معالم من شارع الرشيد

100

#خليك_بالبيت

باسم عبد الحميد حمودي /

يعد شارع الرشيد في بغداد أقدم شارع حديث شقّ وسط جانب الرصافة وأعلن افتتاحه في 23 تموز 1916 من قبل الفريق خليل باشا والي بغداد العثماني قبيل انسحابهم من بغداد بأشهر.
تطوّر العمل التجاري والاجتماعي في هذا الشارع العتيد الذي كان مركزاً أساسياً من مراكز التقدّم المعماري الحضاري والتجاري في بغداد، إذ انتشرت على جانبيه محال اللهو والثقافة والاقتصاد مثل المسارح والسينمات ودور الصحف والملاهي والمراكز التجارية الحديثة مثل (حسو أخوان) و(أورزدي باك) و(مجمع روكسي) وسواها.
وجه الشارع يتغيّر
كان وجه الشارع الجميل قد تغيّر مراراً، وشباب هذه الأيام يسمعون بوجود مقهى مهم مثل (البرازيلية)، كان مقرّاً لجلوس الأدباء والمثقفين الآخرين حتى زواله في الثمانينيات، وكان يقع إلى جواره مطعم معروف للبغداديين هو (مطعم عمو الياس) الذي أزيل أيضا وكان يقدم أشهى المأكولات السورية واللبنانية والدجاج المشوي إضافة إلى الأطعمة البغدادية القديمة مثل (القزاطمة) و(الجلو بلو)، وقد كنت حريصا على تناول (الجلفراي) فيه لمذاقه اللذيذ وأنا أجلس إلى جوار المجموعة المختارة التي اعتادت الإطعام فيه أمثال الروائي جيان والقاص نزار عباس والشاعر حساني علي الكردي والمثال أرداش كاكافيان وسواهم.
عمو الياس ممثلاً
كان السيد الياس نعمو صاحب المطعم صديقا للفنان يوسف العاني وقد استطاع العاني أن يقنع المخرج جعفر علي بأن يقدّم عمو الياس في مشهد سينمائي في الفيلم الذي أخرجه بعنوان (المنعطف) عن رواية (خمسة أصوات) لغائب طعمة فرمان، وكان الصديق غائب من روّاد مطعم عمو الياس والبرازيلية ومقهى المربعة المواجه لسينما الزوراء، ذلك أنّ (غائب) رغم ابتعاده عن بغداد كان يعرف معظم كهول المربعة وأبو سيفين وأبو دودو حيث نشأ هنا، هو الشاعر عبد الوهاب البياتي!
تجوال في البرازيلية
في هذا المقهى كنّا نلتقي في الستينيات بخلاصة رجال الحداثة السردية مثل الصديقين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي، ويجلس بينهما وبين رجال التحديث في السينما العراقية: المخرج كاميران حسني وصاحبه الفنان الكبير يوسف العاني، قبل وبعد استكمالهما تنفيذ فيلم (سعيد أفندي (.
كان الشاعر حسين مردان يأخذ ركنه المختار أمام الواجهة الزجاجية قبل أن يصل صاحباه؛ الناقد عبد المجيد الونداوي والشاعر رشدي العامل الذي كنت اشترك معه في الاحتيال على مردان وسلبه أجور المقهى الغالية نسبيا بوعد الكتابة عن (عبقرية حسين مردان) أو الوعد بالانتقاص من شاعرية عبد الوهاب البياتي!
لم تكن البرازيلية مركزاً لنا بل كان لها دورها الاساسي السابق في تكثيف لقاءات الفنان جواد سليم بالرسامين البولونيين خلال الحرب العالمية الثانية الذين كانوا تلامذة للفرنسي بيار.
كان من روّاد البرازيلية الدائمين المؤرخ العراقي الكبير جواد علي الذي كان يسكن في شقّة خاصّة في عمارة المقهى.
يقول مؤرخو مقاهي بغداد أنّ البرازيلية أنشئت في ثلاثينيات القرن الماضي ويقول المحامي طارق حرب في موسوعته البغدادية إنها أنشئت عام 1940 بإدارة اللبناني عمر الصبّاغ وامتازت بكراسي الخيزران والموائد العريضة وعدم وجود النرد والدومينو فيها.
مكتبة مكنزي
كانت هذه المكتبة البغدادية العريقة تقع عند مدخل الشارع الكلاسيكي الجميل الذي يخرج من شارع الرشيد باتجاه غرفة تجارة بغداد المطلة على دجلة.
