لأجلك أفعلها ألف مرة

109

مقداد عبد الرضا /

هلا سينما … لي صديق  أصابه الجزع من المدينة التي يقيم فيها, فراح يحلم ويسطر ما يحلم به. بنى مدينة أخرى غير المدينة التي يسكن فيها لتكون سكنه الجديد مع مجموعة اختارهم بدقة. زرعوا الكثير من الأشجار وأحاطوا مدينتهم بأسلاك حتى لايتمكن أحد من اختراقها. بنوا مدارس جديدة للتعليم. جلبوا الماء وعاشوا في هدوء لايعكر صفو حياتهم أحد. لكن في أحد الأيام جاءت عاصفة قوية اقتلعت مابنوه من بيوت وأشجار وكل شيء، لأن مدينتهم تلك لم تكن الأصل، لذلك مع أول هبة ريح انمحت. ألا تصلح هذه الكلمات أن تكون فيلماً مهماً؟ من يدري؟
من شباك شقته في سان فرانسسكو، أمير يتحدث عبر الهاتف مع أمير خان الذي غادر أفغانستان إلى الباكستان هرباً من جحيم طالبان. رحيم خان هو والد حسن، اللذين عاشا معا وفي بيت واحد كل الزمن الجميل. جاء صوت رحيم خان واهناً متعباً, لقد مر الزمن سريعاً وثقيلاً كرصاص على أفغانستان. هرب خوفاً ذلك الألق الباهر وبهتت ألوان الطائرات الورقية وانمحت، ونساء البشتون توارين فزعاً خلف البرقع, تغيرت البلاد, هم طالبان, كل شيء خاضع للشك والمراقبة، البيوت وتجنيد الأطفال والكلاب تحرس الملاعب, رحيم خان يطلب من أمير أن يعود إلى البلاد, أمر صعب, لكن لايزال هناك متسع من الوقت, تعال يقول له رحيم خان, تعال أريد أن أحلم, أفغانستان التي نعرفها قد اختفت من على سطح الأرض ولاتستطيع الهرب من الدم, أحلم أن تتفتح الزهور في شوارع كابول وتعود الموسيقى تعزف في المقاهي كما في السابق, وتحلق الطائرات الورقية عالياً في سمائنا. أحلم أن تعود إلى كابول وتشاهد منبع الطفولة مرة أخرى, أحلم أن أجدك هناك, أنا بانتظارك.
يصل أمير إلى الباكستان حيث يعيش رحيم خان الذي جاء هرباً من جحيم الإرهاب, بارتباك مفعم بالمحبة والاعتذار لما صار يهدي أمير كتاباً فيه إهداء إلى رحيم خان, من أجل رحيم خان الذي أنصت لقصصي قبل أن أدرك كيف أصوغها. أمير يقترح أن ياخذ رحيم خان معه إلى أميركا فيجيبه رحيم خان بنبرة لاتخلو من وخز: لعل أميركا زرعت فيك تفاؤلها, حسن مات, صاعقة تنزل على أمير, كيف مات؟ ظل يعتني بالبيت, بيت أبيك, جاء طالبان ودخلوا البيت عنوة وأمروا حسن أن يغادره, رفض, سحلوه إلى الشارع وأجبروه على الركوع، وهناك أطلقوا عليه رصاصة في مؤخرة رأسه وأردوه, هرعت زوجته لمساعدته وهي تصرخ, أطلقوا النار عليها هي الأخرى وخمدت, هل هو الشعور بالذنب أم التخلص منه؟ هل هو الأسى على تلك الطفولة أم نسيانها؟ هرب رحيم خان إلى الباكستان, لكن حسن لم تبق منه غير صورة وهو يقف مع ابنه الصغير سهراب, ورسالة منه قبل موته باسبوع, تقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم, سيد أمير أبعث لك جلّ احترامي أنا وزوجتي, نأمل أن تصلك هذه الرسالة وأنت بخير, كنت أحلم دائماً بأن اقرأ رسالة تصل منك وأنت في أميركا, أحاول أن أتعلم الإنكليزية, إنها لغة صعبة على شخص يتهجى لغته الأصل, أنا أفتقد قصصك, أرفق لك مع الرسالة صورة لي مع ابني سهراب, إنه ولد طيب جداً علمناه أنا ورحيم خان القراءة والكتابة حتى لايكون مثل أبيه)، لكن أين سهراب؟ هو في ملجأ للأيتام في كارتيه سيه, وسنراه لاحقاً وهو يرقص للجماعات الإرهابية التي استحوذت عليه من الملجأ لأنه هازاري. يعبر أمير إلى أفغانستان متنكراً بزي طالبان بمساعدة سائق سيارة هيأها له رحيم خان, يجد في البحث عن سهراب، ومن خلال رحلة البحث نجد الدمار الذي حل بالمدينة, المدن.
الموسيقى التي وظفها الموسيقار الإسباني البرتو جلاسياس أحدثت تناغماً رائعاً في سير الأحداث, أنين قاتل من خلال صوت امرأة, ومن يعبر عن الحزن واللوعة غير النساء؟ رجل معلق لأنه حليق اللحية, مرحباً بكم في أفغانستان, لكن أفغانستان الآن عبارة عن رصاصة ممكن أن تنطلق في أية لحظة, ربما طائشة أو هناك هدف, في المدينة الخاوية هناك اثنان يتحدثان, أحدهما يريد أن يبيع ساقه الأخرى حتى يتمكن من توفير لقمة عيش لأطفاله, ولو لحين, رائحة الديزل تعم المكان حيث لاوجود للكهرباء إلا من خلال (المولد), بعض المدن تتشابه في المحنة, لقد حلت تلك الرائحة بدل رائحة الخبز الطيب, كابول لم تعد كما كانت, لايسمحون لك بأن تكون إنساناً, في الملجأ يشاهد أمير الكثير من الأطفال, ينفعل كثيراً على صاحب الملجأ لأنه يسلم في كل مرة طفلاً أو أكثر الى طالبان, أحد الطالبان يتردد مرة أو مرتين في الشهر يجلب معه الكثير من الأموال, عادة يأخذ بنتاً,
وهل تسمح أنت بذلك؟
مالخيار الذي أمامي؟
أنت المدير هنا, وظيفتك أن تعتني بهؤلاء الأطفال،
بمجرد أن تقترح فلن تعود تراهم أبداً هنا, لقد صرفت كل مدخراتي من أجل هذا المكان البائس, أنت تظن أن ليست لي عائلة؟ كان بإمكاني الفرار كالآخرين, لو رفضت أن أعطي طالبان طفلاً فسوف يأخذون عشرة, لذلك أوافق أن يأخذوا واحداً فقط من أجل البقية.
في الملعب يجلبون رجلاً وامرأة، وأمام الجميع يرجون المرأة بقسوة ويقتلون الرجل, يتوصل أمير في النهاية لمكان سهراب ليجده مع من؟ مع عاصف، ذلك الصبي الشرس الذي استبيح حسن أمام عينيه, تكتشف لعبة أمير في التخفي, لكنه يصر أن يصطحب سهراب معه, تحدث معركة ينهال فيها عاصف على أمير ضرباً فيدميه, يحاول أن يقتله، لكن سهراب يعود الى طفولة أبيه في تسديد (المصيادة) الى عين عاصف ويهربان, يعودان الى الباكستان، وأثناء الدخول يضع السائق مبلغاً من المال بيد حارس الحدود, يسمع صوت الصلاة ويختفي سهراب مرة أخرى ويروح أمير يبحث عنه فيجده منزوياً في البيت القديم ليخبره أنه عاد الى هذا المكان لأن أباه كان يأخذه معه من هنا الى الصلاة, ينجح أمير في اصطحاب سهراب الى أميركا بعد موت رحيم خان وهناك يحاول سهراب أن يتلاءم مع العالم الجديد, إنه لأمر غاية في الصعوبة, هل أميركا هي الحلم؟ أشك, حتى الطائرات التي يوفرها أمير له ولسهراب تبدو في غير سماء البلاد, البلاد الأصل.