كنان الحلفي…يلحق بوالده جمعة في يوم الجمعة

490

ذوالفقار يوسف /

لم تدرك الحواس نضج الرحيل بعد، اذ انها اعتادت ان تواكب شعلة الحياة في قمة الفناء، تحتكم الى الامل في اوجه، وتراقب الاحبة بعيون عذراوين، فغياب القرب لا يعني فناءه، بل هو قرب اكبر، اعمق من ان ينتهي، فالذكريات كفيلة بأن تجعل المشاعر تتدفق.
ذلك الحديث المشؤوم الذي تنفر جميع الكائنات منه، حديث الفناء الأبدي الذي لابد منه، اذ كرر الموت فعلته في زميلنا كنان جمعة الحلفي في الثلاثين من شهر آب الماضي، فلم يكتف الموت بأصطياد والده قبله وكأنه باصرار مسبق يريد القضاء على آخر رجال هذه العائلة ليترك والدته وشقيقتيه بلا وحيدهن، المفارقة ان والده اختار الرحيل يوم الخميس، اما الزميل كنان فآثر ألاّ يسبق والده بتلك الرحلة فأختار يوم الجمعة كولع باسم والده وأنطلاقة للسفر.
اليوم يرثيه أحباؤه وزملاء العمل بالكلمات التي لم يستطيعوا قولها له…
صدمة
السيدة نرمين المفتي رئيسة تحرير مجلة الشبكة، تزاحمت الآهات لتنطق بحديث الام وتقول:”لم يكن كنان عزيزاً علينا لكونه فقط ابن جمعة الحلفي، الا انه كان عزيزا لكونه كنان، ولان كانت لديه قابلية يستطيع بها ان يتفاعل مع الجميع، فقد كان على الرغم من الاوجاع التي يعيشها بوحدته ، يستمع لآلام الجميع ويحاول ان يساعد ويساند من يحتاج لوقفته ومساندته.
أنا – والحديث للمفتي – كرئيسة تحرير كانت محبته لي كأبن لوالدته، ولايزال صوته يرن بأذني وهو يناديني بطيبته المعهودة ” خالة ” في حين ان الآخرين ينادونني بـ “الست”، ولاني كنت اعرف ما يخطر على باله وما يعتريه من آلام ومشاكل،فضلا عن الوحدة التي كان يعيشها بعد رحيل والده وسفر الأهل ، حتى افراحه الاخيرة التي قرر ان يشاركني اياها، كقرار اقباله على الزواج، فقد كان يتطلع لكل ماهو جديد لانه حالم، الا ان وفاته لم تكن فقط مفاجأة بل صدمة، فقد فقدنا زميلاً وصديقاً ومشروع مخرج لشبكة الاعلام العراقي.”
المصور المخرج
بقلق مضن يتبع الصحفي محسن ابراهيم طريق الحروف، ويقول: “رحل الزميل كنان الحلفي تاركا خلفه حزنا كبيرا بين زملائه واصدقائه الذين نزل عليهم الخبر كالصاعقة، لفقدان شاب وفنان (مواليد 1982) في منتهى الأخلاق والرقي، حسن المعشر حلو الجلسة متواضع وصادق وبشوش، لا تفارق محياه الابتسامة ولا يخلو حديثه من الدعابة, غاية في الجدية والمسؤولية شغوفا بفنه, كنان كان يرسم الحياة بشكل مختلف بنظرة المصور والمخرج, مليء بالأسرار مليء بالآمال مشبع بالضحكات رغم حزنه الذي اثقل كاهله.
“ابن الغايب يغيب”
اما صديقته والاخت الصحفية ريا عاصي كان لها نصيب من هذا الفقد وتقول”ولد كنان عند اعتاب وطن، حيث ارتأى الغائب عن اهله “جمعة الحلفي” ان يتخذ من دمشق باباً ونافذة يطل منها على احبابه الذين غاب عنهم قسراً ايام نضاله ضد الغول.
لم ترَ عينه بغداد لكنه تلمسها بصوت امه التي كانت تنشد قصائد جمعة وهي تداري جرح الغربة وجرح انفصالها عن حبيبها جمعة.سهيلة التي كانت تغني في فرقة الانشاد العراقية حكمتها الظروف ان تغني لمحبوبها عتاباً يوم رحيل ابنها وتعاتب جمعة (هالواحد واخذته وياك) وهو لسان حالها اليوم وهي تخاطب الموت.
تردف بشجن الاخت “عاش كنان غربتين معاً فهو الشامي الذي لعب في ازقة الشام وشرب من مائها صبياً واحتضنته بغداد في شبابه ابناً لأبيه اخر ايام عمره ،وتائهاً في ازقتها ينادي (انقذوا بغداد من الخراب) حيث كانت كامرته ترصد زوايا بغداد الجميلة التي اتعبها غياب احبتها عنها. التقيت كنان وهو اب لابيه يخطو معه خطواته الاولى بعد مرضه يصارع دمعه بضحكات وابتسامات يشجع اباه امام المرآة ان يقف بعد ان تساقط شعر رأسه ويبتسم لانه صار اشد وسامة ويلبسه قبعة حمراء ويخبره ان الستين عاماً هي عمر الطفولة الجديد للانسان يا ابا الزين كما يحب ان يناديه.
لم تفارقه ابتسامة وعطر الغائب ،وظل نديمه في المساء يسمع قصائده الواحدة تلو الاخرى ويرفع كأسه عاليا ممجدا بعطر الغياب عنه، رقته وابتسامته كانت باباً له لقلوب كل من عرفوه، احب بغداد غريباً حاول ان يرسم داخل احضانها قصة حب وغادرها وهو يبتسم لان جمعة بانتظاره.
رحل كنان وخلّف من بعده قلباً مفجوعاً سيظل يهدهد له تنويمة الام (دللول يالولد يابني دللول) واحلاما بصناعة دراما وسينما تليق بعطر كل الغياب والاحباب.”