كان هذا الشارع المهيب البناء جزءاً من مقتربات بيت اللنج، وبيت اللنج شركة بريطانية كانت تشرف على النقل المائي زمن الانكليز وقد ألغي امتيازها منذ خمسينيات القرن الماضي.
تقع مكتبة مكنزي في رقبة ذلك الشارع وتقابلها في الجانب الآخر من الشارع تكية البدوي.
الآن صارت صورة الموقع واضحة، لكن حسرة المثقف على ضياع معلم ثقافي عراقي بغدادي كبيرة، رغم أنّ هذه المكتبة كانت تستورد وتبيع الكتب الأجنبية، وقد تأسّست سنة 1920 من قبل المستر هنري بومان في موقع صغير في قشلة بغداد – أول الأمر – ثم تولّى السيد كينيث مكنزي نقلها إلى موقعها الذي هُدّمت أجزاء منه بعد عام 1968 ثم احترقت بقاياه مؤخراً لتضيع جوانب من صورة مضيئة للثقافة في العراق.
ماذا تعني مكتبة مكنزي لنا وهي مجرد مكتبة (كانت) تبيع كتبا؟
تعدّ مكتبة مكنزي التي أدارها كريم مكنزي بعد رحيل السيد دونالد مكنزي واحدة من أبرز المعالم الثقافية في بغداد وفي هذا الشارع العتيد.
كانت ملتقى للكثير من مثقفي بغداد وسياسيها ومنهم: أرشد العمري ونصرت الفارسي وحسين جميل وجبرا ابراهيم جبرا وابراهيم كبة وطلعت الشيباني ورفعت الجادرجي ونهاد التكرلي وعبد المجيد الونداوي وعبد الملك نوري وعدد كبير من رجال الثقافة والسياسة وأساتذة اللغات الأجنبية في كليات بغداد قبيل تأسيس الجامعة مثل المستر بومان من كلية دار المعلمين العالية والمستر غوث من كلية الآداب ودزموند ستيوارت الذي درس في الكليتين، وكان صديقا حميما لجبرا وابراهيم اليتيم وجميل حمودي وسواهم.
كانت لقاءات الساسة والمثقفين في (مكنزي ) تتم من أجل النقاش في كتاب وصل مؤخرا، وكان دزموند ستيوارت الذي كتب رواية (الإنكليزي غير المرغوب فيه ) التي ترجمت في الخمسينيات إلى العربية قد كتب عن الانتليجنسيا العراقية وشارع الرشيد أيام الخمسينيات ومكتبة مكنزي، وكان جبرا قد أصدر روايته (صيادون في شارع ضيق) بالانكليزية وترجمها محمد عصفور إلى العربية وقد صور فيها مكتبة مكنزي كجزء من حركة الثقافة البغدادية بإدارة صاحبها كريم الذي أطلق عليه اسم (مثيل).
السويس بوفيه
في الجهة المقابلة من شارع الرشيد كان يقع مقهى (السويس بوفيه) الذي كان يجلس فيه علية الكتاب والمثقفين وأساتذة الجامعات ويمتاز بإدارته المتقدمة (النازكة) وأسلوب تقديم القهوة التركية والقهوة بالحليب فيه إضافة إلى البطارخ الخاصة به.
الذي يجلس في السويس بوفيه قد يذهب إلى (مكنزي ) عبر الشارع إذا استفزه الحديث عن كتاب وصل حديثا أو قد ينتقل إلى مشرب (شريف وحداد) عند رأس جسر مود (الإحرار) أو يتناول الطعام في مطعم (عمو الياس) الذي كان يقع جوار مقهى البرازيلية الذي هدم وضاع معلم مهم آخر من معالم شارع الرشيد.
ضاعت (مكنزي) وراح (السويس بوفيه) و(البرازيلية) و(عمو الياس) ومكتبات الشارع العتيد وسينماته ومنها:
سينما الزوراء
تمتاز واجهة سينما الزوراء الراحلة بزخارفها الجصية المتداخلة الإحجام والاشكال، ابتداء من قمّتها التي تجسّد شكلي امرأتين مغريتين يحرسان تاجا إلى تفاصيل أخرى أبدعها مهندس العمل السيد نعمان منيب المتولي (1891-1951) مهندس بلديتي الحلة وبغداد الذي رسم الخارطة وأشرف على البناء عام 1944.
كانت الزوراء تقع في رأس الزقاق الذي يقابله مبنى مقهى (المربعة) الذي تلاشى مع تفاصيل أخرى ذهبت مع معالم مهمة من تاريخ هذا الشارع الخالد.