مسجد السهلة المعظَّم.. في كل زاوية فيه مقام نبي وإمام وولي

154

#خليك_بالبيت

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

يقع مسجد السهلة في ظاهر الكوفة في محافظة النجف الاشرف، ثاني مدينة مُصِّرت في العراق بعد الفتح الإسلامي، وكان عند تشييده في القرن الهجري الأول من أكبر مساجد الكوفة والدولة الاسلامية آنذاك، وكان يسمّى بمسجد (بني ظفر) على اسم القائمين على بنائه وأطلق عليه أكثر من اسم ليستقر حاليا على اسمه الحالي.
“مجلة الشبكة العراقية” تشرّفت بزيارة المسجد لتسليط الضوء على هذه البقعة الطاهرة ضمن سلسلة (معالم – السياحة الدينية في العراق)، لمكانته الدينية وأهميته السياحية، والتقت الدكتور المهندس مضر عبد الهادي المدني الأمين العام لمسجد السهلة المعظم.
التأسيس
يقول المدني: يفتقر الإرث التاريخي لمسجد السهلة المعظم إلى الكثير من المفاصل المحددة لتأسيسه ومراحل تطور عمرانه، وهو في ذلك شأنه شأن العديد من المساجد والآثار الإسلامية، ولا شك أن العهود المتوالية بما أثقلت به على الرواة والمحدثين الصادقين، قد ساهمت في طي صفحات كثيرة؛ إما تغييبا أو كتمانا، والمحصلة أنّها ضاعت.
ويضيف المدني: مرّت الكوفة بأحداث جسام بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ولا ريب أن مسجد السهلة قد نال حظه من هذه الأحداث واستبداد الطغاة، لكن الرحمة الإلهية قد حفظت لهذا المكان الطاهر بعض النصوص الكريمة التي أشار إليها أئمة أهل بيت الوحي (ع)، ولم يستطع أولئك الظالمون أن يغيّبوا رغم كل ما عملوا الأحاديث والروايات الشريفة التي تحدّث بها أمير المؤمنين وأبناؤه الطاهرون (ع) عن المسجد المشرف، ومن تلك الأحاديث يستدل الباحث على قدم هذه البقعة المباركة، كونها كانت بيت النبي إدريس (ع) وموضع عمله، وبيت النبي إبراهيم (ع) ومقر انطلاقه، ومسكن عبد الله الصالح الخضر (ع) ومحل تردده، ومقر النبي داود (ع) ومصدر توجهه ولأن في المسجد هذه البيوت والمقار المباركة فإنه يعد من أفضل المساجد التي هي بالتسلسل المسجد الحرام، وبعده مسجد النبي (ص)، ويليه مسجد الكوفة، ثم مسجد السهلة.
الأسماء الأخرىللمسجد
واستناداً إلى المدني، فقد أطلقت على مسجد السهلة الشريف تسميات شتى، من بينها (مسجد القرى) و(مسجد البري) و(مسجد سهيل) و(مسجد عبد القيس) و(مسجد بني ظفر) وتسمية (مسجد السهلة)، التي غلبت عليه.
تفاصيل المسجد
يبيّن المدني أن أبعاد المسجد الذي هو بشكل مستطيل تقريبا 140م طولا، و135م عرضا، وله سور خارجي وقد جرت عليه تجديدات عدة بعد ذلك، يزيد ارتفاعه على 7م مدعوماً بأبراج نصف دائرية متماثلة الأبعاد من الخارج، وجاء وصف مساحة المسجد قديما 140م في 125م وترتفع جدرانه نحو 22م وكل ضلع من أضلاعه الأربعة تدعمه أبراج نصف دائرية من الخارج على أبعاد متساوية، أما المحراب فيقع في وسط بيت الصلاة، أي إن مساحته كانت أوسع مما هي عليه الآن كثيرا، وتقع في منتصف الضلع الشرقي منه مئذنة المسجد التي يبلغ ارتفاعها 30م، وقد شيّدت هذه المنارة سنة 1378هـ ـ 1967م، بسعي سادن المسجد المرحوم الحاج جواد بن الشيخ حسين بن الشيخ ابراهيم السهلاوي الخفاجي الذي تولّى سدانة المسجد بعد والده الشيخ حسين السهلاوي المتوفى عام 1345هـ، ويحيط ساحة المسجد في بنائه السابق على طول الضلعين الشرقي والغربي صفان من العقود (إيوان) مع رواق طويل، أما اليوم فقد انتظمت الأواوين مع رواق ممتد جنبها على أضلاعه الأربعة.
ويضيف المدني أن العمارة الحالية الخرسانية للمسجد جسّدت شكل وأبعاد الأواوين السابقة، وطابقتها تماما، محافظة على ذلك التراث المعماري الإسلامي الذي ورثه مسجد السهلة المعظم وأعطى أسلوب التنفيذ في مرحلة الإعمار الحالية صورة متألقة عن ذلك الانسجام في التفاصيل، أما المدخل الرئيس للمسجد فهو من الباب المجاورة للمئذنة في منتصف الضلع الشرقي، وهناك مدخل آخر في منتصف الضلع الشمالي مغلق بكسر من آجر المقالع قبل أكثر من قرن، وقد تم ضمن مرحلة الإعمار الحالية إعادة فتح هذا المدخل واستحداث بوابة خاصة له مع صحن جديد، وهنالك صحن ملحق بالمسجد خارج حدوده من الجهة الشرقية، يضم بناية قديمة كانت في ما مضى مستقرا للزائرين وقد شيّدت بصورة فنية رائعة على طراز الخانات المشيدة على الطريق بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، ويبدو أن عمر البناء يزيد على 300 عام، كما تحتضن أرض المسجد بعض آبار المياه القديمة، ومنها البئر الموجودة حاليا قرب المئذنة، وأخرى عند الركن الشمالي الشرقي داخل بناية الزائرين القديمة.
