قبضة هواء أم قبضة فيروس؟

157

#خليك_بالبيت

رجاء خضير /

بدأنا في صفحة (الميزان) بالابتعاد قليلا عن المحاكم، لننقل قصصا من الواقع لما يتسبّب به فيروس كورونا – كوفيد ١٩، وهي لا تختلف عن التي من المحاكم، فالفيروس المدعى عليه وهو المتهم، وقطعا أنّ الالتزام بالإرشادات الصحية تجنبنا الإصابة.
تجمّدت المشاعر، وتبلدت الأحاسيس، وأنا أنتظر بوجع بصيص ضوء يشدني إلى حياة رسمتُ بهجتها منذ الأزل، قبل أن نأتي إلى هذا العالم الذي جرّدني ممنْ أحبهم..
تساوى الفرح مع الحزن الذي أدمى قلوباً كانت تنتظر بلهفة أن تبدأ مشوار الحياة، ولم نعرف أن أضعف شيء في الدنيا هو الذي أبكى العيون وأدمى القلوب وتسبّب بانهيار أحلام جميلة، وهذا ما حدث في زمن كورونا الملعون.
قالت بأنّهما كبرا معا فهو ابن خالتها، وحين عرف الأهل بحبهما باركوا لهما شرط أن يستمرا بدراستهما وبعد تخرجهما سيتمموا لهما المراد.
هو عمل بأعمالٍ شتى إلى جانب دراسته ليساعد والدهُ الذي أثقلت كاهله كثرة الأولاد وزيادة مصاريفهم كلما كبروا. اختار الدراسة المسائية ليعمل في الصباح ورغم مشقة أيامه لم يترك الدراسة كي لا يخسر من أحبها.
استمرت أمه تراقبه بصمت وحزن في آن وهي تراه يصارع الحياة، ولم يتحمل قلبها ما يواجهه من مشقات واقترحت عليه يوما، أن تأخذ على عاتقها مساعدة والده بأن (تخبز) في البيت وتبيعه على الجيران والمعارف لكنّه لم يدعها تكمل حديثها، انحنى وقبل يديها قائلا بأنه سعيد برضا الوالدين وبفضل دعائها يتفوّق في دراسته ويتحمّل مصاعب أيامه وأكد أنّه سيستمر في العمل لتبقى أمه سيدة البيت. وبقدر سعادتها به، اقترحت عليه بأنّها ستعمل بالخياطة من البيت ولتساعده ووالده بذلك ولتمكنه من توفير بعض المال لدراسته الجامعية التي أصبح على أبوابها. وسارت الأيام باطمئنان يُنسي تعب الأب والأم والابن الذي بدأ مع حبيبته، ابنة خالته، يستعدان بجدية للامتحانات الوزارية للدراسة الإعدادية، فدخول الجامعة أولى خطواتهما لتحقيق الحلم نحو الارتباط المقدس، فقد وعدهم الأهل بإعلان خطوبتهما في أول يوم لهما في الجامعة. ومضت سنوات الدراسة مع عمله ليساعد والده وليوفّر ما يحتاجه اتمام الزواج. تخرج قبل خطيبته ونصحه صديقه أن يسافر معه إلى البلد الذي يعمل فيه منذ سنوات، فالرزق هناك أوفر وسيساعد نفسه على إتمام مشروع زواجه وسيوفر لعائلته أموالا جيدة. وإذا اقتنع أهله بفكرة السفر، رفضت خطيبته وقالت له إنّ إحساسها ينبئها بأنّ الفكرة مشؤومة، سافر إلى البلد الذي أمضى فيه شهوراً دون العثور على عمل براتب مجز ونفدت الأموال التي معه والتي كان في الأساس يوفرها لإتمام زواجه واقتنع بالعودة بناء على طلب أهله وخطيبته التي تخرجت بتفوق وتعيّنت فورا بلا وساطة أو انتظار.
مع عودته، أتمّ الأهل بفرح زواجهما، ومع عمله القديم الذي رجع اليه، اقترحت زوجته أن يكمل دراسته العليا فقد تساعده الشهادة العليا على الحصول على عمل وإن كان في الجامعات الأهلية. والتحق بدراسة الماجستير ويوم المناقشة لأطروحته عن دراسة الجدوى، طلب منه أحد الحاضرين أن يعمل معه في شركته التي ستساعده على دراسة الدكتوراه.. ومع البدء بعمله الجديد، أخبرته زوجته بأنّها حامل فتضاعفت سعادتهما وفرحة الأهل، وجميعهم حمدوا الله سبحانه وعرفوا أن الصبر يحقق المنال.
وهو يعمل في الشركة التي ضاعف له صاحبها راتبه لإخلاصه وجديته.. وطالبته أمه وزوجته بأن يلتزم بتعليمات الصحة للوقاية من كورونا، وكان ملتزما جدّاً، لكنّه القدر، عاد قبل أيّام من شركته مبكراً وكان تعباً، سألته أمه عمّا به، أجابها بأنّه يشعر بتعب ودخل إلى غرفته بانتظار أن تعود زوجته من عملها التي فور عودتها، كما في كل يوم، أسرعت لتحضير وجبة الغذاء مع خالتها، لكنّه كان تعبا لدرجة فقد فيها شهيته للطعام، قلقت الزوجة وقاست حرارته ووجدتها مرتفعة وعلمت منه أنّ أحد المتعاملين مع شركته جاء اليه بدون كمامة وعطس دون أن يغطي بكفّه فمه وأنفه.. وكادت الزوجة تسقط مغشيا عليها، قائلة: إنّ البعض يحملون الفيروس دون أن تظهر عليهم الأعراض ويصبحون معدين رغما عنهم، لا سيما اذا لم يلتزموا بالإرشادات الصحية.
طالبت الزوجة الجميع بالابتعاد عنه وأوصلته إلى المستشفى للعلاج وهي تمنيه بالشفاء بعون الله، لأنّهم اكتشفوا الإصابة بالفيروس الملعون مبكرا.
مع كتابة هذه القصة، ما يزال الزوج في المستشفى الذي وصل اليه قبل يومين من كتابتي، والأطباء يؤكدون تماثله للشفاء وأمه وزوجته الحامل في الحجر بسبب الملامسة وقام بدوره بإبلاغ عميل شركته للذهاب إلى المستشفى لأخذ مسحة منه وذهب بالفعل وكانت النتيجة إيجابية ودخل المستشفى للعلاج.
ونأمل، نحن الأهل والمعارف، أن يكونوا بخير مع صدور العدد، لا سيما الزوجة التي لا تتمكّن من أخذ العلاج لكونها حاملا إن تأكد، لا سمح الله، إصابتها أثناء الحجر.

النسخة الألكترونية من العدد 362

“أون لآين -5-”