في چادر الحرب.. نايم المدلول حلوة نومته

67

مجلة الشبكة /

لأن الموتى مبتوري العمر لا يروون الحكايات، لذلك ظلت ونة حسين البصري وويلاه المعجونة بحزن حايل ومرارة بارود غض تشبه التربيتة على القلب الأسمر المملوح، أسير الحيرة بوجهه الكظيم وهو يبز حواف القلوب ويسرد لنا نكبتنا بـ “نايم المدلول.. حلوة نومته”.. بدلالة كفه المضمومة الى خده كلما غناها ناعياً بصوت كورالي يفتقد من غابوا وحولتهم حرب القادسية الموهومة الى تراب.
كم كنت على حقٍ وأنت تكتب الفجائع بصوتك وتؤبن زخّات القهر في وقتٍ لم يكن فيه أحدٌ يحسنُ عدَّ الصراخ المضموم داخل حيطان بيوتنا، بينما الإحساس بالظليمة يتضاعف في شوارعٍ بها الموت يتمشى، بل يُشبه التأمل الطويل الذي يعوّد وليداتها السمران على إتقانِ صلاة الوحشة تتويجاً للخسارات، وأحياناً يطلق النار على ذواتنا بذخيرة ناعمة تشبه صوت قهقهة (كاوليّات) جارنا البعثي الذي أصر ذات خميس أن يزوج وحيده الطائش بزفاف باذخ وفخفخة ظلت سالفة في أفواه جيران المنطقة لأيامٍ متتالية ومتناسية لأي صوت آخر.
الكتابة عن المألوف وتحاشي الاصطدام بالقلوب فجأة، قطعاً هي مهمة صعبة ولن تنفعني الرتوش حينما يكون اللقاء مع الحرب أخير وعشتهُ وحيدة، أنا الصغيرة بضفائر وعقل محكم مثل صندقچة، لم أكن افهم أبديّة ثغيب حبوبتي (تدبارة) التي كانت تلف عصابتها الشيخانية وشَيلتها البريسم المطينة كأيّة جنوبيةٍ دَسِمة اللَّوعة مثل جِدْر الحسين، لم تكن تنام إلا على فراشٍ من الأرض الخام، وفي ساعةِ الغروب ترسمُ بمَجسّاتها النقيّة داخل المُخيلة (چادر) مواساةٍ غريباً وبعيداً عن عويلِ الناسِ ونواحهم لتُقيم فيه مأتمها، كانت مُؤمنة تماماً بأن النفع الوحيد الذي بقي لنا في الحياةِ هو البكاءُ، نحنُ –كما تسمينا- أبناءَ القَهْر والممسوسين به، لم يرفق بنا حتى الموت الذي غافل رويحات أحبتنا التي تُشبه خدود الخدَّج وخمشها بلا رحمةٍ.
حينما تنوح تشعرك أن الملائكة قد غادرت السماء لتصطفّ وتنحاز مع (تدبارة) الشروگيّة الطيبة ورويحة حلَال مثل خضرمةٍ فَيروزيَّة مُذهَّبة، لم تكنُ تعرفُ القراءة ولا الكتابة، لكنها (تُهيّس) القرآن، وتُجيد صلابة الإبقاءِ على الفقدِ خالداً. عشرون عاماً وهي المنكوبة بدشداشتها العَتِمة على فقد عمي (محيْسن) في الحرب، لدرجة أنها أصبحت ممسوسة به، وكلما حاول عمي الكبير فكّ حزنها، تنهرهُ زاجرة؛ “خايب مسعدة آنه ومحيْسن حَدر التراب،” فتلفّ شيلتها بعبوسٍ وتناشغ روحه كأنها معتذرة:
“من دمعي گبرك بلّليته، وبشعواط چبدي بخّريته يـ محيسن ما ظل بخيت وما نخيته”..
المسكينة، خاب ظنها حينما اعتقدت أن الولِيدات (فتشت)عيون الأمهات، هو المكان الوحيد الذي يخاف الموت ان يتسلّل إليه مكشوفاً، لذلك أدمنت النواح في ركن الحوش كلما شمّت صوت التراب ومُهْجة الطفّ الخالد (حمزة الصغير) ناعياً:
“يُمَّه ذكريني، كلما تُمرّ زفة شباب”..
ما أبشعها، نشغةٌ ساخنة هي الحرب ولا أتذكر منها غير خيالاتٍ طفولية مُرعبة، أراها تتخطف بتكرار مرّ، وتتقافز على شريط العمر، ولعلي محظوظة هنا حينما لم أفهمها جيداً آنذاك، مثلاً؛ كيف عاد (حميد الفرّار) من قيامة المحمرة بقدمٍ واحدة، ولماذا اضطر شقيّ المنطقة (هشام الشقندحي) لثقبِ يده بـ (درنفيس) هرباً من مطحنة الخفجي القاتلة.
ومما لن أنساه أبداً، حينما ذيّلت كفيّ بعباءة أمي الملحة وهي مهرولة صوب صراخ وعويل جارتنا الخبازة سعدية التي فاقت هاجرَ في حزنها وسعيها المحموم في أشواطها السبعة ما بين نتفِ شعرها ومسك تابوت ولدها، شاب جيء به من معركة نهر جاسم جثة مكونة من عظمين فقط، أما خطيبته ساجدة، البنت الوحيدة الصامتة والملاصقة للتابوت، فلم تتوضّح البلاهة في عينيها الى أن سمعت من يقول لها بزجر واضح:
ـ كافي لخاطر الله..
الغريبة، بعد ثلاث سنوات من الدمع المُسلفن، شحّ الهواء على رئتي ساجدة المنكوبة فراحت ضحية ضغط دمها الحادّ، او بالأحرى قهرها الأزلي..
يا إلهي، يبدو أن النسيان نعمة لا نجيدها، بل إن حالنا يُشبه حال ننسن، أمّ گلگامش النواحة في اللوح السادس من الملحمة، حينما قالت:
” سأقضي بالبكاء والنواح عليكَ، يا گلگامش، سنةً بعد سنة، أَخذكَ مني طيرُ الحسد أيّها الواحد “…
لذلك بتُّ أحرص على أن ينجو بي أي شيء من كل هذا، بل كم أحتاج الهروب من رداءة الذاكرة والعجز والارتجال في اللغة..
آه، ليت لي قدرتكم على البكاء..