مسلة حمورابي.. أعظم إنجازات النحت العالمي

278

د. زهير صاحب /

تعد مسلة الملك حمورابي (1792 – 1750 ق.م) من أهم المسلات التي أبدعت على أرض الرافدين. وذلك التفضيل متأت من الأفكار الإنسانية العظيمة التي قدمتها نصوص تلك المسلة القانونية للفكر الإنساني، التي مازالت حية تفكر في عقولنا حتى الوقت الحاضر.
اكتشفت المسلّة من قبل بعثة الاكتشافات الفرنسية في مدينة (سوسة) عاصمة الدولة العيلامية في إيران، بعدَ أن نهبها الملك العيلامي من مكان عرضها في إحدى ساحات المعابد بمدينة (سبار) في اليوسفية جنوب بغداد، وهي محفوظة في
متحف اللوفر بباريس حالياً.
يبلغ ارتفاع المسلة (225) سم، ولها شكل شبه أسطواني غير منتظم التدوير، ومنحوتة من حجر الديورايت الصلب أسود اللون،
وقطرها من الأعلى (165) سم، ومن الوسط (160) سم، ومن الأسفل (190) سم، وارتفاع المشهد التصويري الممثل في أعلاها
يبلغ (65) سم (شكل 38).
امبراطورية حمورابي
إذا فهمنا التعبير في المنجز التشكيلي على أنه متأتٍ من تفاعل عناصره البنائية، فإن: (مسلة كل العراقيين) بَثّت خطابها الفكري بواسطة عرضها في أهم ساحات المعابد البابلية: (معبد الإله شمش) في مدينة (سبار)، تلك المدينة التجارية المهمة في هيكل إمبراطورية (حمورابي)، في حين نالت أهميتها الإخبارية عن طريق ضخامة حجمها، ولونها الأسود اللماع المشّع، الذي نسجت بريقه خيوط أشعة الشمس في مدينة (سبار)، التي عُرفت لدى البابليين باسم (مدينة الشمس).
فمسلّة الملك البابلي تُمثّل انزياحاً مهماً في بنية المنجزات النحتية الرافدينية، في صدد غرائبية ارتفاعها الشاهق، وخاصية خامتها، وطبيعة موضوعها، ونظام تكوينها الشكلي، وتقنية نحتها، وآليات الإظهار المتفردة الجديدة في إخراج مشهدها التصويري.
فإذا فهمنا التأريخ بدلالة الفن، فإن مسلتنا تُعدّ من أعظم منجزات النحت البارز في تأريخ النحت العالمي. وفي (مُنعطَف) آخر: فإنها تشير إلى خاصية تكامل الأسلوب البابلي ونضجه في خارطة الفن العراقي.
تقنية في آليات المشهد
هندَسَ الفنان، برغم تخفيه خلف المشهد، وجه المسلّة على شكل مُحدّب قليلاً، لإتاحة فضاء تصويري يتسع لتمثيل تفاصيل المشهد من جهة، ولتوسيع مديات خاصية الاستيعاب البصري من قبل جمهور المتلقين من جهة أخرى. كما أن الفنان حقق تفاوتاً في مستوى سطح المسلة، بأن حَصَر المشهد المصور داخل مستطيل غائر في الأعلى، قياساً بسطح المسلة الكلي، وتلك ظاهرة تقنية في آليات إظهار المشهد، لوّنت سطح المسلّة بمساحات من الضوء والعتمة، وفعّلت خاصية التلقي الجمالي لتكوينه النحتي (شكل 38).
