مشهد الإيرانية.. قداسة المكان لم تحجب إيقاع حياتها العصرية

339

 خضير الزيدي/

ما أن تطأ قدماك أرض مدينة مشهد في إيران، حتى يأخذك سحر المكان إلى عوالم التاريخ والتراث الإنساني القديم والشعائر الدينية مع نمط من الحياة العصرية التي تنفتح على وجود قاعات العرض السينمائي وتعدد الفنادق السياحية الكبيرة وتجارة يومية تتوسع بشكل لافت.

وهذا التناقض في الاهتمام بإرث تاريخ مدينة مشهد المقدسة ومواكبة العصر لم يبعدها عن طابع الاحتفاء بها لتختارها منظمة ايسسكو (isesco) المنظمة العلمية والثقافية والتعليمية كعاصمة ثقافية إسلامية لعام 2017 ما جعلها محطة مهمة، باعتراف رسمي، والاحتفال باختيارها مدينة سياحية دينية ومركزاً مهماً للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

تاريخ المكان

مثل كل المدن، التي تحمل سمات البعد الديني، تبدو هذه المدنية ذات عمق أثري موغل في التاريخ. إنها جزء مهم من وادي طوس حيث شيدت فيها قرية (سناباد) أواخر القرن الثاني للهجرة، وهي تعود في تبعيتها لمدينة أكبر اسمها (نوغان) ضمن ولاية طوس. ولأن الأنهار تجري فيها، فقد تميزت بقناة مائية تعرف عند الإيرانيين القدماء بـ (سناباد) على مقربة من قصر يعود لوالي خراسان حميد بن قحطبة. وحينما استشهد الإمام الرضا عليه السلام في تلك البقعة تم غسل جسده الشريف بماء تلك القناة، ومن يومها أصبحت قرية سناباد محط أنظار العالم لوجود الضريح المقدس. ومع منتصف القرن الثالث الهجري بدأت الأسر تتواكب على القرية، ما دعا لإعمارها وتشييد البيوت حول الحرم الرضوي وعدَّت من ذلك اليوم واحدة من المدن الإيرانية الكبيرة المعروفة بطابع السياحة الدينية.

من شواهد التاريخ

قد تكون لبقعة مدينة طوس مكانة لافتة، فما أن تمد عينيك على أي من جهاتها حتى ترى الجبال والمناظر الخلابة، وحينما تتعمق في رؤيتك لتبصر ما خلّفه التاريخ من شواهد فسيكون عليك أن تتوقف متأملاً أقدم مساجدها التاريخية وهو مسجد (كوهرشاد) المشيّد في العصر التيموري أوائل القرن التاسع بأمر من السيدة (كوهرشاد) ابنة الأمير غياث الدين ترخان، وهو أحد الأمراء الجغتاليين، والذي يعد، حسب المستشرق (اوبهام)، ثامن أجمل ما بناه العالم من شواهد إسلامية. شُيّد المسجد بطابع بنائي مختلف جعله شاهداً على عصر إنساني، ويعدّ المعمار الإيراني (قوام الدين شيرازي) الشخصية الأولى التي أرست قوامه وتصميمه مستغرقاً اثني عشر عاماً في بنائه المكتمل. يضم مسجد كوهرشاد أربعة إيوانات ضخمة تعلوها الأقواس والمقرنصات والخطوط الجميلة والنقوش التي تسر الناظرين، ومن يتأمل عن كثب تصميمه يجد أضلاع ذلك المسجد مكسوّة جميعها بالكاشي النفيس.

طبيعة الحياة العصرية

في كل فسحة من تلك المدينة ثمّة ما يثير حساسيتك لتتعرف عليه بشكل غريب، فلا تخلو مدنية مشهد من أسواق كبيرة ومحال تجارية لبيع الذهب والفضة والأحجار الكريمة. ومن يعرف مميزات هذه البقعة سيقول لك إنها تضم جميع الأحجار الكريمة التي تباع بكثرة بين الصاغة، فقد قيل إن مشهد لوحدها تضم ما يقارب الأربعين بالمئة من الأحجار الثمينة. وقد أحصينا وجود 1573 معملاً ومصنعاً في خراسان يروج لإنتاج وتقديم أثمن الأحجار. وإذا ما ذهبنا لاكتشاف الجديد في مدينة مشهد فيسكون لزاماً علينا أن نتوقف حيال قطار المترو والذي أنجز ليحل أغلب المشاكل في حركة المرور، فهو يتألف من أربعة خطوط مرتبطة بالمطار الدولي، واحد من بين تلك الخطوط يرتبط بسكك حديد مشهد والآخر يمر عبر محطة الإمام الرضا لنقل المسافرين مسهّلاً للقادمين من شتّى بقاع الأرض مهمة السفر. أما عن عوالم السياحة والفندقة فقد ترى شواهق من البنايات لتتأكد أنها من أضخم الفنادق، والغريب فيها أنها تحمل تصاميم تنمّ عن وعي متقدم ومتواكب للتجديد في بناء المدن الحديثة. ولا يخفى على الزائر لتلك البقعة أن يعرف من قبل أي مسؤول محلي بأن المدينة تحظى بقدرة موسعة لتنمية العلاقات الدولية، فقد جرت توأمتها مع مدن (ارومجي) الصينية (ولاهور وكراجي) الباكستانيتين، فكيف يكون سحر المكان وأنت تنثر يومياتك بين أن ترى ما كان مخفياً من تاريخ المكان وما تراه عيناك من التطور العمراني.

كل هذا وأنت تسأل نفسك ما الذي تتمناه من الأكل المشهور في مشهد بعد رحلة اكتشاف الأمكنة…هل عليك أن تقتنع بواحد من اثنين: أن تتناول في أكلك ماء اللحم (ديزي) الذي يطبخ في وعاء حجري خاص ليتميز عن باقي أنواع ماء اللحم أو أن تطلب من صاحب المطعم أن يأتيك بلحم (الشيشليك) المشوي.