في أساطير الشعوب القديمة

161

باسم عبد الحميد حمودي /

جمع طلبة الثقافة الشعبية في أرجاء العالم المتحضر أساطير الشعوب القديمة في القرن التاسع عشر، ووجد الدارسون أنها لا تعد حكايات خرافية تقرأ للتسلية ولتزجية أوقات الفراغ، بل إنها تمثل أدوات علمية خطيرة وغنية بما توفره من إمكانات تثير كثيراً من النقاشات حول حضارة البلاد التي أنتجتها ومجتمعها.
من هذه الأساطير خرجت الدراسات التطورية في الإثنوغرافيا (تايلر) والإيكولوجية (داريل فورد) والنفسية (فرويد) والوظيفية (مالينوفسكي) والسوسيولوجية (دوركايم وتلامذته) والعقيدية (بارسونز) وعليها أيضاً اعتمدت معظم تجارب المسرح اليوناني القديم.
نظم هوميروس الإلياذة والأوديسة، لا للقراءة والاستمتاع الأدبي المحض، بل للتلاوة والإنشاد في المحافل ومجامع السمر، كما يؤكد (دريني خشبة) في ص7 من ترجمته لقصة طروادة، وهوميروس بذلك يقوم بدور المنشد الشعبي، الحكواتي الجوال الذي كان يتحرك بين الأمصار لينشد للناس تاريخهم الأسطوري بلغة شعبية سهلة ممتنعة، وهو بذلك يتشابه مع دور الحكواتي في العالم العربي الذي كان يروي للأجيال الماضية حكايات وملاحم كعنترة وعبلة والمياسة والمقداد والزير سالم والسيرة الهلالية والأميرة ذات الهمة وفتوح اليمن وسواها.
من هنا كانت الإلياذة ملحمة شعرية وشعبية مثلما كانت الحكايات الشعبية العربية حاوية للأساطير والمبالغات والخرافات، فضلاً عن تدوين بعضها أجزاء من التاريخ الشعبي، وهذه قضية تستحق الدراسة على حدة، إذ لا علاقة مباشرة لها بالأساطير إلا من باب الرواية (الحكي) والإنشاد.
يسأل رولان بارت بعد عدد من الصفحات من كتابه (الأسطورة اليوم)عن خصوصية الأسطورة ثم يجيب: “خصوصيتها تعني تحويل المعنى الى شكل وبعبارة أخرى الأسطورة دوما هي اختلاس اللغة.” وهو إذ يحلل الأسطورة من جانبها اللغوي السيوسولوجي، إنما يعدّها لغة مختلسة من الماضي بوصفها لغة لا تريد أن تموت.
المهم أن النقد الشكلاني الحديث بدأ دراسة المجتمعات البدائية الأولى ليحلل لنا فكرها الأسطوري والغنائي، فكرها التراثي، وأنك لتجد ذلك واضحاً لدى ستراوس في (الفكر الوحشي)1962 و(أسطوريات) 1964، أضافة لاهتمامه البحثي بالموسيقى الشعبية.
وقد أسهب بول ريكور في كتابيه (الإنسان الخاطئ) و(رمزية الشر) في تقديم الأمثلة الوافرة من الإنجيل والأساطير اليونانية ليستخرج منها مفاهيم الشر والغفران، كما تقول أديث كروزويل في كتابها (عصر البنيوية) ص102 باحثاً في أساطير الخلق الأولى وأساطير الشرق الأوسط.
ظل الاهتمام بالموسيقى في مؤلفات هؤلاء الدارسين عاملاً أساسياً من عوامل البحث مثلما اهتمت الحركة الرومانتيكية قبلهم بأغاني الحكايات الشعبية، وقد ظل الاهتمام بهذه الحكايات وتقسيمها علمياً متصلاً حتى يومنا هذا في دراسات تتجدد باستمرار شأنها شأن الدراسات في الأسطورة الشعبية وتمثلاتها.