كنيسة الأقيصر في كربلاء المقدسة: واحدة من أقدم الكنائس في العالم.. قبلتها نحو القدس

158

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

خبر صغير في صحف 2014 جذب انتباهي ولم أنسَه عن تجمع لنازحي الموصل وتلعفر من المسيحيين والمسلمين في كنيسة الأقيصر أو القصيرين في كربلاء المقدسة منددين بظلامية داعش وتوحشه، كنت لأول مرة أسمع بهذه الكنيسة، ولا أنكر دهشتي عن وجود كنيسة قي كربلاء!
احتفاء بالميلاد المجيد
كان المقترح أن نزور هذه الكنيسة ضمن سلسلة (معالم) التي تحاول “مجلة الشبكة العراقية” من خلالها تسليط الأضواء على المعالم الدينية والأثرية والشواخص التاريخية في كافة أنحاء العراق لتشجيع السياحة الداخلية، وقطعاً لا يوجد وقت أنسب من الميلاد المجيد لنشر المادة كي نحتفل بطريقتنا الصحفية بميلاد السيد المسيح (ع) روح الله وكلمته التي ألقاها في البتول مريم وننشر استطلاعنا عن هذه الكنيسة التي تعتبر أقدم كنائس العراق والشرق الأوسط .
جولة
تقع كنيسة الأقيصر في صحراء البادية الغربية إلى الجنوب من محافظة كربلاء بمسافة 65كم وإلى شمال حصن الإخيضر الأثري بمسافة 8كم وتتبع إدارياً بلدة او قضاء (عين التمر) التاريخية، التي كانت واحدة من أهم مدن المناذرة قبل الإسلام. للوصول الى الكنيسة، لابد من المرور بحصن او قصر الإخيضر الذي يشكل واحداً من أجمل الشواخص المعمارية التاريخية في العراق، ولنا عودة إليه في استطلاع آخر. الطريق إليها صحراوي تماماً، هدوء وسكينة، وكما الأرض، تبدو السماء قريبة في الأفق مع وجود علامات طريق تدل عليها وكان يرافقنا الآثاري زاهد محمد عليوي ليعرفنا بها ويحدثنا عنها.
يقول عليوي: كربلاء، التي تبعد 100 كلم جنوب العاصمة بغداد تعتبر واحدة من أهم المدن التاريخية المقدسة في العراق، عمرها يمتد الى آلاف السنين، وفي كل بقعة فيها يوجد شاخص معماري تاريخي او أثر مقدس، ومن بين هذه الآثار المهمة تاريخياً (كنيسة الأقيصر) التي تعتبر إحدى أقدم الكنائس الموجودة في العراق والشرق الأوسط، اذ يعود تاريخها الى منتصف ستينيات القرن الخامس الميلادي، تقريبا 120 سنة قبل الإسلام، وتحديدا في عهد المناذرة الذين كانوا يدينون بالمسيحية.
يضيف علاوي: أهم ما يميز موقعها هو وجود (وادي الأبيض) الذي كان يوفر لها مياه الأمطار والسيول في فصل الشتاء وهي، أي الكنيسة، تقع ضمن مجمع يضم مباني عدة، ويطلق السكان المحليون عليها اسم (الأقيصر) لاعتقادهم بأنه قصر صغير في موقع يضم قصوراً تاريخية عدة مثل الأخيضر والبردويل وشمعون.
قصة الكنيسة
يشير عليوي الى ورود ذكر هذه الكنيسة والمنطقة التي تقع فيها في كتاب الإرشاد ص 194، اذ يشير الشيخ المفيد بأنه روي عن الإمام علي (ع), أنه لما توجه الى صفين أصاب أصحابه العطش الشديد ونفد ما كان عندهم من الماء فساروا يمينا وشمالا ليلتمسوا الماء فلم يجدوا له أثراً فعدل بهم الأمير عن الجادة وسار قليلا وإذا براهب في دير وسط البرية, سألوه عن الماء, قال بينكم وبين الماء فرسخان, ثم ساروا قليلا وقال لهم اكشفوا عن هذا الموضع واذا بصخرة عظيمة تلمع فاجتمعوا عليها فما زحزحوها ولم يتمكنوا قال: أعجزتم عن ذلك؟ قالوا نعم، فلوى رجله عن سرجه حتى صار على الأرض ثم حسر عن ذراعيه ووضع أصابعه تحت الصخرة فحركها ثم اقتلعها بيده، والقول إن الكاهن الذي صادف جيش المسلمين في هذه البقعة من أرض العراق يحتمل ان يكون من رهبان الدير او الكنيسة التي أطلق عليها المتخصصون ورجال الكنيسة مصطلح (كنيسة ديرية) أي أنها كنيسة تختص بالدير الذي تقع بداخله وهي ليست عامة، وهو الرأي الذي ذكره الدكتور عبد العزيز حميد في أن هذا (الدير) هو واحد من أديرة عديدة انتشرت في المنطقة إبان حكم دولة المناذرة في العراق والمناطق المجاورة في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام مثل دير (قنى) الى الجنوب من بغداد وغيرها الكثير.
