لم أندم على قتلهِ!!

244

رجاء خضير /

تعال نقلب أوراق الزمن الماضي, لنستذكر ما مرّ بنا، من المؤكد أننا سنضحك تارة ونحزن أخرى, وهذا هو الزمن الذي نعيشه، سواء أكانت أيامه ماضية أم آتية، ونحن البشر كأوراق شجر تعصف بنا الأقدار كيف تشاء.. كيف تشاء.

قال (و).. الشاب ذو العشرين عاماً: نشأت بين والدين أتعبهما الزمن, بل ورسم خطوطاً شتى على وجهيهما, وكنت أسائل نفسي وأنا صغير: لماذا أمهات أصدقائي صغيرات وجميلات أما أنا.. فلا؟ وهنا يصمت قليلاً ثم يتابع الحديث: حينما كبرتُ قليلاً عرفتُ أنهما ليسا والديّ, بل هما قريبان لأمي. ازداد حبي واحترامي لهما, فهما رعياني وربياني كأنهما والداي. بعد مضي فترة سألتهما عن والديّ، أين هما, ولماذا تركاني؟ ولماذا لم يزوراني و…و..؟ بكت العجوز وقالت لي “لا تسألني الآن.. حين تكبر ستعرف كل شيء عنهما،” وسكتت.
احترمتُ حزنها ودموعها وهي تحدثني، لذا تركتُ أسئلة طالما عذبتني منذ أن عرفت أن والديّ تركاني عندهما. في أحد الأيام زارتني مدرِّستي في البيت وتحدثت إلى والدتي بالتبني, تشكو لها شرودي وعدم تركيزي أثناء الدروس.
بقيتُ واقفاً عند الباب, لم أدخل لأنني لم أرد إطلاع المدرِّسة عن سبب تراجعي في الدروس والشرود المستمر. حدثتها (أمي العجوز) عن أسباب شتى من بينها شظف العيش, وبأنهم يبحثون لي عن عملٍ.. وغير ذلك. خرجت المدرّسة من بيتنا وهي حزينة, وأوصتني بعدم ترك الدراسة. ومنذ ذلك اليوم انقلبت حياتي وازدادت همومي, فأنا أحبُ المدرسة وأصدقائي وكتبي, لكني أُجبرتُ على ترك كل هذا، وبدأت فعلاً البحث عن عملٍ ما لأساعدهما في مصروف البيت, وجدتُ أعمالاً لا تليق بي لكن يأتيني منها دخلٌ بسيط يساعدنا في الحياة, أصبحتُ في الخامسة عشرة من عمري, وصممتُ أن أعرف حقيقة والديّ ومن أنا؟
صارحتُ والدي (منْ أسميه والدي) بأن يقول لي الحقيقة ومن أنا؟ وما صلة القرابة بينهما وبين والديّ الحقيقيين؟ نادى على أمي العجوز وقال لي: لقد كبرت ولكَ أن تعرف قصتك الحقيقية.
ثم قال: والداك قريبان لنا من بعيد, لكنهما كانا يساعدانني كثيراً فهما رحيمان بي, حينما أنجبتك أمك, اندلعت في ذلك الوقت معركة كبيرة بين قبيلتهما وقبيلة أخرى, أُزهقت فيها أرواح بريئة، وخشية عليك من القتل والمصير المجهول بين هذه العائلات التي لا تعرف الرحمة, فكر والداك أن يتركاك معنا, ولاسيما أننا نسكن في محافظة أخرى, فأهلك يعيشون في محافظة جنوبية(!) وهكذا بقيتَ معنا فترة من الزمن, ولما لم يأتِ أحد من والديك ليسأل عنك ذهبتُ أنا (يقول والدي بالتبني) أستفسر عنهما خلسة وفوجئت بأنهما قُتلا بنيران القبيلة الأخرى، سألتُ عن جدك وعن أعمامك وأخوالك فلم أجد أحداً منهم.
يبدو أن تلك المعركة قضت على كثيرين منهم, والناجون نزحوا إلى محافظات أخرى أو دول قريبة، وهكذا عدتُ بلا نتيجة, وصممتُ من يومها أن أكون لك أباً, وهذه العجوز أماً, هذه حكايتك يا (و)….
قال لي (و): ومذّاك وأنا لا أعرفُ ماذا أعمل، فكرت أن أنشر صورتي وعنواني في الصحف عسى أن يقرأها أحد من أقاربي, لكني تراجعت في النهاية خوفاً من القبيلة الأخرى, فقد يقتلونني كما فعلوا بأهلي.
