متظاهرو التحرير: النظاقة والكتاب يؤكدان سلميتنا

241

ذوالفقار يوسف /

يتضمن حق التظاهر، والذي يعتبر حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، شروطاً مهمة لخلق تجمعات سلمية أساسها الإعلان عن مطالبهم من الحكومة، فالاحتجاج ليس ترفاً وإنما وسيلة لاكتساب حق، ولابد لهذا الاحتجاج أن يحافظ على أرواح الناس والممتلكات العامة والخاصة وأن تكون مطالبه واضحة ووسائله سلمية لتتم الاستجابة لها بسرعة لضمان حقوق الشعب، أي أن سلمية التظاهر تشكل الضمان الحقيقي لاستمرارها وتحقيق المطالب مهما كانت صعبة.
حققت وسائل التظاهرات السلمية وأساليبها المتنوعة في العراق نهجاً جديداً في طرق الاحتجاج الذي توِّج بالسلام، فمن لوحات الأمل والحب إلى تكاتف الشعب مع تنوع طوائفه ومذاهبه، إلى نبذ كل مظاهر العنف، استطعنا أن نلتقط بعضاً من هذه الوسائل.
النظافة سلام
اكتظت ساحة التحرير والأماكن التي تحيط بها بفرق تطوعية، مهمتها أن تواكب قوافل المتظاهرين طوال اليوم لتنظيف الشوارع وصبغ الأرصفة والجدران. نور ماجد (25 عاماً) تحمل مكنستها كما تحمل الأم طفلتها تقول: “لنا الحق في التظاهر فهو جزء لا يتجزأ من حقوقنا المشروعة، إلا أن هناك مسؤوليات تقع على عاتقنا أمام الوطن وأمام العالم الذي يرانا الآن، فالنظافة مهمة جداً لإيصال صوتنا بطرق حضارية وسلمية، ولأننا من العراق وإليه فلا بد لنا من الحفاظ على نظافة شوارعه، وعكس صورة جميلة، وبأننا ننبذ كل وسائل العنف والتخريب، وفي النهاية نحن لا نريد غير الوطن، وهذا الوطن يجب أن يكون نظيفاً”.
رسم الطموح
قوس قزح، حمامة بيضاء، رسائل محبة، والعديد من الرسومات والخطوط من الفن التشكيلي والفنون الأخرى التي زُينت بها ساحة التحرير وماحولها من جدران، فشباب العراق قد أطلقوا العنان ليظهروا إبداعاتهم بسلمية وحب.
أسامة محمود (24 عاماَ) وقف صامتاً أمام هذا العدد الكبير من الصور والجمل التي خطت بطريقة فنية جميلة، قال: “لم يكن في حسباني أن أبناء العراق لديهم هذه الإمكانيات وأن شبابه اليافعين مبدعون لهذه الدرجة، فقد حالفني الحظ أن أحمل أصباغ أحد الرسامين، فقط لإشارك في رسم لوحة ما تزين جدران نفق التحرير، أو جملة تُخط وتدعو إلى الحب والسلام، وبينما أنا أمشي بين هذه الجدران الملونة، حينها عرفت بأن شعبنا لا مثيل له في العالم أجمع”.
الثقافة عنواننا
كل سلوك إنساني مهما كانت توجهاته هو مايحدد نوايا هذا الإنسان، ولابد لها أن تكون نوايا منتجة كما التعايش والحب وحفظ الممتلكات وطرق التعبير والاحتجاج. سلوان عادل (33 عاماً)، رتب العديد من الكتب وسط ساحة التحرير ليقول للعالم أجمع إن العراق مازال يقرأ حتى وهو ساحة التظاهر، يقول سلوان: “إن نشر الثقافة في هذا الوقت هو أمر مهم وله عدة فوائد، منها إظهار سلمية التظاهر، وتغيير توجهات العنف في نفوس بعض الشباب اليافعين، والأهم من هذا هو إقبال العديد من الشباب المحرومين من متعة القراءة لمطالعة أحد الكتب أثناء تواجدهم في ساحة التحرير، أما البعض الآخر منهم فقد تبرع بما يستطيع من كتب للفائدة العامة، بالأخير فإن الشعب عندما يقرأ سينتصر بالتأكيد مهما كان الإمر مستحيلاً”.
مندسون ولكن
بينما يخوض الشعب في موجة الاحتجاجات السلمية التي تنبذ التخريب والعنف، يخرج من جحور الهلاك البعض من ذوي النفوس الضعيفة الذين يريدون تمزيق وحدة التظاهرات وسلميتها، فمنهم من يحرق إطارات السيارات ويعطل حركة العجلات ويتلف الشوارع، ومنهم من يدفع ببعض الشباب للتوجه إلى المباني والمؤسسات والتعرض لها وتخريبها.
علي ناصر (28 عاماً) يقول لنا بحسرة: “لقد واجهني أحد المواقف في أحد شوارع بغداد عندما كنت متوجهاً إلى ساحة التحرير، فقد اعترض العجلة التي كنت أركبها بعض من الشباب الذين تلثموا بوشاح الحقد والكراهية، وهم يحملون إطارات السيارات ويرومون حرقها في وسط الشارع لغلقه، لم أتمالك نفسي حينها، فهذا الطريق هو نفسه طريق ذهابي إلى العمل في كل يوم، وغلقه بهذه الطريقة سيغلق باب رزقي وقوت أسرتي فضلاً عن إساءة هذا التصرف غير المسؤول الى سلمية المتظاهرين، ما دفعني الى الترجل من المركبة وترجل معي الآخرون لسحب الإطارات من بين أيديهم، و صرخنا بصوت واحد في وجوههم … سلمية ….سلمية”.