“كفُّ فاطمة” لدرء عين الحسود

97

باسم عبد الحميد حمودي /

بين الأعوام من 1965-1973 كنت مدرساً ومديراً لثانوية الدغارة, والدغارة مدينة عريقة تتبع محافظة الديوانية، وكان من عادتي -في السابعة صباحاً- أن أجلس في مقهى يطل على الشارع العام الرئيس لاحتساء الشاي مرة أخرى خارج الدار وتبادل الحديث الطيب مع الجالسين من وجوه المدينة.
في صباح يوم من الأيام جلس إلى جواري رجل يعرفه الآخرون بأن (عينه تصيب) ويدرأون حسده بالدعاء للتخلص من شر عينيه!
من جانبي تعوذت من الشيطان، لكني لم أستطع أن أغادر مكاني احتراماً، وفجأة توقفت سيارة أجرة جديدة على مقربة من جلستنا، وخرج منها سائقها ماشياً بسرعة وبيده ولاعة أشعلها ليحرق جزءاً من غترة (حطة) الرجل المتهم بالحسد وهو يصيح (كافي يا فلان كافي فقد حرقت سيارتي السابقة بعينك هذه)، وقام الرجل الجالس ساخطاً، ونشب نزاع خفيف تداركه القوم، وابتعد الحاسد – أو المتهم بالحسد- عن المقهى وهو يهدد السائق الذي كان يشرح مظلمة حسد غريمه لرواد المقهى الذين آمن أكثرهم بكلامه.
لم يستطع الحاسد، الذي احترق جزء من غترته، إطفاء نار حسده أن يفعل شيئاً للسائق بعد هذا، فقد كان سائقنا ينتمي إلى جماعة مشهود لها بالقوة، وهو في عرف الجلاس كان يحاول منع شر الحاسد الموصوف بنار أشعل فيها جزءاً من غترته غير الميمونة!
حكاية أخرى عن الحسد
في مختلف أصقاع الدنيا اليوم، ولدى الشعوب المتقدمة وسواها، نوع من الاعتقاد القهري بالحسد والخوف من عين الحاسد، وهو أمر يصل إلى حد الوسواس عند بعض النساء والرجال، وقد يصل إلى الفوبيا التي يخاف من يعيشها لفتة إنسان يحبه عندما ينظر إليه!
إن هذا الوسواس القهري، الذي يصل إلى مرحلة المرض النفسي، يقابله الشعور بالهناء والسعادة والاطمئنان عند من يشعل البخور مساء، ومن يردد آيات البركة عند هذا الشعب أو ذاك، وبما يكون المسلم في صلاته قد ردد آيات من الذكر الكريم لدرء الحسد عن ذاته وأهله. ولا شك أن قول القرآن الكريم (ومن شر حاسد أذا حسد) إنما هو تأكيد على وجود الحسد الذي يتوارد في كتب السيرة العطرة أنه قد أدى إلى إصابة يد النبي الأكرم (صلى الله عيه وسلم) بثقب عالجه الصحابي سلمان الفارسي (رضي الله عنه).
الوشم وسيلة
وفي مختلف الأديان والمجتمعات – منذ القدم- نجد أن الكثير من الناس يستخدمون الوشم على اليد أو الوجه أو الجسم، كوسيلة لمنع الحسد، إضافة لاعتقادهم بجمالية الشكل البشري عند وشمه.. ولكل إنسان ما يرى!
إن تقاليد الوشم وصوره تتخذ موضوعاً آخر أكثر تعقيداً لا يتسع المجال للحديث عنه الآن، لكننا سنتحدث عن أشكال أخرى لمنع الحسد صنعها المعتقد الشعبي ومنها:
باب البيت – كفُّ فاطمة
فأنت إذا دخلت أي بيت عراقي موصوف بالعراقة تجد عند باب البيت الرئيس كفَّ فاطمة مصنوعاً من السيراميك الأخضر أو من النحاس، ومعلقاً في الإطار الأعلى للبيت تبركاً ودعوة لخير الدار وأهلها ومنعاً للشر القادم من الخارج!