الرحيل المُفجع

اندثرت افراح الصحفي مهدي مراد، وبلذة حزن مفرطة التصقت فوق لسانه ليقول: “لاشك أن رحيل من نحب يترك في نفوسنا غصة، وكيف فقيدنا مازال شاباً وعلى قيد الأبداع، كنان كان إنساناً مهذباً هادئاً يحمل من الخُلق والهدوء ما قل نظيره، وكذلك مدير تصوير وأضاءة ومخرجاً ناجحاً مبدعاً، إن خبر رحيله كان أشبه بصاعقة، هناك اصدقاؤه قد سألوا متفاجئين كيف لكنان أن يرحل بغير عودة؟
بينما همس في اذن امه يوصيها “يمّه إذكريني من تمر زفة شباب.”

المولع بالضوء
الصحفي علي السومري ترجم الوجع بطريقته وقال:”لم يكن كنان صديقاً فحسب، بل إبن صديق أيضاً هو الشاعر الراحل جمعة الحلفي، وما جمع الأب والإبن كان أكثر من صلة الدم، كالمواقف السياسية، دفاعهما عن الحريات، شغفهما بالحياة واستمرارها بالعراق، كنان المستغرق في عزلته الصاخبة، المولع بالضوء والصورة، المبدع الذي ترك بصمة في الدرامتين السورية والعراقية، كان وحيداً في بغداد ومحاطاً في نفس الوقت بالكثير الكثير من الذكريات، ذكريات طفولته التي عاشها بعيداً عن بلده العراق.
لم يكن صاحبا، بل كان تاريخاً لوطنٍ أنهكته الحروب، وصورة مجسدة لبلد عزيز ضيعه قومه، وأتعبته المنافي، وقتلته الآمال المستحيلة.”

وداعاً صديقي
الزميل احمد سميسم، يدنو من بوابة حزنه ويقول ” كان كنان يحمل في جعبته الكثير من الأحلام والمشاريع التي كان عازماً على تحقيقها بقوة إرادته وكفاحه، رغم ما واجهه من عقبات احيانا تكون بدوافع شخصية واحيانا الصدفة هي تكون العقبة المفاجئة في طريق أحلامه وتطلعاته، لا سيما على الصعيد العمل الدرامي والإخراج التلفزيوني، رحيل الحلفي كان صدمة موجعة لمحبيه واصدقائه……… وداعاً كنان.”
سيد المكان
الصحفية آية منصور تستحضر الذكريات بحرقة وتقول” كنان يشبه قلب طفل بقدمين، لا يجلس قربنا لحظة الا والضحك يكون سيد المكان، انا حزينة جدا لخسارته، لكني مشتاقة وممتنة لكل لحظة عشناها سوية ، لكونها وهبتني معنى رائعا للصداقة، سأفتقد كنان الصديق الذي يسلمنا المرح، وستبقى روحه تملأ القلوب والأمكنة.”