كوكب حمزة: يشــــبه واحـــداً من “طيورهِ الطايرة”

330

عادل محمود/

عندما غادر دمشق… كنت أفكر، بحزن، أننا قد لا نلتقي أبداً. كان العام 2011 بداية “الربيع العربي”، ولم يطل الوقت حتى صار الدم ماء الحنفيات، في سوريا. ثم انقطع الماء وبقي الدم. غادر دمشق الصديق اللاجئ الموسيقي العراقي كوكب حمزة، بعد إقامة ربع قرن في هذه المدينة التي امتلأت لجوءاً من كل الأصناف، وقد كنا عنده طوال الوقت فيما يشبه حالة اللجوء العاطفي الفني، الثقافي.

دمشق كانت ملاذاً لمن ضاقت عليهم بلدانهم وحين ضاقت أخلاق الرجال، وأحوال السياسات.

وتمضي سنوات الآلام، التي لم تنته بعد، ودمشق تودع ولا تستقبل، تحزن ولا تعبّر. ثم تطلق في شوارعها ومحلاتها، ومطاعمها، وأماكن أفراحها وأتراحها، في صمت، لغة الغياب..

كان كوكب حمزة قد أقام في موطنه الأجنبي المؤقت، الدانمارك. ولكنه كان، في رسائله وبوستاته على الفيس بوك، يشبه القرصان الذي يمدّ منظاره الأسود الطويل، على شاطئ الكون، باتجاه واحد… باتجاه دمشق. وكانت قد توفرت الأنواع الموروثة من الحسرات وآلام فقدان الأماكن. والحنين إلى لحظة “الزمن الجميل” الذي، حين فقدناه، عرفنا مكوناته: “الحب، السلام، والجمال”.

كتبت مرة لكوكب: أخشى أن يمضي ما تبقى من العمر ولا نلتقي. وكان يجيب: سآتي إلى دمشق حتى لو مت هناك في اليوم التالي. وحين تذكرنا مرور عشر سنوات على وفاة صديقنا المشترك، الشاعر ممدوح عدوان كتب هذه الذاكرة:

هل تذكر ياعادل، حينما رجعت في الثمانينات من كردستان العراق إلى الشام، وأقام لنا ممدوح عدوان تلك السهرة في بيته؟ وقف ممدوح وقرأ قصيدة تأبين، وكانت عني. كان يعتقد أنني سأقتل في كردستان (عفواً سأستشهد) وبعد أن انتهى من القراءة قال : والآن أيها الوغد ماذا أفعل بقصيدتي؟

كوكب في دمشق كان صديق الناس وحسب، الناس الذين أحبهم، وكذلك كانت أغانيه صديقة تلك العاطفة المؤلمة التي اخترعتها الأوطان، وسيرث في دروبها حفاة القلوب في لحظتي “الوجدان والفقدان” طوال الزمن إلى أن تصبح جملة المتنبي قانوناً: “…فلما التقينا كان تسليمه عليّ وداعاً .”

في دمشق، كما في بغداد، كوكب ينتقل من بيت مستأجر إلى آخر. من حي إلى آخر… لم يمتلك شيئاً. وحين عرض عليه وزير الداخلية أن يسكن، كالعراقيين المكرّمين (الجواهري، البياتي) وغيرهما، قال بود أليف: منذ أن كنت مراهقاً استطعت اتخاذ هذا القرار: لن أملك على هذه الأرض شبراً واحداً من أي نوع.

الأسبوع الماضي…أبلغنا أنه آتٍ إلى دمشق، آتٍ ليرى «مدينته» وأصحابه فيها. ليرى “بلاده” وذكرياته في لياليها، ليرانا نحن ويطمئن علينا شائباً شائباً، في قلاع قلوبنا، وأصقاع أرواحنا.

كوكب يقول ونحن نلتقي “كنت سأجن لو لم آتِ”.

والآن… نحن معاً الموقعين أدناه ممّن تبقّى من الأصحاب القدامى، سنعيد بناء القسم المتبقي من حائط الذكريات الأجمل. احتفالاً بكوكب حمزة الذي أتى دمشق، فيما /‏ وحين غادرها الآخرون..

كوكب حمزة يشبه واحداً من “طيورهِ الطائرة ” في فضاء أغنيته الجميلة.

•شاعر سوري*