في الطريق إلى (المتنبي) مروراً بالشورجة منفذ (مجاهدي) الإرهاب إلى جنات القتل

261

عبد الزهرة زكي/

كان علينا، أنا والصديق الكاتب قاسم محمد عباس، أن نترك السيارة في آخر مكان مسموح به من شارع الجمهورية في تلك الأيام (آذار 2007)، وكان هذا قريباً من جامع الخلاني، لنتمشى بعد ذلك إلى حيث شارع المتنبي في أول الصباح بعد يوم تفجيره مباشرة.
كان ما تبقى من الشارع يمرّ بالشورجة. أعتقد أنها المرة الأولى التي أسير فيها في منتصف هذا الشارع المكتظ عادة بالسيارات؛
التمشي في منتصف شارع خالٍ، وقد كان راسخاً بالبال أنه شارع مكتظ، يظلّ يذكّر في كل لحظة أنك في مكان يحيا ظرف طوارئ وخوف وتحسّب. وواقعاً كانت بغداد كلها في ظرف طوارئ قاهر، بينما تحيا المنطقة التي كنا نتمشى فيها في أثناء ذهابنا إلى (المتنبي) خطراً مضاعفاً، فالشورجة وزحمة المتبضعين فيها هي من منافذ (مجاهدي الإرهاب) إلى جنات القتل، إنها من الأماكن التي تثير شهوات الانتحاريين لتنفيذ جرائمهم باستهداف الكثافات البشرية فيها، إنْ ليس بالسيارات المفخخة فبالأحزمة الناسفة، بينما على مسافة ليست بالبعيدة عن المكان يكمن الخطر الأكبر الذي شلّ قلب الرصافة حينها وذلك مع سقوط حي الفضل في قلب المدينة بأيدي عصابات القاعدة.
نمضي، أنا وقاسم، فيما كانت كلّ خطوة نتقدم بها تجعلنا أقرب إلى الخطر في منطقة الفضل. اقترحت على قاسم أن نسلك طريق شارع الرشيد بدلاً من (الجمهورية)، لكن (الرشيد)، ومع كونه شبه مغلق، هو الآخر كان هدفاً لجرائم ارتكبها المجرمون بالمفخخات التي كانت تريد استهداف المصارف الكبرى ببغداد، وكلها هناك، في شارع الرشيد.
واصلنا السير؛ وبخلاف كل منطق معقول فإن اكتظاظ باعة البسطات والعربات على الرصيف وفي عرض الشارع كان يزداد كلما تقدمنا باتجاه الخطر، إنه البحث عن رزق حلال لا بد من كسبه حتى بمثل هذه المجازفة من أجل أن تدام حياة عوائل ويواصل أولاد تعليمهم ويتعالج مرضى ويدارى جرحى. تحدثنا، في الطريق عن هذا التقابل المتوازي بين الموت والحياة؛ العمل كوسيلة للحياة إنما في المكان الخطر القريب من الموت كثمن باهظ ليس سواه من ثمن لمواصلة الحياة. لم نقف كثيرا عند هذا التفصيل المؤلم؛ فنحن أساساً كنا ذاهبين لإحياء ذكرى تفجير الأمس الذي طال ناساً كانوا يديمون حياتهم وحياة عوائلهم في مكانٍ (هو شارع المتنبي) كان بموضع أشد خطراً مما كانت فيه (الشورجة) وأكثر قرباً من مركز القاعدة في الفضل بينما يقابل شارع المتنبي، وعلى الطرف الآخر ما بعد دجلة، شارع حيفا الذي سقط جانب منه بأيدي القاعدة أيضاً ومعها جماعات مسلحة أخرى. في تلك السنة كان يمكن القول إن ما يقارب ثلث أحياء بغداد باتت خارج سيطرة الدولة، إنها أماكن للقتل والذبح والخطف والتفخيخ.
ما زال في الوقت المحدَّد لجلسة شارع المتنبي فسحة سمحت لنا بالتفكير بزيارة كنيسة ودير اللاتين المجاورة للشورجة والسوق العربي. في التسعينيات زرنا هذه الكنيسة التي كانت قد شُيدت في منتصف القرن التاسع عشر تقريباً وذلك لاتخاذها من الآباء الكرمليين مكاناً لإقامة المراسيم الدينية والعبادة، وقد اتخذ تسمية دير مار توما. كان الصديق الباحث حسين محمد عجيل مهتماً بمراسلات وتراث الأب إنستاس مار الكرملي، حيث زرنا المكان أكثر من مرة سنوات التسعينيات. عدلنا عن فكرة الدخول إلى الكنيسة، لقد كانت محاطة بأسيجة كونكريتية ضخمة تحسباً من تفجير يستهدفها، وبدت لنا التحوطات الأمنية الشديدة تعبيراً واضحاً عن قلق الكنيسة ومن فيها، وجدنا من غير المناسب التسبب في قلق قد يخلقه مجيء زائرَين غريبين مثلنا إليها في تلك الظروف بالغة النحس.
سنكون مغامرَين لو واصلنا السير نحو الأمام بعدما اجتزنا الشورجة وبلغنا مفترق الطرق؛ اشتد صوت رصاص متقطع، صار واضحاً أنه ينطلق من أكثر من مكان قريب وبعيد. اتجهنا صوب ساحة الرصافي، كان يجب عبور الشارع بأقصى سرعة وبحركة موجيّة ينبغي أن لا تستقر على خط محدد، إنها الخشية من رصاص قناص متوقع من الجهة المقابلة حيث أطراف بيوت (الفضل).
رنّ الهاتف في جيبي؛ كانت المتصلة أم حيدر، كانت تريد الاطمئنان على بلوغنا المكان بسلام.. طمأنتها: (كل شيء بأمان واستقرار، لا داعي للقلق، ما يقال هو ليس اكثر من مبالغات)، ولزيادة الاطمئنان فقد وعدتها بزيارة مشتركة قريبة لسوق الشورجة الذي كثيرا ما كنّا نقصده معاً للتبضع. لقد اعتادت على القبول بتمرير مثل هذه الكذبات التي يراد منها الطمأنة، فقد ضحكتْ وسمعتُ منها دعاءً قبل أن ننهي المكالمة.
حين بلغنا الرصافي بتنا مطمئنين، في الأقل اجتزنا خطر القناص. اقترح قاسم تناول شاي من بائعٍ شاب كان قد أغلق مقهاه لانفضاض الناس عنها خشية التفجير فواصل بيع الشاي عند الرصيف أمام مقهاه على عابرين مثلنا. لم يستطع الحديث معنا عن تفجير أمس في (المتنبي).. مع أولى كلماته اختنق بعبرةٍ موجعة فلاذ بالصمت فاحترمنا حزنه فصمتنا.
لكن قبل أن ندلف في الشارع استوقفتنا سيدة عجوز وهي تتقدم نحونا، أرادت أن تنحني لتقبل كفي، فارتبكت وسحبتها بصعوبة، إنها بعمر أمي، تعثرت بطرف عباءتها فسقطت وبقيت حيث هي تبكي، كانت تتساءل متوسلة: يمه، الله يحفظكم من شر بني ادم، ما شفتوا ناصر؟ هو مثلكم هيج وخوش ولد ومن جماعة (المتنبي)، وليدي ما رجع من البارحة لليوم بالمتنبي يشتري كتب؟ ما تعرفوه، ما تدرون وين صار؟ فرحوني، الله يفرح امهاتكم بيكم؟
التتمة في العدد المقبل.