احتلت مساحة المستطيل العلوي، الذي خُصص لتمثيل لقاء حمورابي بالإله الشمس: (شمش)، نحو ربع مساحة السطح النحتي للمسلّة، وذلك فضاء تصويري كافٍ بالنسبة للملك لإظهار فرحه النفسي، فهو الذي قَدِمَ متحركاً بتأنٍ من اليسار إلى اليمين، وظهر في سن متقدمة من العُمر، بعد أن أنهى مشروعه الوطني الكبير بتوحيد البلاد، مرتدياً غطاء رأسه الملكي الأنيق، وتميزَ بأنفٍ كبير، وتلك أهم سمة من سمات صورته الشخصية، متمظهراً بقلادة جميلة عُقدت من أحجار ثمينة زرق اللون، ومزيناً رسغه الأيمن بزوج من الأساور الحجرية الملونة، ومرتدياً (دشداشة) من قماش رقيق، تركت يده اليمنى عارية، والتحفَ فوقها بعباءته الصوفية الخشنة، بعد أن لفَّ حافتها على ذراعه اليسرى، مؤدياً تحيته المعهودة بدفع ذراعه اليمنى الرشيقة بحركة احترام، كما اعتدنا أن نفعل ذلك في المناسبات المختلفة في الوقت الحاضر، ثم توقفَ، حيث الصمت سيد الملكات (شكل 38).
في حين جَلسَ قبالته سيده الإله (الشمس)، على كرسي أسطوري نُحِتَ على شكل معماري يمثل مدخل أحد المعابد، متوجاً برمز ألوهيته الوهمية، وهو على شكل تاج صيغ بعناية من أربعة أزواج من قرون الثّور. وقد أضاء المكان بفعل حزم أشعة الشمس المنبعثة من خلف كتفيه، وأمسك بيده اليمنى رموز السلطة المحفوظة لديه، وهي عصا السلطة وحبل القياس. محتفلاً بلقاء ممثله في حكم بني البشر بزي احتفالي خاص نُظّمَ على شكل رداء طويل ملوّن بالأصفر والأزرق، وصُمِّم على شكل أشرطة لونية متتالية، وانسابَ بكل رقة مغطياً جسمه، تاركاً ذراعَهُ اليمنى عارية (شكل 38).
تُشفّر الأشكال الحرشفية المتراكبة من أشكال أنصاف أقواس، أسفل قدمي (الإله): الشمس، إلا أن لقاءه مع سيد أرض الرافدين كان في منطقة جبلية منعزلة، إذ أن تلك الأشكال تمثّل علامة (عرفية) في الكتابة المسمارية: تعني الأرض الجبلية البعيدة، فنحن هنا في حضرة احتفال أسطوري، هو بذاته المحرّك الذي يشحن إشكالات الحياة بفعل عاطفي يُسيرها.
وبفعل تَبؤّر الحدث على دائرته الداخلية التي تجاهلت العالم الخارجي، بدا ذلك المشهد التعبيري: باثاً لخطاب (صوفي) نابع من أعماق النفس. فالمكان وتمثّلهُ مغيب، ليس كما هو في الوجود المُتَعين، كونه فاقداً لتحديده الجغرافي، على وفق شدة علاقته التي عقدها مع المُتخَيل في خطاب المشهد التصويري.

العدالة في الفكر البابلي
غَلقَ الفنان الإنشاء التصويري للمشهد.. غلقاً تاماً، بقصد الحفاظ على سِرية الكلمات، التي تطايرت في دائرة مغلقة خاصة جداً. وبرغم تفاوت الوضع الحركي للشخصيتين: ما بين الجلوس والوقوف، فإن صورة (الإله) تهيمن على المشهد بشكل كبير، لأن محاولة اقتراب (حمورابي) من تعالي (الماورائي) الوهمي بقيت على مسافة، وذلك سيّر القلق الوجودي الذي عاشه البابليون.
عَبدَ البابليون الشمس بذاتها، دون أن يفكّروا بخالقها: وياللخسارة! فتصوروها حية، ولها إرادة خاصة وشخصية مُحددة. وحين رغبوا بفكرة أنسنتها بغية إشراكها في طقوسهم وشعائرهم الاجتماعية المتنوعة، فإنهم قولبوا صورتها بهيئة بشرية، وسلحوها بمنظومة متكاملة من الأشكال الرمزية: كالتاج المقّرن والرموز المقدسة الأخرى. فالبنية الظاهرية للمشهد ضايفت بين البشري والماورائي، لتبث البنية العميقة للمشهد تشفيرها الدلالي: بأن يلبي (الماورائي) احتياجات الحضور البشري. وذلك مجرد (وَهم) أحاله الفنان بجهده التخيلي من فكرته المجردة الى تمظهراته المرئية، التي ادّت فيها الشخصيتان دورين كونيين، قَرّرا فيهما سعادة الإنسان دون شك.
