مسعود العمارتلي امرأة غيرت ثيابها واسمها لتغني!

935

اعداد:عامر بدر حسون /

هذا الملف عن المطرب-المطربة مسعود- مسعودة العمارتلي هو أول ملف شامل ينشر عنها وعنه، وقد مضى على نشره في مجلة فنون 38 عاما وشبكة الأيام تعيد نشره لما فيه من معلومات مهمة ومثيرة وموثقة:

بمناسبة مرور 36 سنة على وفاة مسعودة بنت حمود عبود بين دبيخي..

ولدت مسعودة في قرية “الشعبة” ناحية امسيعيدة في عائلة مهمتها الخدمة في بيت الشيخ، ما جعلها ترفض تلك المعيشة وتتوق نفسها الى الحرية منذ نعومة أظفارها وكان صوتها الجميل خير عون لها فلبست ملابس الأولاد منذ الطفولة حتى صارت لها علامة مميزة.

مسعود عاشق مفتون

تعدى صيتها القرية وظل الناس يتحاكون عن شهرتها وأغانيها الجميلة.

ذات يوم يغتنم الوشاة الفرصة للوشاية بها عند الشيخة “فتنة” زوجة الشيخ محمد العريبي متذرعين بأنها ستكون سبباً في فشل “علاوي” ابن الشيخ محمد العريبي لاسيما وانه ترك مقاعد الدراسة والتحقق بركب مسعودة ينشد الطرب والغناء.

فتصر “فتنة” على تزويج مسعودة بواحد من الخدم للخلاص منها.. يطرق ذلك سمع مسعودة فتهرب تحت جنح الليل طالبة النجاة بنفسها وتسكن المجر الكبير مع أمها في الرضاعة.

مسعود شاعر غنائي

الحزن يرفد موهبتها الغنائية بل ويعجل بنضوجها الشعري فتنظم البيت والبيتين وتتغنى بهما، فتجد في الغناء خير وسيلة للتنفيس عن همومها وأحزانها.
وتظل صورة “علاوي” تلاحقها في كل الأوقات فلا تجد بداً من الغناء للإفصاح عن حبها العميق لعلاوي الذي كان صديقاً عطوفاً لها يرعاها ويذود عنها ويكرمها، لاسيما وأنها فتاة، وما يفرض على الفتاة من قيود اجتماعية صارمة تحول دون تحركها واتصالها بالرجال وخاصة في مجالس الطرب واللهو. لذلك نستقرئ آمالها التي تحولت الى أحلام بعد تهديدها بالزواج بواحد من خدام البيت، فنسمعها تقول في اغنية “يا سكينة”:

تمنيتك امن الله بس انه اوياك

خوية وننكل جدمنه بس انه اوياك

استكفانه العريضي بس انه اوياك

كطع شفنه وتحمل كل خطية

وحك سورة الفجر والنساني

عكب “علاو” محمد ونساني

انه ابجي اعلى المفارك ونساني

عكب عينه الحزن واجب عليه

مسعود وأبو اطويرة

مرة اخرى تعود مسعودة الى القرية ولكنها في هذه المرة في حماية الشيخ خزعل بن فالح الصيهود الملقب بـ”ابو طويرة” والذي كان محباً للغناء والطرب، حيث يجد في صوت مسعودة حلاوة وجمالاً ولم يجد مانعاً من استضافتها مدة لم تكن طويلة لأن الأيام الجميلة لم تطل حيث ينتقل “ابو طويرة” الى الحويزة، فيحدث فراقه حزناً عميقاً في نفس المطربة الكبيرة مسعودة العمارتلية فتغني رحيله وتستبكي الديار كما استبكى دياره الأحبة الشعراء الجاهليون وذلك في اغنية مشهورة سجلتها شركات التسجيل مازالت الحانها الى اليوم شائعة حملتها مسعودة اجمل الأبيات وأرقها.

خزعل يفص الماس وبهل ثنية

تبجي العدل صوبين والعامرية

لا ذاري طمها الدار لا زود اجاها

كلما تصد العين تذكر هواها

بخت الولد سليت راويني هدمه

للمحكمه ورديت جدمي اعله جدمه

قصة مسعود

مع شركات التسجيل العالمية

في عام 1925 يصبح المطرب المعروف عيسى العمارتلي متعهداً لدى شركات التسجيل العالمية، وذلك بتعاقده مع المطربين المشهورين آنذاك لتدريبهم في بغداد لمدة شهر واحد.

