قلبي.. في مهب الريح

61

رجاء خضير /

ها قد عادت الحياة الى الأوراقٍ الذابلة، وابتلت الأرض العطشى بالغيث، وبقي قلبي يسأل متى يحل الربيع على اوتارهِ لتعزف لحن الحياة من جديد.
قالت (ت) ابنة العشرين: كنت طالبة مجدة في دروسي، اعشق الدراسة لذا فشلت محاولات والدي بإقناعي بترك الدراسة كما حصل مع اخواتي الكبيرات، كانت أمي تشجعني على الاستمرار فيها وأن أبني مستقبلي وألّا أسمع كلام والدي، أصبحت في الثالث المتوسط ولكي انجح بتفوق طلبت من أمي أن تساعدني في أخذ محاضرات ببعض الدروس، ولم تمانع بل استطاعت اقناع والدي بذلك، وافق حينما عرف أنه لا يدفع اي مبلغ منه، بل من أمي الحبيبة، لأنها ورثت عن والديها عقارات كثيرة وهذا سبب غناها.
تجاوزتُ النصف الأول من العام الدراسي بنجاح وبدأنا في النصف الثاني، كانت أمي ترافقني الى دروس التقوية، أما أن تنتظرني أو تعود اليّ لاحقاً.
وفي يوم من الأيام حدث ما لم يكن في الحسبان.
صمتت (ت)..أخذت نفساً عميقاً ثم قالت: في هذا اليوم الذي أوصلتني فيه أمي الى المعهد، عادت الى البيت كعادتها، على أن تعود اليّ بعد إنجازها أعمال البيت.. دقائق وسمعنا دوي انفجار هائل، حطم نوافذ المعهد، الا أنه لم يُصب أحد بأذى، حالة من الذعر والخوف سيطرت على الحاضرين وخرجنا مسرعين من المعهد، أثناء عودتي الى البيت شاهدتُ أشلاء الجثث مرمية هنا وهناك وتجمعات صغيرة من الناس فوق هذه الجثة وتلك، عدتُ الى البيت وسألت عن أمي كان جواب والدي: لم تصل الى الآن!! الم تكن معكِ!
اجبتهُ بخوف وقلق…. لقد عادت فوراً ولم تنتظرني!!
وهبّ الجميع للبحث عنها شقيقي ووالدي والجيران الكل يبحثون عن أمي ويلومونني على شيء لا اعرفهُ… وجاء الخبر أنها كانت واحدة من ضحايا الانفجار وقد لفت بعباءتها، لم استطع تحمل ما حدث، أمي نور عيني استشهدت بسببي! أنا السبب وصرختُ بأعلى صوتي أنا السبب وغبتُ عن الوعي، نقلوني على إثرها الى المستشفى لأرقد بضعة أيام، ثم خرجت لأرى الوجوه الحزينة العابسة وعيون الجميع تتهمني أنني كنتُ السبب، نعم.. انا السبب.
تغيرت تصرفات والدي وجميع منْ في البيت أيضاً إذ اتسمت بالقسوة وأقسمت أن اترك الدراسة، التي احبتها أمي اكثر مني، وهكذا بقيت في البيت أقوم بأعبائهِ، وأخدم من في البيت، وأتحمل تلميحاتهم لا تنتهي، ضقت ذرعاً بها وشكوت الحال لخالي الكبير، الذي حدثهم كثيراً بأن يحسنوا معاملتي وان الحادث قضاءٌ وقدر، لكن دون جدوى!
بعد مضي فترة قصيرة تزوج والدي امرأة أخرى، وأصبحت سيدة البيت، لم تحمل عني المسؤولية، بل زادت مسؤولياتي فكنتُ ألبي لها ما تريد بناءً على أوامر أبي..في هذه الفترة العصيبة التي مررتُ بها، تعرفت على (ح) عبر الهاتف ولأنني فاقدة الحنان والثقة وكأنني ريشة في مهب الريح استلطفتهُ وبدأت أحدثه ليلاً حينما يدخل كل من شقيقي ووالدي الى غرفهم وزوجاتهم، وأبقى وحيدة، لذا كان هو رفيقي في وحدتي وأنيسي، قصصتُ عليه كل ما مّر بيّ من أحداث، فهوّن عليّ الموضوع وكان يحدثني عن أحداثٍ مشابهة وهكذا أصبحتُ لا أستغني عنه ولا هو ايضاً، وفي أحد الأيام طلب مني حبيبي (ح) أن نلتقي في السوق او أي مكان أختاره أنا وذهبتُ، فإذا هو شاب وسيم، ولكن آثار الفقر والعوز واضحة على ملابسهِ..
