لات ساعة مندم

135
رجاء خضير /
أتعرف أيها القلب أن السعادة التي تتوقُ إليها لا تشترى، بل تنبعث من دواخلنا وتكبر مع سنواتنا، نخشى فقدانها في أية لحظة، لأنها لا تدوم طويلاً مع عواصف تهب علينا دون إرادتنا، فنضيعها، هكذا هي السعادة التي نبحث عنها..
قالت (م) -ذات الأربعين عاماً- بعد محاولاتي معها لنتحدث عن مأساة حياتها التي أوصلتها إلى طريق مسدود:
بعد معرفة بسيطة معه تقدم لخطبتي من أهلي, الذين وافقوا مباشرة, فهو ابن جيران لنا وذو مكانة مرموقة في دائرته. عشنا في بيت مستقل بعد زواجنا، وكان هذا شرط أهله, لأنه إنسان عصبي المزاج، ذو سلوك عدواني -مع بقية اشقائه- هكذا قالوا، هذا الموضوع استوقف والدي آنذاك، حاول تأجيل الزواج ريثما يتفهم وضعهُ جيداً, لكن محاولاته باءت بالفشل.. وهكذا تزوجنا.
ومنذ البداية شعرت أن تصرفاته معي غير موزونة, فتارة يظهر لي الحب والمشاعر، وتارة أخرى نقيضها، لكن مسؤولياتي ازدادت  في البيت، ومعها ازدادت تصرفات زوجي العنيفة معي، إذ بدأ يضربني لأقل هفوة مني تجاهه، لذا التجأتُ الى أهلي وشرحت لأمي  وإخوتي كل شيء عن معاناتي معه, وفي كل مرة كانوا يتحدثون معي ويعيدونني إلى البيت.
محاولات
اعتدت الإهانة منه والضرب, لذا طلبتُ من ابني الكبير أن يحدثه, لأن والده يحبه كثيراً، فقد يؤثر عليه -ولو قليلاً- فيُحسن معاملته معي, فوجئت أن ابني كان يقف الى جانب والده إذ أسمعني كلاماً استغربت كيف حدثني به, كدتُ أفقد اعصابي وأضربه, توقفتُ وسيطرت على نفسي ودخلتُ غرفتي متأثرة جداً من موقف ابني الكبير..
حدثت والدتي بما حدث بيني وبين ابني, حزنَت كثيراً لكنها نصحتني بأن لا أوبخه أو أوجه له إهانة لأنه في طور المراهقة ولا يعي ماهيه تصرفاته, ونصحتني بأن أجعله يحس بسوء تصرفاته معي.. هذا أفضل.
أردفت (م) بحديثها:
لم يتغير زوجي بمرور السنوات، بل زادت تصرفاته معي سوءاً حتى ظننت أن هناك امرأة ما في حياته، وفي يوم صارحته بما أخافه وأخشاه من جراء تصرفاته هذه, وما إن سمعني حتى انهال عليّ ضرباً وأوقعني أرضاً، ليمسك بعصا سميكة ويكمل ضربه وأنا أتلوى ألماً، استنجدتُ بأولادي ليخلصوني منه, لكنهم لم يتقدموا نحوي: أخوفاً منه أم هم أخذوا قسوة والدهم وجفافهِ؟! لا أعرف كيف أفسر موقفهم مني.
بكت (م) وواصلت حديثها:
كفَّ عن الضرب حينما رأى الدم يسيل من أذني، لمملت ما بقي من قوة عندي وزحفتُ إلى غرفتي وغيرتُ ملابسي, وعزمتُ على الذهاب إلى بيت أهلي لأطلعهم على ما أمرُّ به, وفعلاً خرجتُ من البيت بعد أن أخلدوا جميعهم إلى النوم. شرحتُ لأهلي كل التفاصيل, فوجئوا بما أنا عليه, حاولت أمي إثارتهم للانتقام من زوجي, لكنهم (إخوتي) اتفقوا على أن يحدثوه أولاً بحضور أهله وكبار عائلته، وجرى ذلك بعد أن رفض هذا الاقتراح مطالباً بإعادتي إلى البيت، لكنني رفضتُ, وجرت المواجهة بين أهله وأهلي وأنا وهو, طلب إخوتي منه تفسير تصرفاته معي وقالوا له “قد تكون أختنا مقصرة بواجباتها تجاهك والبيت والأولاد..” لم يدعهم يكملوا حينما قال “لا… هي زوجة مثالية لكنها لا تدرك أمور الحياة وغير متحضرة.”
