مرقدُ ومزارُ الإمام عون بن عبد الله بن جعفر الطيار (ع)… شهيدُ الطفِّ وصاحبُ الكرامات

201

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

مسجدٌ من مساجد الله التي يذكر فيها اسمه، وصرحٌ عمراني يتميز بتصميمه المختلف عن باقي الأماكن الدينية، تهفو إليه قلوب الزائرين، إنه مرقد الإمام عون بن عبد الله بن جعفر الطيار (ع)، أحد فروع الشجرة المحمدية وغصونها الممتدة في البلاد الإسلامية، وأبرز شهداء معركة الطف الخالدة.
اشتهر الإمام عون (عليه السلام) بالكرامات والمعجزات التي تحدث في مرقده الشريف.
“مجلة الشبكة العراقية” زارت هذا المقام المُكرّم بهدف التعريف بالمعالم السياحية الدينية والآثارية في العراق حيث التقت السيد (عبد الله عمران علي) الأمين الخاص لمزار الإمام عون (ع).
محطة للزائرين
يقول السيد عبد الله عمران علي: يعد هذا المزار من المزارات المهمة في محافظة كربلاء المقدسة لأنه يقع على أحد المحاور الرئيسة لتوافد ملايين الزائرين إلى مدينة أبي الأحرار الإمام الحسين (ع)، فهو يمثل محطة استراحة للوافدين من محافظات العراق إلى محافظة كربلاء المقدسة وهو لا يبعد عن مرقد الإمام الحسين (ع) أكثر من 10كم.
شهيد الطف
يضيف السيد الأمين الخاص للمزار: الإمام هو عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، جده هو جعفر بن أبي طالب المعروف بالطيار الذي قاد المهاجرين إلى الحبشة، وأمه زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (ع)، شارك في واقعة (الطف) مع خاله الإمام الحسين (ع), واستشهد فيها.
وتشير مخطوطة السيد مهدي القزويني المسماة (فلك النجاة في أحكام الهداة) إلى أن عون بن عبد الله قد دفن خارج الحائر الحسيني في هذا الموقع، وهذه المخطوطة موجودة في مكتبة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ولدينا نسخة من هذه المخطوطة.
ولادته واستشهاده
يقول السيد الأمين الخاص: إن التاريخ الوحيد المؤكد عن عون بن عبد الله هو تاريخ استشهاده في واقعة الطف بكربلاء المقدسة, ولم تحدد الكتب تاريخ الولادة بالضبط، لكن استشهاده كان في 3 محرم قبل استشهاد الإمام الحسين (ع), سنة 61هـ / 680م.
قصته
يضيف الأمين الخاص: إن المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه (تاريخ العراق قديماً وحديثاً) يذكر أن آخر من التحق بالإمام الحسين (ع) هو حبيب بن مظاهر الأسدي، الذي كان يعرف أحوال الكوفة، وعندما وجد قلة الناصرين للإمام الحسين (ع) قال له إني أعرف جماعة من بني أسد يسكنون على مشارف الكوفة أو بالقرب من المخيم فدعني أذهب لكي استنصرهم لينصروك فقال له الإمام أن اذهب، وأرسل معه عون بن عبد الله بن جعفر الطيار ليكون حجة لبني أسد، فتوجها إليهم وصعد حبيب بن مظاهر الأسدي خطيباً فالتف حوله 90 فارساً، وعندما التحقوا بالمخيم الحسيني وصل الخبر لعبيد الله بن زياد فأرسل إحدى الكتائب لملاقاة الجماعة الذين التحقوا بمعسكر الإمام الحسين ودارت المعركة واستشهد عون بن عبد الله ومن معه وجرح حبيب بن مظاهر الأسدي الذي عاد إلى المخيم الحسيني فروى للإمام الحسين الحادثة فكان جواب الإمام الحسين (ع) أن لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
إعمار المرقد
لم تحدد المصادر التاريخية مراحل بناء مرقد عون بن عبد الله بن جعفر الطيار (ع)، ولكن كثيراً ما نسمع أن الذين بنوا المرقد هم من (الخدم والكوّام)، وقد كان قبر عون مكاناً صغيراً، أو غرفة من الطين، وكان يوجد على القبر صندوق خشبي في هذه المنطقة، حسبما يسرد الأمين الخاص للمزار: لم تكن هناك طرق لمرور الزائرين، إذ كانت هذه المنطقة شبه صحراوية، لكن مع بداية إعمار المزار أخذت المنطقة بالتوسع رويداً رويداً، وكانت أولى حملات الإعمار على يد أحد شيوخ المسعود الذي رمّم المرقد الشريف وبنى قبة طينية صغيرة قبل سنة 1900م، بعد ذلك طُور المرقد وشُيدت فيه بعض الغرف.
