محلات وبيوت بغداد التراثية صروحٌ تحاكي التاريخ

74

خضير الزيدي /

تشكل البيوت البغدادية القديمة معالم من التراث الإنساني الذي يحتفظ به العراقيون، فقد كونت بهندستها وطريقة بنائها مشهداً جمالياً يتناغم أمام كل من يتأمل خصائصها في التكوين المعماري وينظر لمهارة نشأتها وعلو أعمدتها المزخرفة وشبابيكها المطلة على نهر دجلةوهي محملة بالشناشيل وما تحمله من زخارف وتفاصيل لأشكال نحتية مختلفة،
كتب لتلك المنازل العالقة في ذاكرتنا أن تحتفظ بهويتها وتواجه صدمة التغيير في البناء والتوسع العمراني الذي احتوى الغالبية من المحلات الشعبية، فما الذي يميزها على صعيد الخصوصية والوظيفة والتصميم العمراني؟

البناء المحصن
من يعرف بغداد في بداية تشكيل الدولة العراقية عام 1921 يعي تماما كيف بدأت تنشأ فيها البيوت، فقد تغيرت الواجهات العامة وتسارعت الخطوات لتقديم البناء المحصن بعد أن كانت الغالبية من تلك البيوت من الطين، وساعد وجود البريطانيين -كمشرفين يومذاك- على إنشاء الكثير من المباني ذات الطابع الجديد من أجل أن تكون بغداد هي العاصمة، فقد فرض هذا الأمر الإداري بناء العديد من المؤسسات والوزارات، وفتح القرار تحديثاً مختلفاً جعل مظهر المدينة أكثر حيوية ونشاطاً، إذ استعان البريطانيون بمهارة العمال والبنّائين العراقيين وزاوجوا ضمن خطة عمل بين العمارة الكلاسيكية من جهة، والاحتفاظ بالموروث والتراث الإسلاميين من جهة أخرى. ووفقاً لهذه الثنائية نشأت فكرة التصميم التراثي للبيوت فجاءت بعناصر متغيرة شهدت تنوعاً واختلافاً لمواد البناء وطريقة التصميم الخارجي والوظيفة الحيوية التي كرست لأجلها، ومن يومها ومعالم بيوت بغداد التراثية تحمل هويتها وحصتها من التراث الإنساني.

التكوين الداخلي للبيت البغدادي
كل من يشاهد البيوت التراثية تستوقفه الواجهات وتعدد الأشكال الزخرفية من الخارج، فالطراز البنائي يبدو مصمماً بتقنية وحرفية عاليتين لوجود أشكال زخرفية وشبابيك متراصفة مع بعضها، وغالباً ما تكون الشناشيل قريبة منها مزيّنة واجهاتها بشكل موسع ومترابط، والأسباب الداعية لوجودها تكمن في إعطاء البيت حيزاً من الصدارة الشكلية، بالإضافة لتغير الجو ودخول ضوء الشمس، فمن يتوقف عند الشكل الداخلي للبيت يراه متكوناً من فضاء آخر يسمى (الحوش) الذي يكون منفتحاً نحو الفضاء الخارجي لدخول أشعة الشمس، تحيطه العديد من الغرف والمرافق الصحية المجاورة، وقد عمد البناؤون إلى إنشاء نوعين من السقوف: الأول -وهو التقليدي- يتكون من الأخشاب المرصوفة بشكل منسجم وعليه علامات ذات طابع تراثي، أما السقف الثاني فقد شُيد بطريقة الطابوق، وهذا أيضاً له طرق، من يشاهدها ويتأمل بناءها يكتشف مهارة ودقة العاملين في تثبيتها، فلم تعد طريقة التكسية بالخشب موجودة اليوم بسبب عوامل الطبيعة، نتيجة الأمطار والريح وانتهاء عمر الخشب المصفوف لقدمه، أما السقف المعمول من الطابوق فلم يزل قائماً محافظاً على بنائه.
أيضا ما تزال الأبواب الداخلية مصنوعة من الخشب، وغالباً ما تحتوي على أشكال نباتية وزخرفية، وما يميزها هو نوعية وصلابة الخشب وطريقة نجارتها بالشكل المحكم، وكل غرفة تحمل شباكاً هو الآخر من الخشب الصندل أو الصاج أو الأنواع القوية، لا يتجاوز قياسه أكثر من مترين، لأن الغرف الداخلية عادة ما تكون قياساتها محددة، أما علوها فيبدو مختلفاً بالقياس لما نراه اليوم، وهذا ما جعلها مميزة من حيث الإطار الداخلي. ولعل اللافت هو أن الغالبية منها خضعت لإعادة ترميم حفاظاً على شكلها من التلف، والأهم في كل هذا أن تعددت البيوت فكانت بقربها المحلات الشعبية.

أمكنة التراث المتجدد
عرف عن مدينة بغداد القديمة أنها تضم العديد من الأماكن التراثية والتي تسمى (المحلات)، قسمت منذ زمن بعيد بين جانبي الكرخ والرصافة، وهي لا تزال تحتفظ بتعدد محلاتها وأزقتها وشناشيل بيوتها التراثية التي تغلب على تكوينها العمراني -الذي أنشئ نهايات الدولة العثمانية وبدايات تشكيل الدولة العراقية في عشرينيات القرن المنصرم- البساطة من حيث التصميم الداخلي، بالإضافة إلى وجود الخزف في التكسية الجدارية والألواح الخشبية بزخارفها ونقوشها الهندسية، وتوجد في أعلى بيوت المحلات الشعبية الشبابيك المصنوعة من الخشب التقليدي، وكل من يزور بغداد اليوم يتوقف عند رؤية بيوتها التراثية التي تتحلى بطابع شعبي يجعل الزائر يتساءل عن أصل مسميات الأماكن مثل محلة سيد سلطان علي، ومحلة قنبر علي، والحيدرخانة، ومحلة الفضل، والمهدية، والهيتاويين، ومحلة سراج الدين، والدهانة، وصبابيغ الآل.. وعشرات الأماكن المحملة بالتراث البغدادي العريق.
ولعل اللافت فيها أنها تنسجم بطابع اجتماعي متماسك احتفظت به الغالبية من البغداديين حتى يومنا هذا، سواء في المناسبات الدينية أو الاجتماعية أو الوطنية، وشكلت تلك المحلات حالة فريدة التفت إليها الدارسون المهتمون بالشأن التراثي متخذين منها عينات لدراساتهم في السلوك الاجتماعي والتكوين العمراني وطبيعة التعايش السلمي الذي جمع المسلمين مع اليهود والمسيحيين في حالة انسجام لا نشاهدها اليوم، وما زال الرحالة الغربيون يحتفظون -ضمن مذكراتهم- بأسماء متنوعة من المحلات البغدادية مثلما يحتفظ التاريخ العربي بتعددها وشرح معالم بيوتها .