آثار تاريخية
كما يشير عليوي الى الآثار الموجودة في هذه الكنيسة في الوقت الحاضر وهي رسوم متعددة لأشكال مختلفة للصليب توجد على جدرانها كتابات آرامية تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وتوجد ضمن الآثار القريبة من هذه الكنيسة والتي تبعد عنها بنحو 20 متراً مجموعة من المقابر قسم منها يعود إلى رهبان الكنيسة ورجال الدين المسيحيين من القساوسة والشماسين الذين كانوا يقدمون تعاليمهم وخدماتهم، ويذكر أنه كانت هنالك مدرسة لتعليم الدين المسيحي، وهناك قسم آخر في المقبرة لمقابر تعود لعامة الناس من المسيحيين الذي دفنوا في هذه المقبرة التي تتجه قبلتها الى القدس، وقد شيدت هذه المقابر من الحجر والجص وكُسيت جدرانها من الداخل بالجص الأبيض، ويحيط بالكنيسة سور شيد من الطين وتوجد في أركانها الأربعة أبراج كما نرى في السور خمسة عشر باباً للدخول تعلوها الأقواس الدائرية، ويبلغ طول بناء الكنيسة ستة عشر متراً وعرضها أربعة أمتار، وقد شيدت من الطابوق الآجر والطابوق الفرشي والجص، وكانت هذه الكنيسة مقصداً للزوار المسيحيين الكلدانيين في مناسبات معينة، وعلى مدى قرون عدة كانت هذه المنطقة من الأماكن المقدسة لدى المسيحيين.
تخريب وإهمال
يستدرك عليوي بالقول: إن الموقع تعرض الى الإهمال في زمن النظام السابق وتحولت المنطقة حوله لفترة الى معسكر للتدريب، وتعرضت كذلك بعد سقوط النظام إلى عمليات نهب طالت حتى القبور التاريخية لهذه الكنيسة طمعاً في العثور على كنوز من ذهب وفضة وأحجار كريمة، بالإضافة إلى التخريب الناتج عن العوامل البيئية والإهمال الذي طالها لسنوات طوال حالت دون القيام بصيانتها وترميمها من قبل الجهات المختصة.
تفاصيل الكنيسة
يختتم عليوي حديثه قائلا: إن الكنيسة تقع داخل مجمع من الأبنية التي تشكل بمجملها ديراً كبيراً يضم عدداً من الأبنية داخل منطقة مسورة بجدار غير منتظم الشكل يبلغ طول الضلع الشرقي منه 148م وهو يفصل الدير عن النهر الذي يجري بموازاته شرقاً والمدخل الرئيس للدير يقع في هذا الضلع الشرقي بين برجين ضمن السور الذي يبدو الجزء الأسفل منه مشيداً بصفوف من الفرشي بقياس 24×24×5,5سم الى ارتفاع 120سم من مستوى الأرضية، فيما شيد الجزء المتبقي باللبِن الى الارتفاع الحالي الذي بلغ 180سم والضلع الشمالي للسور يبلغ طوله 90م فيما يبلغ طول الضلع الشرقي 141م وطول الضلع الغربي 112م، كما يحوي السور 31 برجاً يتوزع 11 برجاً منها في الضلع الشرقي و 5 أبراج في الضلع الشمالي, و 11 برجاً في الضلع الغربي و 4 أبراج في الضلع الجنوبي, وتبلغ مساحة الدير 15000م2.
قداس
كتبت جريدة (الصباح) اليومية في 30 أيار 2019 عن “إقامة كنيسة ماركوكيس الكلدانية قداسها السنوي في هذه الكنيسة بحضور الأب مسير بهنام، كبير قساوسة كنيسة ماركوكيس الكلدانية في نينوى، والأب منصور المخوصي، والأب هاني خميس من جمهورية مصر العربية، وطه الديباج من مركز الدراسات والأبحاث، وعقيل الفتلاوي منسق اللجنة المشرفة لحماية الآثار والتراث.”