انضم مزار عون بن عبد الله إلى دائرة الأوقاف في كربلاء سنة 1968م، التي بدأت بترميم وبناء محال في الواجهة الأمامية، فضلاً عن بناء مخزن وغرفة للحرس، وفي سنة 1972م أغلقت هذه المحال بسبب كثرة الزائرين.
بعدها، عندما فُتح الطريق الحديث، جرى بناء محال أخرى في الجهة الشرقية، فضلاً عن بعض المرافق الخدمية والطارمتين الشرقية والغربية سنة 2002م كذلك، صبت أرضية الصحن بالخرسان غير المسلح، بعد ذلك تطور البناء ولكن بدون تخطيط هندسي وحسب الحاجة، فكان المزار غير نظامي وأبواب الدخول والخروج لم تكن نظامية كذلك.
في مطلع عام 2008م انضم المزار إلى الأمانة العامة للمزارات الشيعية، وأعددنا خطة بالاشتراك معهم ومع القسم الهندسي، فكانت البداية باستملاك الأرض رسمياً، إذ أنها لم تكن مسجلة باسم المزار، بعدها شرعنا في إعداد التصاميم والخرائط الهندسية الخاصة بهذا الصرح العمراني بالتعاون مع وزير الإعمار الأسبق السيد محمد صاحب الدراجي الذي اطلع على المزار فكانت بداية التعاون بالاشتراك مع الأمانة العامة للمزارات والقسم الهندسي ودائرة المباني والاستشارات الهندسية ودائرة الإعمار الهندسي على مساحة 20,000 ألف متر مربع.
كانت التصاميم فريدة من نوعها، لأن مرقد عون بن عبد الله كان يسمى “المعزِّب” لزوار الإمام الحسين (ع)، إذ كان يخدم الزائرين قبل الوصول إلى مرقد الإمام الحسين(ع)، لذلك كانت الفكرة بوابة أو جوهرة معمارية لدخول الزائرين، والكل يعلم أن أهالي العاصمة بغداد والمحافظات الشمالية عندما يدخلون إلى مدينة كربلاء ويصلون إلى قبة الإمام عون الزرقاء يكونون مطمئنين أنهم قد دخلوا إلى مدينة كربلاء، فضلاً عن أن مرقد عون بن عبد الله كان يعد محطة استراحة أو مكان التقاء الزائرين الذين يَتوجهون لزيارة الإمام الحسين (ع).
استغرق إعداد التصاميم سنتين أو ثلاث سنوات، لذلك خرج هذا التصميم الفريد من نوعه، وإن شاء الله بدأت الملامح للعيان من منائر وقبة وأقواس إسلامية, بعد ذلك عُقد اجتماع بين الأمانة الخاصة للمزار والمحافظة برئاسة المحافظ نصيف جاسم الخطابي والأمانة العامة للمزارات الشيعية برئاسة سماحة الشيخ خليفة الجوهر لإعداد خطة لبناء هذا المرقد الشريف، ولاسيما أن البلد قد تعرض إلى ضائقة اقتصادية، فكانت الخطة أن يُشيد المقام من إيراداته ومن المتبرعين، وفعلاً تبلورت هذه الفكرة، وبركات أهل البيت موجودة في كل تفاصيل البناء، ولاسيما في هذا المزار، وبدعم الأمانة العامة للمزارات الشيعية ومتابعة ميدانية من محافظ كربلاء والمتبرعين، كذلك من دولة باكستان التي تبرعت بمادة الحديد والمرمر لبناء هذا الصرح، نحن الآن في مراحل متقدمة من الإعمار إذ سوف توضع اللمسات الاخيرة لها هذا العام، وسيبدأ العمل ببناء الأواوين على مساحة 14,000 ألف م2.