ضايفت المسلّة بين النص المصور والقانون المكتوب، فبعد أن أنهى النحات تشكيل مشهده في الأعلى، جاء دور الكاتب ليسطّر على سطحها الصلب موادها القانونية، التي كُتبت بالخط المسماري واللغة البابلية. لم يكن لدى ذلك الكاتب البركاني، الذي أولاه (حمورابي)، كما أولى الأدباء والمثقفين كل اهتمامه، سوى شكل مسمار واحد ()، وبفعل عبقريته التي تحتفل بها الإنسانية كل صباح في متحف اللوفر بباريس، أدار شكل المسمار ألف مرة، وركّبه بما لا يُحصى من العلامات الكتابية، فأبدع ألف كلمة وعشرة آلاف مدلول، تلك هي فضيلة الشعب العراقي على الفكر الإنساني، مهما توالت الأعوام.
الذائقة الجمالية
في حين يتضح رُقي الذائقة الجمالية للملك (حمورابي)، في خاصية اختيار خامة مسلته، فسهول بلاد الرافدين وأحراشها المائية، من بابل في الوسط وحتى أور في الجنوب، تفتقر لمثل كتلة مسلة هائلة الحجم والصلابة سوداء اللون، فقد بَحثَ الملك عن (الكَيف) الذي سَيحّل به مشروعه الوطني في وعاء الخامة.. لتحيا به في وجودها الخاص، إذ كان مُصّراً في خاصية تفعيل التعبير لمشهده المصوّر وكلماته المحفورة حجراً على حجر، ليوم إلى الأبد. بنفس الطريقة التي وَجدَ بها (جلجامش) حَلاً لقلقه الوجودي، بأن حَفَر ذاكرته الفكرية عميقاً على أسوار مدينة الوركاء المنيعة.
كما حقَقَ نحات المسلة البابلي أقدم السمات الفنية لدراسة المنظور على السطح النحتي، إذ مَثّلَ تاج الإله المقّرن، الذي عُقدَ من أربعة أزواج من قرون الثّور، ركّبت الى بعضها بتراتبية حجمية إيقاعية جميلة، بوضع جانبي على رأس الإله ووجهه الذي مُثّل بذات الوضع الحركي (شكل 38)، بَعدَ أن كان التاج المقّرن للإله، يُمثّل بوضع أمامي على رأس بوضع جانبي، في عصر النهضة السومرية – الأكدية السابق (2112 – 2004 ق.م).
أما لحيتا الإله والملك الطويلتان، فقد مُثّلتا بمسقط نظر أمامي على وجهيهما الممثلين بوضع جانبي، وذلك فعلٌ قصدي من قبل الفنان، بوصف اللحية الطويلة، تمثل العلامة الفارقة التي أتاحت الفرصة للشخصيتين لأداء بطولة المشهد.
سبع نسخ من المسلة
حَرَصَ الملك (حمورابي) على أن يشمل خطابه الفكري (القانوني) كل الجماهير، لذلك وَجّهَ بنحت سبع نسخ من مسلته القانونية، التي عُرضت في المدن البابلية المختلفة، ولم تكتشف سوى واحدة منها حتى الآن. والمُثير في الموضوع هو كسرة الحجر الكلسي التي يحتفظ بها المتحف البريطاني بلندن، وارتفاعها (15,2) سم. التي تمثّل جزءاً مهماً من إحدى تلك المسلاّت، فبرغم التلف الكبير الذي أصابَ مشهدها النحتي، فإن بإمكاننا تمييز صورة حمورابي بوقفته والعلامات الفارقة المتعارف عليها التي تميز شخصيته في مسلته الأصلية، وسُطّرت المواد القانونية على سطح تلك المسلة باللغة السومرية، ووزعت على خانتين أسفل صورة الملك (شكل 39).
من الصَعب تعرف دلالة النصوص السومرية، التي حُفرت بأناقة على سطح الحجر الكلسي، بسبب التلف الكبير الذي أصابها وأحالها الى معالم تقابلات من التضاريس الجيولوجية، وكأنها لوحة من لوحات (مارك توبي) أو (هنري ميثو) من رواد التشكيل المعاصر.