صرخ به أحد إخوتي: اذن طلقها وكل يذهب إلى حال سبيله، وحصلت مشاجرة بينهم لتتحول بعدها إلى عراك بالأيدي, أخرجونا -نحن النساء- من البيت, وأنا أدفع إخوتي للخروج أيضاً، لكنهم امتنعوا عن الخروج، بعد دقائق من ذلك سمعنا صوت اطلاقات نارية فصرخنا جميعاً -نحن النساء- واندفعنا نحو الداخل لنرى الذهول على وجوه جميع الموجودين وزوجي يسبح في دمه أرضاً وأحد إخوتي ممسكاً بمسدسهِ!
واندلعت معركة بين الجانبين، فيما كان زوجي ما يزال ممدداً على الأرض، فصرخت بهم: انقلوه الى المستشفى قبل أن يموت..
نقلوه إلى المستشفى، لكنه توفي بعد يومين فقط, وبدأت التهديدات من قبل أهله وأولادي الذين طردوني من البيت، موقنين بأني السبب بوفاة والدهم، ناسين إهاناته وضربه اليومي وأمام انظارهم. جاءت الشرطة وقبضت على إخوتي جميعهم، بل وحتى على أبنائهم الكبار, على الرغم من أن شقيقي الذي أطلق النار قد اعترف بل وسلّم الشرطة سلاح الجريمة.
أكملت (م):
لم تنتهِ قصتي بعد، فبعد أيام الحداد جاء أولادي ليعيدوني إلى البيت، حسبتُ أنهم اشتاقوا الي، أو عرفوا حجم العذاب الذي تحملته من والدهم, عدتُ معهم لأرى وجههم الحقيقي… فإذا بهم نسخة من والدهم.
وصلنا البيت ليقيدوني في غرفتي ويغلقوا الباب علي، حاولت فهم ما يفعلونه معي! ولماذا كل هذا الجحود, لكنهم كانوا يسمعونني كلاماً سيئاً جداً، واهانات أقسى من إهانات والدهم, لا يسمعونني, لا يتطلعون في وجهي, يرمون لي فتات وفضلات طعامهم وكأنني كلبة منبوذة, وكم تمنيتُ الموت آنذاك, نسوا ما تحملتُ من أجلهم والبقاء معهم لئلا تتأثر دراستهم حينما أترك البيت.
فبماذا قابلوني: بالجحود وعقوق الأم.. مرضتُ حينما أضربتُ عن الطعام لسماعي ما وقع لإخوتي بسبب إنقاذهم لي من يد الظالم، اعترف أن واحداً من أشقائي قد فقد أعصابهُ وأطلق عليه النار.. لكن ما ذنب الآخرين وأبنائهم, وأنا ما ذنبي لتتجدد عذابات زوجي على يد أولادي.. أولادي الذين أنجبتهم وسهرت عليهم الليالي ليكبروا، وبدل احترامهم لي أذاقوني شر العذاب وأقساه.
هذه هي قصتي مع عائلتي.. قصتي التي لم تنتهِ بعد.. وهنا تذكرتُ وقتها إصرار أهله على أن يتزوج في بيت مستقل لأنهم يعرفون أنه مريض.
لنرَ ماذا ستحكم المحكمة على إخوتي! أما أنا فقد صدر عليّ الحكم منذ تزوجته والى الآن..