتطلع إلى المستقبل الذي لا وجود له ضمن إطار العائلة الملكية، فالماضي يحكم وإليه ينتمي حتى الحاضر، لذلك سعى الفيلم إلى التركيز على عودة ديانا نحو جذورها لكي تستطيع أن تصحح مسار الزمن الذي اختلّ منذ لحظة زواجها وشوّه حتى ذاكرتها، إذ سينتهي لاحقاً بطلاقها.
البناء البصري
يمثل شريط الصوت والموسيقى التصويرية التي وضعها جوني غرينوود عنصرين مهمين في خلق البيئة الشعورية للفيلم من خلال جمعه الباروك الكلاسيكي والجاز الحر، لما فيهما من حس درامي متنوع ومتنافر يتعزز بإثارة نفسية عملت على خلق هارموني مع الأداء الرائع لـ(كريستين ستيوارت) التي بدت ناضجة وفي ذروة توهجها التمثيلي، إذ عملت على التقاط الحركات والإيماءات، وحتى اللهجة، لشخصية ديانا وتحويلها إلى تعابير جسدية تمثل صراعات الليدي دي الذاتية ومظاهر مزاجها العام المنعكس من سلوكياتها، فاجتهدت إلى عدم تقليد ديانا، بل تقمص روحها وإظهار هواجسها، بعيداً عن المطابقة التجسيدية التي قدمتها (إيما كورين) في تمثيل جيد -لا ريب بذلك- في مسلسل التاج.
ساعدت كاميرا مديرة التصوير السينمائي (كلير ماثون) في رصد جوهر الشخصيات، ببناء بصري أفقي سعت فيه إلى استعراض المكان وسكانه وكل عناصره التكوينية، كما تحركت عمودياً حين الاقتراب أو التتبع للشخصية والعناصر ضمن المشهد للإمساك بالمشاعر المختلفة، وما تنثال به على الأفكار المؤسسة للسرد، وبما يخلق المزاج النفسي المطلوب كحكاية رعب قوطي كابوسية. كل ذلك ضمن منهجية بابلو لارين الإخراجية التي دأب فيها على معالجة المظاهر والأحداث السياسية والاجتماعية في سياقها التاريخي وفق رصد ذاتي، يمنح الفيلم فيه سيرة الفرد وهواجسه كل المساحة الدرامية اللازمة لتثوير الخيال لغرض اكتمال النظرة العامة.