قصور الباشوات في البصرة شناشيل مهملة وملاذات عشوائية

41

صبا سامي حول /

على ضفتي شط العرب وما يحاذيها من المناطق المجاورة، شيدت قصور فخمة لشخصيات سياسية واجتماعية مثلت رموزاً لحقبة مهمة من تاريخ البصرة السياسي والاجتماعي. ومع أن التقلبات الزمنية والعمرانية محت العديد من تلك القصور، لكن مازالت هنالك قصور تقاوم وإن لم تبق منها سوى جدران وسقوف محطمة ومجموعة أنقاض تخبئ طقوس زمن منصرم وشرفات وأروقة حفظت تاريخاً عميقاً.
قصر طالب النقيب
يعد قصر السيد طالب باشا النقيب، القصر الذي أسهم في إثراء المدونة التاريخية، بما يحمله من بناء معماري فخم وشناشيل، رغم قدمها إلا أنها تفصح عن هويتها المعمارية. القصر ماتزال أسواره الفخمة العالية قائمة، ومداخله المنهكة ومظلاته المصنوعة من الخشب وأعمدة الصاج، تروي عن ماض وذكريات خطت عناوينها جلسات واجتماعات لشخصيات سياسية عراقية بارزة، وأخرى عثمانية وأجنبية ووزراء آنذاك، أما أبواب القصر فكانت غالبيتها متداخلة بنيت على الطراز القديم.
كما يحوي القصر مظلات وشرفات وشبابيك تطل على حديقة داخلية مربعة مليئة بالأشجار، وجذوعها التي تدل على عمر تلك القصور .
التجاوزات
إن ما بقي من قصر النقيب، الذي تتجاوز مساحته أكثر من ٢٠ ألف متر مربع –تقريباً- قد أصبح مأوى للعوائل المتجاوزة التي اتخذت من غرفة الاجتماعات وغرف الأسرة العريقة بيوتاً للتجاوز والسكن العشوائي، ولم تبقَ منها سوى غرفة الخدم ببنائها المهشم.
بني هذا القصر وقصر السيد هاشم النقيب على الطراز القديم، الذي كان شائعاً آنذاك، وبسبب صلابة وقوة البناء ماتزال بعض من أجزاء القصرين شامخة وقائمة الى الآن برغم ما تعرض له هذان القصران من قصف مكثف أثناء الحرب العراقية الإيرانية، إذ تحطمت أجزاء كبيرة من قصر السيد طالب النقيب، علما أن هذا القصر -قبل تعرضه للقصف- استغل لإنشاء مدرسة سميت (مدرسة السبيليات)، وبقيت مستمرة لحين تعرض القصر للقصف في الحرب المذكورة.
تشير المصادر الى أن أرض البصرة كانت حينذاك صالحة للبناء المعماري الرصين، حيث استند أهلها واستبشروا خيراً ببناء القصر آنذاك، إذ أن البصرة، ومنذ القدم، عرفت بأنها أرض قوية صالحة للبناء القوي والزراعة والتجارة والعيش الرغيد، فقد عرفت بأنها أرض بين العقيق وأعلى المربد حجارة رخوة، وهو الموضع الذي يسمى (الحزيز)، وعندما أقبل المسلمون إلى البصرة أبصروا الحصى أو تلك الحجارة وقالوا “إن هذه أرض بصرة”، أي تصلح للبناء المتين والزراعة والتجارة، ومنها جاءت تسميتها (البصرة)، وعلى أرض هذه المدينة بنى النقيب قصره متيقناً بما أبداه المسلمون قبله بمدح هذه الأرض وصلاحية أرضها للبناء المتين .
طالب باشا النقيب
التقينا أثناء جولتنا هذه بالسيد (دارين)، وهو من أقارب أسرة السيد طالب باشا النقيب، ليحدثنا عن طالب النقيب والأحداث التي احتواها ذلك القصر فقال:
“السيد طالب النقيب هو السيد طالب السيد رجب بن محمد بن سعيد السيد طالب درويش الرفاعي، الذي ولد في العام ١٨٧١ بالبصرة، وهو أول وزير داخلية في الحكومة العراقية، وأحد النواب في مجلس المبعوثان العثماني عن البصرة، إلى جانب حمدي باشا وشوكت باشا وأحمد باشا. أصيب بمرض عضال ليرسل إلى مدينة ميونخ في ألمانيا للعلاج حتى وفاته في العام ١٩٢٩ وقد نقل جثمانه آنذاك الى البصرة ودفن في مقبرة الحسن البصري في موقعها بقضاء الزبير “..
مصير القصر حالياً :
يضيف السيد دارين: “قبل فترة ليست بالبعيدة قدمت سيدة من عائلة السيد النقيب الى هذا القصر وجعلت أجزاء منه بيوتاً تابعة للوقف، ويكون دفع مبلغ من المال (إيجار) مقابل ذلك، في حين الجزء الآخر من القصر جرى بيعه، أما الأجزاء المتبقية، وهي غرف متهالكة وبناء محطم، فقد نالتها التجاوزات والبناء العشوائي من قبل عدد من العوائل المتجاوزة .”
يسترسل السيد دارين :
“أن حديقة القصر الكبيرة في مساحتها، التي تقع في الجهة المقابلة للقصر، قد قسمت إلى ثلاثة أجزاء: جزء جرى استثماره كمتنزه عائلي، وجزء للعوائل المتجاوزة، والجزء المتبقي سيجري استثماره “.
انتقلنا في جولتنا بعد ذلك إلى قصر آخر هو قصر السيد هاشم النقيب، وهو شقيق السيد طالب النقيب، الذي يبعد عن قصر السيد طالب بمسافة أمتار قليلة، وحاله كحال الأول، فهو قصر قديم يمتاز بشناشيله وبنائه وأسواره العالية وأروقته ومداخله التي استغل أغلبها المتجاوزون.
وحدثنا السيد دارين عن هذا القصر قائلاً:
“رغم أن العشوائيات قد ملأت أركان القصر، إلا أن عائلة السيد هاشم النقيب التي تسكن حالياً في أميركا لم تقم ببيعه، بل إنهم يحضرون بين فترة وأخرى الى القصر للزيارة والاطمئنان، واستذكار ماضٍ عريق بأحداثه السياسية والاجتماعية.”
القصر الكويتي
بعد ذلك توجهنا نحو آخر القصور القديمة المهمة في البصرة، وهو القصر الكويتي، الواقع في قضاء شط العرب، بين الجسرين: الجسر الإيطالي وجسر الشهيد كنعان (جسر التنومة سابقاً) في الجهة المطلة على كورنيش البصرة مباشرة. ويعود هذا القصر إلى أسرة الشيخ الصباح وقد أزيل بناؤه بالكامل، إذ لم يتبقَ منه سوى سور واحد فقط، جرى استغلاله لإقامة ثلاثة مشاريع استثمارية يجري تشييدها على أرضه.
وبدورنا نوجه الدعوة للاهتمام بالمواقع الأثرية القديمة وإعادة إعمارها بما يحفظ خصوصيتها وجذورها الثقافية والفنية والحضارية.