وأول مطرب يصطحبه عيسى معه الى بغداد هو مسعودة العمارتلية في نفس العام، على انه اصطحب في المرات القادمة مجموعة من المطربين بينهم حريب صنكور واحبيب عبد الله وكوركو وحسين اطنيش وجليل الجبار والذين سجلوا اغاني مشتركة مع مسعود.

الأجرة والشهرة

يسجل مسعود أربع أغان بـ(32) روبية، وما ان توزعها الشركات في العراق حتى تجد الإقبال الشديد على شرائها من قبل الناس.
وعلى إثر ذلك تستدعيه الشركات مرة أخرى وترفع أجرة التسجيل للاسطوانة الواحدة من (8) روبيات الى (150) روبية حيث سجلت المطربة عشر أغان بـ(1500) روبية وذلك عام 1926، والأعوام التي تلتها 1927، 1928، 1930، 1934 شهدت شهرة واسعة للمطربة الشهيرة وعقدت مع كل الشركات عقودا لتسجيل أغان جديدة.

مسعود وحضيري أبو عزيز

يتعاقد عيسى العمارتلي مع حضيري لتسجيل بعض الأغاني الى شركات التسجيل ما أتاح الفرصة امام المطربة الشهيرة مسعودة للالتقاء بحضيري المطرب الذي سمعت عنه وهو الآخر كان يتوق الى رؤيتها فيلتقيان ويعجب احدهما بالآخر لاسيما وأنهما مطربان حملا نقاوة الريف وصدقة فتنشأ بينهما علاقة حميمة ولم يعد احدهما يترك صديقه فترة طويلة حتى اذا ما شكا حضيري الى مسعودة كذب بعض الناس تجد المطربة الشهيرة تنظم بيتاً من الشعر وتلحقه بأبيات حتى يصير اغنية جميلة تسارع الى تسجيلها لإحدى شركات التسجيل العالمية:
تقول مسعودة في احداها:

نوبه الطم اعلى اجلاي ونوبه على الراس

يحضيري بسك عاد من عشرة الناس

يعجب ابو عزيز باللحن والكلمات ويتسلل الى احدى شركات التسجيل ليسجل لنا اغنية كانت بمثابة الرد على اغنية مسعودة السالفة الذكر

بطلنا يا مسعود من عشرة الناس

ما ظل صديج اليوم بيه ترفع الراس

أسرار خاصة في حياة مسعودة

مسعودة امرأة لم تكتف بزي الرجال فحسب بل تزوجت في شبابها من فتاة يقال لها “اشنينة” التي كانت زوجة مخلصة وجدت في مسعودة راحة البال والخلاص من الخدمة في بيوت الآخرين.

اما مسعودة فورطت نفسها مرة اخرى بزوجة ثانية، وقصة هذه الزوجة طويلة وسببت المتاعب الكثيرة لمطربتنا الكبيرة وربما كانت سبباً مباشراً في وفاتها، اي وفاة مسعود، هذا ما ذكره صديق مسعود وعديله المطرب –كريري-.

غير أن السيد حمد العلاك وهو أقدم موسيقي رافق مسعود ولحن بعض أغانيه يذكر أن مسعود مات نتيجة لتسممه بطعام كان قد تناوله في آخر حفلة ساهم فيها، لكن الذي اتهم “كاملة” هو اسعيد شقيق مسعود طمعاً في الحصول على مخلفات اخيه وهي كما يقول السيد حمد قلادة ذهب واربعون دينارا، فاشتكى لدى المحكمة وسيقت كاملة اليها وبعد التحقيق سجنت تسعة اشهر وهكذا انتهت حياة هذه الفنانة ذات الصوت الجميل.

المرأة في أغانيه

المتتبع لأغاني مسعودة يجد انها أفصحت عن هموم المرأة واحباطاتها في تلك الفترة من الزمن.

فمن أغاني الفتيات العاشقات وما تنطوي عليه تلك الأغاني من معان جميلة في وصف الفراق والرحيل. حيث كانت تعيش الغربة في ضائقة مالية ويرزح أهلها تحت عبء ثقيل من الديون الباهظة لرجال الاقطاع، ولم يكن أمام الناس إلا الهروب كلما سنحت الفرصة لهم بذلك خوفاً من التعذيب والسجن في سجون الاقطاع.

نلمس تلك المعاني في الكثير من أغاني مسعودة العمارتلية، كما في اغنية “شال العزيز اليوم” واغنية “موزر سلاحه”.