قطع عليّ افكاري وقال: جئتك بملابس العمل فأنا أعمل في احدى محطات البنزين، وعندي طموح أن افتح محلاً تجارياً صغيراً، ولكن حينما أجمع مبلغه، وبعد حديث قصير افترقنا، ولكنه كان يراقبني، عرفت ذلك منه حينما اتصل ليلاً ليخبرني بأنه عرف مكان بيتي!!
خفتُ كثيراً وتوسلتُ به ألّا يعود ثانية الى بيتنا أو حتى شارعنا: ضحك وأغلق الهاتف، من يومها انقطع (ح) عن محادثتي، حزنت وقلقت عليه في آن واحد، ترى ما الذي حلّ به! وكيف أعرف أخباره وهو لا يرد على مكالماتي ولا اعرف شيئاً آخر عنه.
وفي ليلة هادئة والجميع نيام رن هاتفي، وعرفت أنه هو، حدثته باشتياق واضح وعبرتُ له عن مخاوفي وقلقي، فهدأني وقال: هذه الأيام انشغلت بالبحث عن محلٍ ووجدت محلاً صغيراص قريباً من سكني ولكن سوف أتخلى عنه!
سألتهُ: لماذا؟
أجابني: لأنني لم أستطع اكمال المبلغ! وسكت فما كان مني الا وانتفضتُ ووجهت اللوم له، لماذا لم تخبرني كي اساعدك، لدي نقود وبعض الحلي الذهبية، ثم قلتُ له: هذا ليس مشروعك فقط، بل مشروع مستقبلنا، أنا وانت: لم يمانع بل قال لي: أحتاج(…….) فهل عندكِ هذا المبلغ؟
أجبته بكل فرح…. نعم: متى تريده؟
واتفقنا على موعدٍ وذهبت، اذ لم يكن المكان بعيداً من بيتنا! ترجل من سيارة حمراء فيها أشخاص آخرون، قال لي: هؤلاء اصدقائي. أعطيته المبلغ وعاد مسرعاً الى السيارة لتبدأ ضحكات الأصدقاء وساروا مسرعين، من يومها وقلبي يحدثني عن أمورٍ عدة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.. لا أعرف!
لم تكن لدي الجرأة أن أحدّث احدى شقيقاتي المتزوجات بالأمر خشية أن يفضحنني أمام والدي لذا التزمتُ الصمت.
كان يهاتفني يومياً، في يومٍ طلب مني مبلغاً آخر و…وآخر… بعدها بدأتُ اعتذر عن تلبية طلبهُ واخبرتهُ بأن ما عندي قد نفد، وفي احدى الليالي سمعتُ طرقاً على بابنا، فتحت الباب فوجدته أمامي في حالة يرثى لها وصرخ بي أن أخبئهُ لأن الشرطة تتبعهُ. دهشتُ لمِا رأيت وسمعت وشّل عقلي عن التفكير وهنا أحاطتنا الشرطة من كل مكان، واستيقظ اشقائي ووالدي بسبب الضجة، وشرحت الشرطة لهم أنهم يتابعون هذا المحتال من زمنٍ، وعليه شكاوي عديدة من قبل فتيات ومن قبل رجال أيضاً، يوهمهم بأعمالٍ وهمية ومحلات لا واقع لها، بصراحة (يضحك على الناس) هذا ما لخصهُ احد أفراد الشرطة….
وهنا ثارت مشاعر حقدي عليه وفقدت أعصابي لأنتزع سكيناً كانت بالقرب مني وطعنته بها وسط استغراب الجميع! صرخ والدي: ما علاقتكِ به؟ وصرخ أشقائي: منذ متى تعرفين هذا الفاسد؟ أما شقيقتي الكبيرة التي كانت في زيارة لنا فقالت لي: ألم يكفك موت والدتنا بسببك؟ والآن تشوهين سمعتنا!!
وهكذا قادتني الشرطة الى السجن لأن (ح) بين الحياة والموت!!
وأنا يلحّ علي سؤال: منْ أوصلني الى هذه الحالة؟