تفاصيل المزار
يقول المهندس دريد قاسم محمد العبادي، رئيس اللجنة التنفيذية لإعمار مزار عون بن عبد الله بن جعفر الطيار(ع)، إنه اعتمد على الإنهاءات المعمارية للحرم الشريف بالطراز الإسلامي الحديث مع مراعاة ضوابط التراث والعمارة الإسلامية في العراق، والطراز المعتمد هو الطراز الفاطمي ويشمل الكاشي الكربلائي والمرمر الأونكس.
وأضاف: أُنجزت مرحلة الهيكل الخرساني ومرحلة الطابوق بتفاصيلها المعمارية كافة من أقواس وشفتات تبريد وبوابات رئيسة للحرم، فضلاً عن ذلك وصلنا إلى نسب إنجاز متقدمة من الخدمات التكميلية للهندسة الثانية، وهي أعمال الدكتات وقنوات الهواء بنسبة 98% إضافة إلى شبكة مد وتسليك الأعمال الكهربائية ومنظومات الإنذار ومنظومات الكامرات ومنظومات توجيه حركة الخروج أثناء الزيارات المليونية، والعمل جارٍ في الأمور التكميلية وقريباً ستنجز كلياً، تلي ذلك أعمال الإنهاءات الداخلية التي نعمل عليها بمساعدة الأمانة الخاصة وبدعمٍ وتوجيهٍ من الأمانة العامة للمزارات الشيعية المتمثلة بسماحة الشيخ الجوهر (دام توفيقه) وبدعم مباشر وحثيث من محافظة كربلاء متمثلة بالمحافظ لتذليل كافة العقبات.
يكمل السيد الأمين الخاص حديث المهندس قاسم العبادي قائلاً: الشباك الشريف سوف يكون فريداً من نوعه، إذ أضيفت أجنحة إلى كل ركن، وهذه منطلقة من فكرة أجنحة جعفر الطيار (ع)، وسوف يُصنع في جمهورية باكستان وأبعاده 5×3 وارتفاعه 8م, الحضرة الشريفة تحتوي على 6 أبواب، 4 رئيسة وبابان خدميان, الأبواب الرئيسة في الواجهة الأمامية تسمى باب المراد والجهة الشرقية تسمى باب الزينبية، أما الغربية فهي باب الرأس والخلفية هي باب القبلة باتجاه القبلة الشريفة. ونظراً لقربه من الشارع فليس للمرقد صحن، بل يكون الصحن إلى الخلف من الجهة الشرقية ومن الجهة الغربية وسوف يكون على مساحة 14,000 متر مربع على طابقين، وستكون في جهة القبلة مئذنة الساعة بارتفاع 32م. أما السرداب فقد استحدث في التصاميم لأن مرقد عون منخفض عن الشارع العام بنحو متر ونصف المتر، وقد رفع البناء الحديث متراً و 60سم لذلك أصبح الارتفاع مترين و10سم أو أكثر، وأصبح القبر الشريف في منطقة منخفضة، لذلك لم يكن باستطاعتنا، إكراماً للقبر الشريف ولقدسية المكان، أن نقوم بدفن هذا المكان كما لم نسمح بدخول الآليات، عليه قررنا أن يكون هناك سرداب أنجزناه بجهود المتبرعين وهو تحت الشباك الشريف مباشرة.
المناسبات والزيارات
اما عن الزائرين فيقول السيد الأمين الخاص: أعداد الزائرين والوافدين إلى المرقد ترتبط بزيارة الإمام الحسين (ع) والزيارة الأربعينية المليونية شاهد على ذلك, وفي هذه الزيارة نفتح المزار عشرة أيام لاستقبال الزائرين، وهناك الزيارة الخاصة في 13صفر، وهذه الزيارة سنوية خاصة بمرقد عون بن عبد الله إذ يأتي كثير من الزائرين من المناطق المجاورة سيراً على الأقدام, وزواره من جميع دول العالم فضلاً عن الزوار العراقيين. أما عن النشاطات فهي تتنوع وتمتد على مدار السنة وبضمنها مركز علوم القرآن.