ولعل اجمل المعاني وردت في وصف لحالة فتاة وقد سمعت عزم أهل حبيبها على الرحيل من جراء قلع “الشبه” وهي حنية القصب التي يقوم عليها البيت، حيث تطلب من أمها “تدثيرها” والاستماع الى أنينها اذا ما تأكد لها مسير “المرحال” وهو الزورق الكبير الذي يحمل البيت والعائلة معاً

من شلعوا الشبه يمه دثريني

من غرب المرحال سمعي ونيني

وأغاني مسعود سجل رائع لهموم الفتاة بعد الرحيل والفراق، هذا اضافة الى الأبيات الجميلة في حذر العشاق من الآخرين.
وحب بنات الريف عذري وترفض الفتاة الاقتران بأكثر من واحد حتى انها تعيب على من تفعل ذلك، كما يرد في واحدة من أغاني مسعود، وكرامة الفتاة أعز من لقمة العيش، واذا حصلت لها مضايقة من واحد من رجال الإقطاع رفضته على الرغم من قوته وجبروته، فهذه فتاة تأخذ عصاها “ملواي” والتي تستعملها في شد العباءة اذا ما حملتها بالحاصل بعد ان تشعر بمضايقة الرجل لها:

زرعتك ما نكلش بيه خالي اطني ملواي

بالك تعود النوب مسموحه الك هاي

ولم تنحصر اغاني مسعودة على هموم الفتيات بل تتعدى ذلك الى هموم الزوجات التعيسات وما تنطوي عليه تلك الهموم من مشاكل وتعاسة.
فهذه فتاة تذكر ان رفيقاتها يعشن في بيوتهن “مفتول الحديثات” في حين كان نصيبها “ضرة وعائلة كبيرة”.

مفتول الحديثات عالي ويبابي

طحت بشرج وعيال بأول شبابي

اللحن عند مسعود

في رأيي ان المتتبع لألحان الاغاني عند مسعودة يجد ان هناك ثلاثة مصادر كانت ترفد المحن عندها:

أولها ان مسعودة امرأة وكانت تعيش في بيئة ريفية وما لهذه البيئة من طبيعة في الغناء عند المرأة في البيت أو الحقل..
ففي البيت تمارس المرأة عملية الطحن أو تنويم الطفل او تشارك الأخريات في المآتم والأجواء الثلاثة السابقة تتيح لها فرصة الغناء والتعبير عن همومها، فمسعودة كانت تحفظ تلك الألحان وتعيدها بشكل جميل ورائع.

وربما تضيف عليها من موهبتها وشعرها، وهذا ما وجدناه في اغنية “مطبر يبويه امطبر” التي كانت تغنيها النساء عند طحن الحبوب والتي غنتها مسعودة وسجلتها شركات التسجيل العالمية وما نقوله عن الأغنية السابقة ينطبق تماماً على الأغاني “انولينه انسبينه” “سار الظعن وابعد عليه”.

تضاف الى تلك الأغاني الأغاني الرعوية التي تؤديها الفتيات عند نقل الحاصلات او عندما “يسرحن” مع الحيوانات في الحقول، ومن هذه الأغاني “نونة يم نونة” و”شال العزيز اليوم” و”ابو طويرة اريد اوياك” و”غريب وين اهلك”.

وثانيها

الأغاني التي كان يلحنها الملحنون الشعبيون المعروفون كعيسى العمارتلي وكوكو وسيد حمد العلاك الذي كتب كلمات اغنية مسعودة “مر يحبيب اشرب جاي” والتي لحنها نفس الشاعر وغناها مسعود.

وثالثها- ما يشتهر من اغانٍ كانت تدفع المطربين لمجاراة اللحن الشائع وهذا ما نجده في عدة اغان غناها مسعود منها “ذبي العيابة” و”يا شط عسنك” و”طب دشرتوه” والتي غناها مسعود عندما شاعت اغنية “يا الله يا دشر” والتي كان يغنيها “عيدو سعاده” في ملاهي بغداد انذاك.

ألحانه أثرت في الغناء العراقي

حفظت لنا شركات التسجيل العالمية مجموعة من اغاني مسعودة والتي اثرت في الغناء العراقي تأثيرا مباشراً.

فأغنية “انه اشبيدي وشسوي” اعاد غناءها عيسى العمارتلي وحضيري ابو عزيز وسميت فيما بعد اغنية “احميد”.

أما أغنية “يا سكينة” فقد صارت لحناً شائعاً للغناء المحمداوي مازال تأثيرها باقيا الى يومنا هذا في الغناء الجنوبي.

واغنية “محمد خويه محمد” التي غنتها سليمة مراد وصديقة الملاية من بعد ما سجلها مسعود لشركات التسجيل.

واغنية “عاين يلسمر عاين” وهي من الجوبي غناها اكثر من عشرة مطربين معروفين للاذاعة العراقية.