وخطر لي أن أسافر إلى محافظات أخرى للعمل والبحث عمن بقي من أعمامي, وسافرتُ رغم معارضة (والديّ العجوزين) ووعدتهما أن أتصل بهما بين حين وآخر.
بدأت رحلتي المكوكية, التي لها بداية وليست لها نهاية, أحمل معي أسماء أهلي واسم أحد أعمامي الناجين كنتُ أسأل عنه خلسة، ولم أجد من يعرفهُ!
بدأتُ العمل في مقهى, كان روادهُ خليطاً من فئات عمرية شتى, فرحتُ بذلك، فلعلّي أتعرف على عمي بينهم، لكن دون جدوى، تصرفاتي هذه جعلت صاحب المقهى يسألني عما بي, ولا أعرف حينها لماذا رويت لهُ قصتي, وبعد الانتهاء من الحكاية أخرج من جيبهِ مبلغاً من النقود وقال لي “لا تأتِ بعد إلى العمل فأنا أخافُ على رزقي.”
وهكذا عدتُ إلى الشارع مرة أخرى لتتلقفني أيدٍ قذرة, تعلمتُ منها الطرق الشائكة والملتوية، مارستُ أعمالاً سيئة جداً لا أرتضيها في قرارة نفسي, ولكن ما العمل, أريد أن أعيش, أريد معرفة أهلي، أريد…..وأريد !
في هذه الفترة الحرجة, والضياع الذي أعيشه، اتصلت بي (أمي العجوز) تتوسلني أن أعود إليهما وأترك البحث عن ماضٍ لم أكن أنا جزءاً منه، وعدتها خيراً وأغلقتُ الهاتف. ذهبتُ إلى الفندق الذي أنام فيه فوجدتُ شخصاً لا أعرفه بانتظاري، وحينما قدم لي نفسه أصبتُ بإحباط، فهو ليس عمي, إذن منْ يكون؟ سألتهُ ماذا تريد مني؟ قال: أريد أن أساعدك, فقد عرفت قصتك من صاحب المقهى الذي كنت تعمل فيه. سكتَ (و) وكأنه يستذكر ما مرّ به، بعدها قال: سألتُ الرجل كثيراً, وسألني أكثر، ثم اتفقنا على عمل مربح وسهل لكنه يحتاج الى ذكاء, ووعدني هذا الشخص أن يبحث معي عن أهلي.
عملتُ معه مدة قصيرة, واكتشفت أنه إنسان غير سوّي, يمارس أعمالاً قذرة ينفذها مع منْ يعمل معه, خشيت كثيراً منه, بعدما علمت من أحد عمالهِ حقيقة أعمالهِ ولصالح منْ.
في الصباح التالي حدثته بصراحة, وبرغبتي في ترك العمل والذهاب للبحث عن أهلي!
ضحك بصوت عالٍ وقال لي: هكذا ببساطة تترك العمل؟ لا يمكنك ذلك بعد أن اطلعت على أدق تفاصيل عملنا، ثم رمى بوجهي كيساً أبيض, لاشكّ أنها مخدرات, ثم أمرني بتوزيعها ثم العودة إليه ليأخذ حقه مني, ماذا يقصد بحقه؟ أهي النقود أم شيء آخر؟ هنا استشتطتُ غضباً وفقدت أعصابي وأنا أسترجع ما رواه العمال عنه وعن أفعاله الدنيئة, رميتُ الكيس في وجهه, وتحول الكلام إلى صراخ وسباب ثم تشابك بالأيدي، حمل قطعة حديدية كانت أمامه وضربني بها قاصداً رأسي، لكنها أصابتني في كتفي, فما كان مني إلا أن أحملها وأضربه بكل قوة, وبكل حزن السنين ومعاناتها, وقع أرضاً وسط دهشة العمال, اتصلتُ أنا بالشرطة التي حضرت فوراً إلى مكان الحادث فوجدوه جثة هامدة, وفي يده كيس المخدرات. فتش الشرطة المكان فوجدوا كثيراً منها, ثم قبضوا على كل الموجودين, وأنا معهم، إذ اتهمتُ مبدئياً بالقتل وحيازة المخدرات, الآن ومن هذا المكان أتمنى أن يقرأ عمي ما قلتهُ ويتصل بي ويساعدني في محنتي هذه!
ويحدثني عن أمي وأبي، أرجوك يا عمي.. لبِّ لي أمنيتي هذه!!!