وكفُّ فاطمة معتقد شعبي – ديني، يتمثل في تنفيذ الصانع الشعبي تلك الكف المباركة من الذهب أو الفضة أو النحاس, وقيام من حصل عليها بوضعها في أماكن متعددة من الدار, أو صياغتها كحلية يتحلى بها صدر المرأة أو الصبية أو الطفل, باعتبارها تميمة تدرأ عنهم الحسد وتمنع الشرور.
وتنسب كفُّ فاطمة إلى كرامات السيدة البتول فاطمة الزهراء ابنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم), وأمها السيدة خديجة بنت خويلد (رحمها الباري), وهي زوجة الإمام علي (عليه السلام), ووالدة الحسن والحسين (عليهما السلام).
لذا يقال إن هذه الكف تعني الخمسة من أصحاب الكساء، وتعني أركان الإسلام الخمسة.
خمسة وخميسة
وتسمى (كفُّ فاطمة) شعبياً في المغرب العربي ومصر والسودان, إضافة إلى اسمها الاول، (خمسة وخميسة), وتستخدم مباركة لدرء الشر والعين الشريرة عن المنزل والطفل والمرأة، وتعلق كتميمة في السيارة.
ويعتقد المغاربة أن صياغة كفٍّ سوداء على الجبين أو معصم اليد تحمي أولادهم من العين الشريرة, وكان الصاغة في مدينة عانة القديمة يصوغون كفَّ فاطمة من الفضة لتعلق على صدور البنات أو الفتيات منعاً للحسد.
وقد اعتاد أهل بغداد القديمة ومدن العراق الكبرى وضع كفِّ فاطمة المصنوع من السيراميك الأخضر على أبواب المنازل حماية لها من الشرور, وإيماناً بكرامات البتول.. وهم يعتقدون أن اللون الأخضر هو رمز النقاء والجمال الهاشميين.
يقول د. محمد الجويلي، في مقالة له نشرها في جريدة (العرب) اللندنية في23-11-2003 تحت عنوان (فاطمة اسم وَسَمَ التراث والمعتقدات الشعبية العربية) إن قداسة السيدة فاطمة ظاهرة الـتأثير عند المسلمين في بوركينافاسو والسنغال ومالي والنيجر وسواها من دول القارة الإفريقية, حيث يطلق على الطفلة المولودة حديثاً اسم فاطمة أو تسمى (فاطو) اختصاراً أو(بنتاً) وتعني (ابنة الرسول), وفي جنوب تونس يدعون الاسم (قوس قزح) إذا ظهر بـ ( حزام فاطمة) تبركاً بابنة الرسول.
ويقول الاستاذ فؤاد عباس في كتابه (مدخل إلى الفولكلور الفلسطيني) إن يد فاطمة تعد تميمة لطرد الشر وجلب الخير وإن اليهود يسمونها (كفُّ مريم) نسبة إلى السيدة مريم، أخت النبيين موسى وهارون، ويسميها المسيحيون (كفَّ مريم) نسبة إلى مريم العذراء, ولكل معتقده.
قرية فاطمة في البرتغال!
وقد سميت قرية في البرتغال منذ العقد الثاني من القرن العشرين باسم (قرية فاطمة) بنت الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) في واقعة مشهودة في حينها, وسكان القرية يستخدمون (كفَّ فاطمة) لمنع الشر عنهم, وقد زار القرية البابا بيوس التاسع وطاف بها تبركاً في حينها.
وبعد, فإن (كفَّ فاطمة) ما تزال تميمة جميلة يستخدمها الناس في كل أرض, يحتمون بها من الشر ويلوذون بها من الحسد.
أخيراً..
يظل خوف الإنسان من المجهول الخارجي القادم مبرراً أحياناً , لكن هذا الخوف يقل كلما ازداد وعي الإنسان وثقافته، برغم أن العقيدة الدينية لدى مختلف الشعوب تحارب الحسد وتدينه، لأنه يعكس شعوراً بالكراهية والحقد غير المبررين, وقد صنع لدرء الحسد الكثير من المفاتيح الدينية – الآيات والأحاديث- التي تدعو إلى الإيمان والثقة بالنفس وحب الخير للغير.