مراحل الإعمار
يبيّن الامين العام للمسجد أن مراحل الإعمار توزعت على أجزاء مختلفة وفي فترات متفاوتة، قبل عام 750هـ شيّدت الجهة القبلية، وفي عام 1181هـ بنى السيد محمد مهدي بحر العلوم بناية لمقام الإمام الحجة (عج)، وبين العام 1200- 1260هـ تم بتوجيه آية الله العظمى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر بناء البناية الملاصقة لمسجد السهلة من حيث الدخول من بابه للمحافظة على قدسية المسجد ولتكون مسكنا لخدّامه، في عام 1303هـ قام المرحوم الحاج محمد صادق الأصفهاني بتشييد الغرف على الجدار الجنوبي الشرقي، وفي نفس السنة جدّد الاصفهاني مقام الإمام جعفر الصادق (ع)، وفي عام 1308هـ قام المرحوم الحاج محمد باقر البوشهري بإلحاق غرف للأواوين السابقة على الجانب الشمالي الغربي ووضع لها أبوابا، في عام 1326هـ تمت إعادة بناء محراب الإمام الحجة (عج) ووضع عليه شباك من البرونز، وفي عام 1349هـ تم وضع شباك من الخشب لمحراب الإمام الحجة (عج)، وفي عام 1351هـ قام المرحوم الحاج محمد رضا البوشهري، ببناء الأروقة بصورة جيدة، وتبليط جميع سطوح المسجد، وفي عام 1367هـ، قام المغفور له الحاج عبد المحسن شلاش بترميم المسجد، وفي عام 1369هـ، تبرّع المغفور له الحاج رضا النجار النجفي بالباب الرئيس للمسجد، وفي عام 1371هـ، تبرّع المرحوم الحاج عبد الله جعفر روجي من أهالي زنجبار بشباك برونزي لمحراب الإمام الحجة (عج)، وفي عام 1379هـ، قام المغفور له الحاج عبد الزهرة فخر الدين بإعادة بناء مقام الحجة (عج)، وتوسيعه، وتشييد الأروقة والطارمة الأمامية وتثبيت العديد من الآيات الكريمة والنقوش على بعض الأجزاء، وفي عام 1387هـ، شيّدت المنارة الحالية للمسجد. وفي عام 1389هـ، قامت الأوقاف العراقية بإكساء أرصفة الأروقة الداخلية للمسجد، وفي عام 1390هـ، أجريت مراحل إعمار أخرى للمسجد بأمر المرجع السيد محسن الحكيم (قدس)، وفي عام 1392هـ، قامت الأوقاف العراقية برصف الجوانب الأمامية المحيطة بالمسجد بالطابوق الخرساني، وفي عام 1394هـ، قام المغفور له الحاج عبد المنعم ناصر مرزة بتشييد بناية جديدة لمقام الحجة (عج) بمساحة 120م2 عليها قبة من الكاشي الأزرق، وفي عام 1396هـ، قامت الأوقاف العراقية بإعمار للتأسيسات الكهربائية للمسجد وترميم سقوف المسجد، وأرضية مقام الإمام الصادق (ع)، والممر الواصل بين مقامات الأنبياء إبراهيم وإدريس (ع)، وإلى مقام الخضر (ع)، وفي عام 1415هـ، قام المغفور له الحاج محمد رشاد ناصر مرزة بتوسيع المقام من الجانبين وإعادة إعماره بمساحة 390م2، بإكساء الأرضيات بالكاشي المطعم، وإنهاء الجدران الداخلية، وتطعيمها وتغليف الواجهة الخارجية بالطابوق المنجور وتزيين الجدران الخارجية والداخلية بإزارة من المرمر، وفي عام 1420هـ، تمت المباشرة بإعادة بناء المسجد بجميع أجزائه بأمر سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله، وفي عام 1429هـ، تم إنجاز إكساء الصحن الشرقي للمسجد بالرخام، وفي نفس التاريخ تمّت المباشرة ببناء مؤسسة مسجد السهلة المتخصصة بتراث أهل البيت (ع) ملاصقة لجداره الجنوبي، وفي عام 1431هـ، تمّت المباشرة بأعمال التوسعة الكبرى لمقام الإمام زين العابدين (ع)، والإمام الحجة (عج)، برعاية مكتب المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله، ويختتم المدني حديثه بالقول: والآن المسجد اكتمل بحلته الجديدة والبهية وفق الطرز الإسلامية لإظهاره بالحلة المناسبة لكيانه المعظم.
مقامات المسجد
تنتشر في ساحة المسجد وأركانه عدة مقامات ومحاريب للأنبياء والأئمة والأولياء (ع)، ففي وسط المسجد مقام الإمام الصادق (ع) وفي الزاوية الشمالية الغربية موضع بيت النبي إبراهيم (ع) ومقامه، وفي الزاوية الجنوبية الغربية مقام النبي إدريس (ع)، وفي الزاوية الشرقية الجنوبية مقام العبد الصالح الخضر (ع)، وتضم الزاوية الشمالية الشرقية مقام الصالحين والأنبياء والمرسلين، وبين الزاوية الجنوبية الشرقية وسط المسجد هنالك مقام للإمام زين العابدين، وفي منتصف الضلع الجنوبي من المسجد تقريبا مقام الإمام صاحب الزمان.